السبت، 9 أغسطس 2014

الملعونات في كتاب "النساء حبائل الشيطان" لصاحبه خريج كلية أصول الدين بتطوان، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



الملعونات في كتاب "النساء حبائل الشيطان" لصاحبه خريج كلية أصول الدين بتطوان
عبد الواحد بنعضرا


وأنا أمرّ الشهر الماضي أمام باعة الكتب أثارني عنوان كتاب وصورة صاحبه، أما الكاتب فهو شاب يرتدي بذلة "الإفرنجة" ورباطة العنق "الإفرنجية"، حليق الوجه (لا لحية ولا ذقن)، وتصفيفة شعره توحي بأنه يتبع الموضة في ذلك، وبالمقابل ونحن في القرن الحادي والعشرين نجد عنوان كتاب يحمل هذه العبارة: (النساء حبائل الشيطان)، ولما قلبت بعض الصفحات وجدت أن الكتاب حديث الصدور أي في سنة 2005 (الطبعة الأولى) وطبع بمطبعة الخليج العربي بتطوان، أما الشاب فهو من مواليد 1974 بتطوان وحاصل على الإجازة العليا من كلية أصول الدين بتطوان.
أخذت الكتاب معي وأخذت اقرأ فيه، فما وجدت فيه إلا مكرورا من الكلام ومعادا، فصاحبه يلوك كلاما أكل عليه الدهر وشرب، ويجتر معاني بليت ــ كما نحسب ونظن ــ وأصبحت هشيما تذروه الرياح، وكابدت كل المشقة وجاهدت النفس على إتمامه مع أنني في كل سطر ومع كل فقرة أحس بالغثيان وبالرغبة في القيء، وتذكرت قول المتنبي:
        ومن نكد الدنيا على الحر                         أن يرى عدوا له ما من صداقته بد
فصاحبت صفحات هذه الأكتوبة ــ على وزن الأكذوبة ــ على ما في الأمر من شدة الوطأة على النفس وجلب الكدر على الفؤاد.
إن أغلب ما جاء في الكتاب هو لعن في لعن في توعد للنساء بالعذاب الأليم. وهذا بعض كلام فاه به المؤلف في مقدمة كتابه أو أكتوبته: "إن جل النساء العربيات في هذا الزمن، متحالفات مع الشيطان مدافعات عن حقوقه (...) لقد صارت هؤلاء النساء ملعونات من الله ورسوله والناس أجمعين: أليست نامصات الحواجب ملعونات؟ أليست الواصلات لشعرهن بشعر آخر ملعونات؟ أليست الكاسيات العاريات ملعونات؟ أليست اللواتي تخرجن بغير إذن أوليائهن ملعونات؟ أليست اللواتي ترضين لأنفسهن الذل والمهانة على صفحات الجرائد والمجلات وفي الفيديو كليبات ملعونات؟... أليست اللواتي تجلسن وترفعن أصواتهن وسط حشد من المؤمنين ملعونات؟ أليست تلتصق نحورهن بالرجال في سيارات الأجرة والحافلات وفي الازدحام ملعونات؟ أليست العاريات في الشواطئ ملعونات؟ أليست المغنيات النواحات ملعونات؟ أليست البطلات من الممثلات وأغلب مقدمات البرامج ملعونات؟.." (النساء حبائل الشيطان، رؤية نقدية لواقع المرأة العربية المعاصرة، نقد مدونة الأسرة المغربية ــ نموذجا، ص. 5 – 6). 

فقد نشر "القديس" الطاهر وبحر الإيمان الهادر مؤلف الكتاب الباتر لكل صلة لنا مع الحضارة، نشر لعناته وبسطها على كل امرأة من المغنيات والممثلات، مرورا بمن يضطرهن ضيق الحال أو شظف العيش أو عموما من لا تملك سيارة إلى الازدحام في الحافلات أو سيارات الأجرة، وصولا إلى النقابيات والبرلمانيات حيث كتب عنهن: "أما تلك المرأة المترجلة التي تتعلم من أجل الخروج من منزلها للوقوف بين الرجال في المنابر والفضائيات والبرلمانات والنقابات والاجتماعات فهي ملعونة لقول رسول الله عن أبي هريرة: لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" (نفسه، ص. 12).
وأتساءل إن قمت بالقياس على ما ذكر وقلت له أن هناك رواية تروى عن النبي بأنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم)، ماذا عساك أن تفعل وأن تحلق وجهك وترتدي رباطة عنق وبذلة "إفرنجية" ــ والعياذ بالله ــ أتراك صرت من الإفرنجة "الكفرة" وبدلت دينك وارتضيت مذهبهم وعقيدتهم لك سلوكا؟
هون عليك فما قصدت لعنك ولا تعزيرك، إنما هي دعابة مثل دعاباتك الثقيلة ولغوك في أكتوبتك العجيبة والتي لفت انتباهنا فيها إلى ما يقض مضجعك ويثير مخيلتك ويملك عليك سحابة نهارك وبياض ليلك، ويأخذ بمجامع قلبك أنت وأمثالك من خريجي التعليم الديني، إذ صرحت بـ: "أننا نعيش في زمن رديء يطغى عليه هذا الصنف من النساء، نساء متبرجات كاسيات عاريات صدورهن عارية، متنمصات الحواجب، أفخاذهن عارية، لباسهن ضيق وشفاف، صابغات شعورهن، متمايلات في مشيتهن رافعات أصواتهن في الفضائيات والنقابات والبرلمانات والجمعيات وفي الشوارع" (نفسه، ص. 19). فما أدراك بكل هذا لو لم تكن تطيل النظر إلى الرخام الأنثوي من صدور وأفخاذ وتستمتع برؤيتها وتتشوق لمعانقتها، وقد خرج المؤلف بوصف جديد لكل المدافعات عن حقوق المرأة حيث نعتهن مرارا بعدوات الله، ومن ذلك كلامه: "وجاءت مدونة الأسرة المغربية مستجيبة لشهوات ورغبات هؤلاء المتبرجات من النساء عدوات الله ورسوله والمؤمنين جميعا.." (نفسه، ص. 26). وأيضا كلامه عن أن: "هؤلاء النساء عدوات الله ورسوله تسعين إلى انسجام بنود مدونة الأسرة المغربية مع المواثيق الدولية.." (نفسه، ص. 27).
ركّز المؤلف في نقد مدونة الأسرة على نقاط جرى حولها الخلاف سابقا كرفع سن الزواج والولاية والقوامة، وبطريقة سمجة وأسلوب فج، فرأى أن: "رفع سن الزواج إلى 18 سنة (...) لدى الفتاة المغربية معناه تشجيعها صراحة على الزنا والبغاء بدب تحصينها وعفافها في سن مبكرة، حسبنا الله، نعم الوكيل" (نفسه، ص. 29). وسأكتفي بسؤالك في حالة ما إذا ولدت لك بنت مستقبلا وسهرت على تربيتها وتعليمها، إلخ، ثم جاءك خاطب لها وهي مثلا في سن الرابعة عشر ماذا ستفعل؟ وحذار من المراوغة فبما أنك ملأت أكتوبتك بنوص كثيرة فدعني أذكّرك بمروية تحكى عن النبي بأنه قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وإلا تكن فتنة...). فماذا ياتراك تكن فاعلا هل ستزوج طفلتك ذات الرابعة عشر ربيعا فقط؟ سنرى وسننتظر وإن غدا لناظره لقريب.
وتناول مسألة الولاية وخلص إلى تساؤل ساذج: "يا ترى كم من نكاح باطل سوف تشهده الأيام المقبلة" (نفسه، ص. 29). وإني لأستغرب أن يكون واحد من خريجي كلية أصول الدين يجهل رأي أبي حنيفة في الموضوع، هذا عن الرأي الفقهي !! أما دون ذلك فإن طرح الموضوع من أساسه يثير الشفقة على المؤلف والرثاء أكثر مما يبعث على السخرية والضحك، لم لا والشاب المؤلف الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين ويتزيا بزي "الإفرنجة" يصر ويدندن حول القوامة، وبالنسبة له: "فالزوج المسلم هو الذي يعُول وينفق وحده والمرأة تقوم بأشغال البيت" (نفسه، ص. 31).
والقوامة بالنسبة إليه تأخذ كل الأبعاد التي ترضي مرضى النفوس، ففي فصل حول القوامة كان يستشهد بنصوص تجيز للرجل لطم زوجته بما معناه أن هذا من القوامة أي وجوب تأديب الرجل لزوجته والأخذ على يدها، ثم ينصح المؤلف الشاب النساء بما يلي: "ويا أيتها النساء كن طائعات لأزواجكن لأن طاعة الزوج من طاعة الله وإلا فالويل لكن من عذاب الله تعالى يوم القيامة، ولن تنفعكن الأفاعي ولا مكائد الشيطان، واعلمن أن جهنم سوف تستعر بكن" (نفسه، ص. 119).
ثم يخصص فقرة، هي الطامة الكبرى وثالثة الأثافي والديار البلاقع، فقرة تحمل عنوان: "جواز ضرب المرأة في الإسلام"، يستعرض فيها المؤلف الشاب تفسيرات ابن كثير والجلالين والطبراني والقرطبي، وتتلخص كلها في ما يلي: "أمر الله أن يبدأ (الرجل) النساء بالموعظة أولا ثم الهجران فإن لم ينجعا فالضرب هو الذي يحملها على توفية حق" (نفسه، ص. 124).
إن قضية ضرب المرأة وأيضا ما حوته ثنايا الأكتوبة من نصوص تحقر شأن المرأة وتزري بقدرها من أمثال تلك النصوص المنسوبة للنبي حينا ولعلي بن أبي طالب حينا آخر والتي تقول بأن النساء ناقصات عقل ودين ــ والتي رددها المؤلف الشاب مرارا في طيات أكتوبته ــ، إن هذه المسائل تثير بإلحاح ضرورة فرض عقوبات على كل من يدعو إلى تحقير المرأة وإهانتها وممارسة العنف عليها سواء العنف الجسدي أو اللفظي... وفي خاتمة أكتوبته يدعو المؤلف الشاب الحكومات لمنع الاختلاط، ويدعو النساء للزوم بيوتهن، ويذكر كل امرأة منهن بما يلي: "واعلمي أن أكثر النساء ملعونات من الله ورسوله والناس أجمعين" (نفسه، ص. 145). وإن كانت المرأة تريد أن تدخل الجنة فما عليها حسب المؤلف الشاب إلا أن تطيع زوجها.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن الحول الذي أصاب فكر هذا الكاتب الشاب جعله يعتبر تاريخ النضال النسائي للمطالبة بحقوق المرأة تاريخا لـ: "حركة تبرج المرأة" كما جاء في عنوان إحدى الفقرات.
إن هذه الأكتوبة تذكّرنا بأكتوبة المدعو فريد الأنصاري والموسومة بـ "الفجور السياسي" وهما معا تدخلان في ما أسميته من قبل (ممارسة السياسة في الجنس) بالنسبة لفقه الأزمة، أو (لممارسة السلطة عبر الجنس) في فقه التخلف، وطالما ظل المجال السياسي ملتبسا ومختلطا أو فاتحا كوة للتوظيف السياسوي للدين فسنظل نشاهد ونقرأ لهذه الكتابات التي تمارس الاستمناء الفكري.
وبعد، فإنني أطالب أولا بالمتابعة القانونية لمؤلف كتاب "النساء حبائل الشيطان" الصادر سنة 2005، وأدعو جميع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان عامة وقضايا المرأة خاصة للتصدي لهذا الأمر، إذ لا يكفي توعية الناس بالحقوق إن لم تواكبه ترسانة قانونية وتطبيق لهذا القانون وردع وزجر ومعاقبة الداعين لتحقير شأن المرأة وممارسة العنف عليها.
ثانيا: أتساءل عن الدور الذي يقوم به المسؤولون عن الحقل الديني بالمغرب إزاء ما تقوم به كلية أصول الدين بتطوان من تكريس للتطرف والانغلاق.
وثالثا: أدعو كل المثقفين والمتنورين الذين يبحثون عن تبرير لوضعية جديدة للمرأة، انطلاقا من تأويلات معينة للنصوص، من إعادة النظر في هذا الأمر لتفادي المغالطات التاريخية والدوران في حلقة مفرغة وفتح الباب أمام التأويل والتأويل المضاد.

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية، يوم الأحد 8 يناير 2006.        
  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق