‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف القرضاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوسف القرضاوي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 1 يناير 2015

جريدة التجديد والحجاب، بقلم عبد الواحد بنعضرا*


جريدة التجديد والحجاب

عبد الواحد بنعضرا

تحت عنوان "خديجة بن قنة والتحدي الجديد" كتبت د. رقية المحارب في جريدة التجديد تقول: "خديجة بن قنة مذيعة قناة الجزيرة التي سجلت نجاحا لفت إليها الأنظار، أجبرت وكالات الأنباء العالمية لتناقل خبرها بارتدائها للحجاب.. وهو عمل يعكس ما تنطوي عليه نفسها الخيّرة، حيث تعلن بوضع الحجاب استجابتها لأمر ربها الذي يقول: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمورهن على جيوبهن) وتعلن في الوقت نفسه دعوتها لجميع المذيعات ليحذين حذوها ويرتدين الحجاب الذي يعني انتماءهن لهذا الدين.. فلا يكفي أن يكون اسمها خديجة أو منى، ليكون معبرا عن ديانتها، فقد تحمل هذه الأسماء عربيات، ولكن ليس شرطا أن يكن مسلمات".

ونود أن نلفت نظر د. رقية المحارب إلى مسألتين الأولى: "أن الخمار يعني الغطاء عامة، ومثاله: "خمّروا الآنية" أي غطوها، وبالتالي فإن الآية ليست قطعية الدلالة، فقد يكون المقصود منها الأمر بتغطية الصدر بأي غطاء دون أن تتضمن أمرا بتغطية الرأس (والمسألة ككل فيها أخذ وردّ وليس هنا محل تفصيلها).

والثانية: أن تغطية الرأس أو الحجاب ليس شأنا إسلاميا أو إسلامويا، بل هو بالأساس شأن مسيحي حيث جاء في الإنجيل في الرسالة التي خصصها بولس الرسول لأهل كورنثوس ما يلي: "لكني أريد أن تعرفوا أن المسيح رأس الرجل، والرجل رأس المرأة، والله رأس المسيح، فكل رجل يصلي أو يتنبأ وهو مغطى الرأس يهين رأسه، أي المسيح، وكل امرأة تصلي أو تتنبأ وهي مكشوفة الرأس تهين رأسها، أي الرجل، كما لو كانت محلوقة الشعر، وإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فأولى بها أن تقص شعرها، ولكن إذا كان من العار على المرأة أن تقص شعرها أو تحلقه، فعليها أن تغطي رأسها، ولا يجوز للرجل أن يغطي رأسه لأنه صورة الله ويعكس مجده، وأما المرأة فتعكس مجد الرجل، فما الرجل من المرأة، بل المرأة من الرجل، وما خلق الله الرجل من أجل المرأة، بل خلق المرأة من أجل الرجل، لذلك يجب على المرأة أن تغطي رأسها علامة الخضوع من أجل الملائكة". (وهذا ما يفسر لباس الراهبات les sœurs ) وهو أمر مرتبط بالبنى الاجتماعية التقليدية والمعتقدات القديمة، يقول علي زيعور: "لماذا يكون من العيب على المرأة أن تترك غطاء وجهها، أو تنزع غطاء شعرها على الأقل؟ القضية موجودة قبل الإسلام، وقوامها تلك النظرة إلى المرأة كرامز لقوى مجهولة، ففي الجاهلية كان الغطاء يعطى للشريفة في الكعبة عند البلوغ، إذن الحيض هو المؤشر، أي المرحلة الفاصلة بين الحياة الحيادية للأنثى وبين حياتها ذات الأبعاد الخفية السحرية، يعني هذا أن الحجاب يأتي كإبعاد ورفض لما يمثله الدم من مخاطر (الموت، القتل، إلخ)... لكن لماذا نجد غطاء الراس عاما، غير خاص بطبقة، ولا بعائلات، أو سلطة دينية؟ إنه يعود، في جذوره الموغلة، إلى النظرة الينبوعية الأسطورية للشعر عموما، ولشعر المرأة بشكل خاص... فالشَعر، أسطوريا، مركز للشعور، وللروح، ومسكن للأرواح الشريرة في الإنسان، إذن تغطية الرأس ظاهرة مرتبطة بما يرمز إليه الشعر أسطوريا، أي هي رغبة في حماية الروح والمشاعر من جهة، ولإبعاد الأرواح الشريرة من أن تسكن الرأس...".

أن يدّعي أصحاب "التجديد" أنهم يهتمون بتحسين وضعية المرأة اجتماعيا فهذا يتناقض كلية مع الإصرار على اختزالها في قيود الحجاب، وهو التناقض ذاته الذي وقعوا فيه عندما عارضوا ولاية المرأة لنفسها في الزواج مع أنهم رشحوا نساء لمهمة الولاية على الأمة، يقول سعيد لكحل: "إذ كيف لهم أن يرفضوا ولاية المرأة على نفسها في الزواج، ويقبلون ولاية المرأة ونيابتها على الأمة؟ معلوم أن أعضاء البرلمان هم نواب الأمة ووكلاء عنها في إدارة شؤونها، وسن تشريعات تهم مصير الأمة ومستقبل الأجيال القادمة، إنها مهمة جسيمة وأمانة عظيمة. ومعلوم كذلك أن حزب العدالة والتنمية رشّح نساء لمهمة الولاية على الأمة والوكالة عنها. فأيهما أخطر: الولاية على النفس أم الولاية على الأمة؟ إن الولاية على النفس عواقبها تعود على الفرد وحده، بينما الولاية على الأمة فتكون عواقبها على كل الأمة".

وهذا التناقض في حقيقته هو نتيجة من نتائج التقية السياسية التي يتعامل بها أصحاب "التجديد" انطلاقا من دروس يوسف القرضاوي التي قدم إحدى حصصها في الدار البيضاء سنة 1998 حيث قال: "لكي تحبب الدعوة للناس اخدمهم وحل مشاكلهم"، فكيف ينشر المنصّرون والمبشرون دعوتهم؟ عن طريق العمل الخيري، بواسطة مدرسة أو مستشفى ينشرون دعوتهم، إضافة إلى هذا لدينا أهداف قريبة وأهداف بعيدة. من الأهداف البعيدة أن نقيم الدولة الإسلامية، ولكن إلى أن يتسنى لنا ذلك نقوم بأعمال ".

عندما رأى القرضاوي (أو من يخططون له) أن القضاء على المؤسسات الحديثة أمر صعب حاليا خصوصا أنها قد أصبحت واقعا (أو ما يعبّر هو عنه بعموم البلوى) اتجه إلى العمل على اختراق هذه المؤسسات من داخلها وعلى احتوائها باتجاه اليوم الموعود أي إقامة الدولة الدينية التيوقراطية، وهذا ما لاحظه سابقا فرج فودة حيث كتب كتابه "النذير" محذّرا من: "تشكيلهم لما يمكن تسميته بالدولة الموازية داخل الدولة الأم، وهي دولة تتكامل عناصرها (الاقتصاد – القوة المسلحة – الفكر – الإعلام – المؤسسات والنقابان) وتبذل جهدا أقل من المتوقع حيث تستخدم وسائل وأدوات الدولة الأم من خلال اختراق ما هو قائم باستخدام الأساليب المتاحة، والسيطرة عليه من داخله، كما أنها تتمتع بوضع أفضل من وضع الدولة الأم، حيث لا تتحمل تبعات الهجوم والنقد والمساءلة التي تتعرض لها الدولة المسؤولة، بل وتستفيد من ذلك كله وتوظفه لمصالحها".

وهكذا فبعد أن كان القرضاوي يحرّم العمل في الأبناك حيث قال في كتابه "الحلال والحرام في الإسلام" الذي كتبه سنة 1960: "من اشتغل بوظيفة من شأنها الإعانة على ظلم أو حرام فهي حرام كمن يشتغل في عمل ربوي، أو في محل للخمر، أو في مرقص أو في ملهى ليلي أو نحو ذلك، ولا يعفي هؤلاء جميعا من الإثم أنهم لا يباشرون الحرام ولا يقترفونه، فقد قدمنا أن من مبادئ الإسلام أن الإعانة على إثمٍ إثمٌ، ومن أجل ذلك لعن النبي كاتب الربا وشاهديه كما لعن آكله...".

يعود بعد زمن ويقول في كتابه "فتاوى معاصر": "غير أن وضع الربا لم يعد يتعلق بموظف في بنك أو كاتب في شركة، إنه يدخل في تركيب نظامنا الاقتصادي وجهازنا المالي كله، وأصبح البلاء عامّا (...) وعلى كل مسلم غيور أن يعمل بقلبه ولسانه وطاقته بالوسائل المشروعة لتطوير نظامنا الاقتصادي، حتى يتفق وتعاليم الإسلام، وليس هذا ببعيد... ولو أننا حظرنا على كل مسلم أن يشتغل في البنوك لكانت النتيجة أن يسيطر غير المسلمين من يهود وغيرهم على أعمال البنوك وما شاكلها، وفي هذا على الإسلام وأهله ما فيه".

الدعوة واضحة هنا إلى اختراق المؤسسات البنكية التقليدية من أجل احتوائها والقضاء عليها، أما عن اختراق المؤسسة البرلمانية، فإننا نعلم تلك الفتوى العجيبة حول اعتبار الانتخابات شهادة، يقول: "فإذا نظرنا إلى نظام كنظام الانتخاب أو التصويت، فهو في نظر الإسلام "شهادة" للمرشح بالصلاحية (...) ومن تخلف عن أداء واجبه الانتخابي حتى رسب الكفء الأمين، وفاز بالأغلبية من لا يستحق ممن لم يتوافر فيه وصف "القوي الأمين" فقد كتم الشهادة أحوج ما تكون الأمة إليها، وقد قال تعالى: 'ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) (البقرة/282)، (ولا تكتموا الشهادة  ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (البقرة/283)".

 وفي مجال الإعلام فإننا نعلم الدور الذي قام ويقوم به القرضاوي في عديد من القنوات العربية (منها الجزيرة قناة المذيعة المتحجبة)، وكتب في مقدمة كتابه "فقه الغناء والموسيقى في ضوء الكتاب والسنة"، يقول: "فإن صديقنا الشيخ صالح كامل ــ رئيس مجموعة دلة البركة ــ رجل له مبادرات طيبة في خدمة العلم الإسلامي، ومنذ أكثر من عشرين سنة، سنّ سنة حميدة، وهي إقامة ندوات فقهية اقتصادية سنوية (...) ومنذ ثلاث سنوات اتجه فكر صالح حفظه الله ووفقه لصالح الأعمال إلى موضوع لا يقل أهمية عن الاقتصاد ويحتاج إلى فقه حي معاصر، ذلك هو موضوع "الإعلام" وفقه الإعلام، وخصوصا بعد أن ابتلي به الشيخ صالح، ودخل معمعته بإنشاء راديو وتلفزيون العرب، الذي جلب عليه من النقد ما جلب، ثم إنشاء قناة "اقرأ" بتوجهها الإسلامي...".

هكذا يتم اختراق كل المؤسسات داخل البلدان العربية مدَعّما بسلطة المال، فهل ما أقدم عليه الرئيس الفرنسي جاك شيراك هو استباق للأحداث حتى لا يتم اختراق المؤسسات الفرنسية من طرف الإسلاميين، ومما جاء في هذا الإطار في جريدة التجديد: "ونحن لسنا ضد القلنسوة اليهودية، ولا ضد الصليب المسيحي، ولكننا ضد سياسة الإقصاء الممنهج والتهميش المتعمد، وضد الاعتداء على حق من الحقوق المتعارف عليه في الديانات السماوية الثلاث والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر فرنسا رائدة فيها وحاملة لمشعلها منذ أكثر من قرن من الزمان ألا وهو حرية الاعتقاد وحرية اللباس وحرية إظهار التدين".

فهل أصحاب "التجديد" فعلا يؤمنون بحقوق الإنسان وحرية الاعتقاد؟ إن الإسلاميين يقومون بالتبشير بالإسلام في أوربا، فهل يقبلون أن يقوم مسيحي بالتبشير بالمسيحية في البلدان العربية؟ إذاً لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. إن الفلسطينيين يطالبون إسرائيل بالسلام، وإسرائيل تعلم علم اليقين أن كثيرا من أبناء الشعب الفلسطيني يتداولون بينهم: "لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلم اليهودي حتى ينطق الحجر والشجر ويقول: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله".

إننا نذكر "الآخر" بالقانون والحقوق لأننا في موقف ضعف أي مجرد تقية، والآخر قد درس الفكر الإسلامي قبل أن يدرسه المسلمون، لذا فهو على يقين أن المسلمين لو كانوا في موقع قوة لقلبوا له ظهر المجن، وهذا يوسف القرضاوي في كل مناسبة يبشّر بأن المستقبل هو للإسلام بأوربا، وما فتئ يقول: "سيظهر الإسلام على كل الأديان إن شاء الله وعندنا بشائر من القرآن، فالمسلمون انتصروا على كثير من الأديان قبل ذلك، انتصروا على الوثنية العربية، وانتصروا على المجوسية الفارسية وعلى اليهودية والمسيحية في كثير من الأراضي، ولكن بقيت أديان وثنية كبرى وبقيت المسيحية في عدد من البلدان، هذه الآيات تقول إن الإسلام سيظهر على الدين كله، فنحن ننتظر هذه البشرى". وأن: "الإسلام سيعود إلى أوربا مرة أخرى فاتحا منتصرا (...) وظني أن الفتح هذه المرة لن يكون بالسيف بل سيكون بالدعوة والفكر".

هذا وقد نشرت جريدة التجديد الخطبة التي ألقاها يوسف القرضاوي حول قضية الحجاب في فرنسا ووصفتها بالخطبة التاريخية، ويهمنا منها هذه الكلمات: "هذا الكون فيه أشياء كثيرة مختلفة ألوانها أي أنواعها، فلماذا يريد الفرنسيون أن يمنعوا ظاهرة التنوع والتعدد، هذه ظاهرة رجعية أن تحاول أن يكون هناك لون واحد ودين ثقافة واحدة، وزي واحد، هذا هو التأخر والتخلف، ليست هذه هي حضارة، الحضارة أن تسع الآخرين".

وقد شهد شاهد من أهلها وحكم القرضاوي على نفسه، أليس هو الذي يريد أن يجعل من أوربا دولة دينية ذات لون واحد؟ !

وكنا سنكون سعداء لو كان حزب "التجديد" قد اقتنع فعلا باللغة التي يتكلمها العالم الآن، لغة منفتحة، مبنية على قيم حداثية، ولكننا نعلم أن هذا كله شأنه شأن القانون، وشأن المؤسسات العلمانية الديمقراطية التي دخلوها ليس إلا تقية ووسيلة إلى حين، وإلا كانوا قد راجعوا مشروعيتهم كحزب خصوصا وأن ظهير الحريات العامة المؤرخ في 15 – 11 – 1958 الذي ينظم حق التجمع وحق تكوين الجمعيات ينص على أنه لا يجوز في المغرب تأسيس أي حزب على أساس ديني أو عرقي أو جهوي.

 
* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 2 يناير 2004.

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

فقه الأزمة، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فقه الأزمة
عبد الواحد بنعضرا
نتحدث غالبا عن أزمة الفقه والفقهاء مما يوحي بل ويؤكد أن مشكلتنا تتجلى في غياب الاجتهاد، وكأننا ننسى أن الفقه يعتمد على النص، والنص ثابت لا يتغير وبما هو كذلك فهو محدود. وأمام المشاكل التي طرحت إبان الغزوات العربية - الإسلامية الأولى للبلاد التي تختلف طبيعتها عن طبيعة الجزيرة العربية، كان أمام المشرّعين طريقان، أولهما التأويل وثانيهما وضع الأحاديث، يقول أحمد أمين: "حتى الأحاديث الموضوعة نفسها كان لها فضل في التشريع، فإنها لم توضع اعتباطا ولا كانت مجرد قول يقال، إنما كانت في الغالب نتيجة تفكير فقهي وبحث واجتهاد، ثم وضع هذا الرأي وهذا الاجتهاد في قالب حديث"([1]). أما اليوم وقد جمعت الأحاديث وأصبحت معروفة فما عاد بإمكان أحد أن يضع حديثا جديدا، وأما التأويل فقد تباعد الزمان واتسع الخرق على الراتق، واستنفد التأويل نفسه.
إن المشكل اليوم ليس أزمة فقه أو فقهاء ولكنه أساسا فقه يُطلب منه أن يشرّع للأزمة حيث تجتمع المتناقضات: التخلف والتقدم، الثابت والمتغير، قيم رجعية وقيم حداثية، أنظمة حكم علمانية بالفعل دينية بالقوة ــ ولا أظن العكس صحيحا ــ فالأنظمة العربية – الإسلامية تمارس سياستها وشؤونها بطرق علمانية ولكنها بالمقابل تعمل على نشر الأصولية الدينية بين شعوبها، وإن المطلوب من هذا الفقه أن يشرّع حسب ما تمليه الظروف من مواقف إيديولوجية أو سياسية، فعندما يريد السياسي الدخول في الحرب يقرأ عليه فقهاء الأزمة الآية: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم) (الأنفال 60). وإن أراد السياسي الدخول في معاهدة السلام، قرأوا عليه الآية التي تليها مباشرة: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) (الأنفال 61). إنه فقه تبريري، إننا نتحدث إذن عن فقه الأزمة.
وهنا نضع سؤالا: ما مدى المسؤولية التي يتحملها الفقهاء الذي عاشوا تلك العصور التي ننعتها بالجمود وغياب الاجتهاد، بل ألا يمكن ألا تكون لهم أية مسؤولية باعتبار أن الحضارة الأوروبية لم تقف على الباب بعد؟ وبمعنى آخر ألم يكن "اجتهاد" محمد عبده إلا ثمرة اصطدام بالحضارة الأوروبية؟ وإذن لو كان الصدام وقع فيما قبل لرأينا عددا كبيرا من "محمد عبده".
إن ما قام به محمد عبده لم يكن سوى محاولة التوفيق بين النص وبين الحضارة الأوروبية، عبر صبغ قيم أوروبية بصبغة دينية، وفي اتجاه معاكس محاولة عقلنة ما لا يعقلن. نصل إلى تساؤل: ألم يساهم محمد عبده بمحاولة إخراج كل تجديد تحت عباءة الدين في فشل الإصلاح، ألا يتضح ذلك جليا في الخط الذي سلكه تلامذته، فرشيد رضا شكل تراجعا كبيرا، ومن جاءوا بعده كانوا أضيق أفقا (جماعة الإخوان المسلمين مثلا).
إن محمد عبده كان يضع بما فعل النواة الأولى لفقه الأزمة، الذي سيبلغ ذروته مع هزيمة 67 والفورة النفطية السعودية في السبعينيات. ويتميز فقه الأزمة في كلّيته بنتائجه الكارثية التي تأتي عكس ما أريد منه ظاهريا، فيكفيه أنه يعمل على تزييف الوعي الشعبي عبر اختزال كل شيء في الدين، وسنرى بعضا من نماذج فقه الأزمة:
ــ فتوى يوسف القرضاوي حول قروض السكن، يقول: "شخصيا أفتيت الإخوة خارج البلاد الإسلامية بجواز الاقتراض من أجل السكن. لكن في الحقيقة، منذ حوالي 25 سنة وأنا أزور أوروبا وأمريكا، وكنت لا أبيح أخذ القروض من أجل السكن، ولكن منذ سنوات بدأ اجتهادي يتغير، وأنا أفتيت بمذهب أبي حنيفة الذي أفتى به شيخنا الأستاذ الزرقاء أيضا وبعض مشايخ الحنفية من الهند وباكستان، ورأيت أن هذا المذهب يحل الكثير من مشاكل المسلمين في أوربا وأمريكا، ذلك أن المسلمين قد أنعم الله عليهم بكثرة الأولاد أو الذرية... فالمسلمون لهم أطفال كثيرون وهذا يسبب لهم مشاكل كثيرة وهم يشكون منها، فهم محتاجون إلى بيوت يملكونها للسكن ولا يستأجرونها. أنا وإن كنت متشددا في السنوات الأولى فقد بدأت أخيرا آخذ بمذهب الأحناف، حيث يقول أبو حنيفة: يجوز التعامل بالعقود الفاسدة في دار الحرب، ويقصد بدار الحرب ما ليس بدار الإسلام فهو دار حرب، فنقول يجوز التعامل بعقودهم الفاسدة ومنها عقد الربا ولكن بشرطين: الشرط الأول: أن تكون هناك مصلحة للمسلم.
الشرط الثاني: ألا يكون في ذلك غدر أو خيانة، أي أن يكون هناك مراعاة للجانب الأخلاقي.
أنا أفتيت بجواز هذا ببلاد الغرب، أما بلاد المسلمين فلا أفتي بهذا"([2]).
إن الأمر لا يتعلق بقصور اجتهاد كما قد يظن البعض، فما أسهل أن يجد القرضاوي فتوى من مذهب أبي حنيفة عندما يطلب منه ذلك، ولكن الأمر يتعلق بشيء آخر. وكما أن فقه الأزمة له نتائج كارثية في كليته، فهو كذلك في جزئيته، أي في كل فتوى على حدة. وانظر: يجوز للإنسان المسلم أن يملك دارا في الغرب، بينما لا يجوز ذلك للمسلم المقيم في بلاده، لماذا؟ لأن بلاده إسلامية !!!
ــ أما النموذج الثاني فهو رأي مصطفى محمود في الضرب والهجر في المضاجع، يقول: "والضرب والهجر في المضاجع من معجزات القرآن في فهم النشوز... وهو يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس العصري في فهم المسلك المرضي للمرأة، وكما نعلم يقسم علم النفس هذا المسلك المرضي إلى نوعين: المسلك الخضوعي وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي ماسوشزم "Masochism" وهو تلك الحالة المرضية التي تلتذ فيها المرأة بأن تضرب وتعذب وتكون الطرف الخاضع، والنوع الثاني هو المسلك التحكمي، وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي سادزم "Sadism" وهو تلك الحالة المرضية التي تلتذ فيها المرأة بأن تتحكم وتسيطر وتتجبر وتتسلط وتوقع الأذى، ومثل هذه المرأة لا حل لها سوى انتزاع شوكتها وكسر سلاحها الذي تتحكم به، وسلاح المرأة أنوثتها وذلك بهجرها في المضجع، فلا يعود لها سلاح تتحكم به. أما المرأة الأخرى التي لا تجد لذتها إلا في الخضوع والضرب فإن الضرب لها علاج.. ومن هنا كانت كلمة القرآن: (واهجروهن في المضاجع واضربوهن) (النساء 34) إعجازا علميا وتلخيصا في كلمتين لكل ما أتى به علم النفس في مجلدات عن المرأة الناشز وعلاجها"([3]). كلام يدعو إلى الضحك ضحك ولكنه كالبكاء.
ــ والنموذج الثالث هو رأي ابن خليفة الذي يؤكد على أن الهياكل والجماجم القديمة هي للجن وليست للإنسان، يقول ابن خليفة: ".. وقبل هذا لابد من القول بأن المخلوقات التي كانت تسكن الأرض قبل آدم كانت لها أجسام مادية ملموسة لأن سفك الدماء لا يقع إلا على الجسم الحيواني، كما أن الفساد لا يكون إلا بتعد الحدود وانتهاك الحرمات ومما يدل على هذا أيضا خروجهم من الأرض إلى الجزائر وأطراف الجبال وقتل بعضهم البعض منهم، أن لهم جميع الصفات البشرية من طعام وشراب وزواج وحياة وموت... إذ لو كانوا غير ماديين وغير ملموسين كما قد يتصور البعض في لفظ الجن لما أمكن وقوع سفك الدماء منهم، إن لفظ الدم يوجب القول بأن لهم أجساما ذات هياكل عظمية، وأحشاء داخلية، وفيها بعض الصفات البشرية (...) ويقول علماء الانتربولوجية: "وهناك ما يدل على أن إنسان "نياندرثال" كان قبيح المنظر كث الشعر شرس الطباع، لا يأتلف بالمعاشرة، كما كانت إناثه تقزز النفس ببشاعتها". إذن فهذا الذي أطلقوا عليه اسم نياندرثال لم يكن إنسانا لأن الله تعالى يقول: (خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) لذا كان هذا النوع من أشباه البشر من سكان الأرض [أي الجن] هم الذين أفسدوا وسفكوا الدماء فيها"[4].
أحسب يا عزيزي القارئ وأنت تقرأ هذا الكلام أن ما يتبادر إلى ذهنك هو المثل المغربي: "هل تنطح أم انطح؟"، ولكني لن أنطح وأنت أيضا لن تنطح، فإن الأمر لا يتعلق برأس أو رأسين يصدر عنها مثل هذا الكلام، بل برؤوس عديدة، ولا الأمر يتعلق بقناعات يمكن تغييرها بكلمة أو كلمتين، بكتاب أو كتابين، أو حتى في سنة أو سنتين، بل إنها بنية فكرية قد ترسخت ومن أجل تفكيكها وخلخلتها نحتاج إلى جهد كبير وشجاعة دون مزايدات ولا مغازلات.
وكما أن فقه الأزمة في كليته يلبس لكل حالة لبوسها، فهو في الخمسينات والستينات يرفع شعار اشتراكية الإسلام، وبعد ذلك الديموقراطية في الإسلام، واليوم الإسلام وحقوق الإنسان.. فإنه كذلك في جزئيته يلبس لكل حالة لبوسها، فلقد دأب فقهاء الأزمة في مواجهة كل جديد بتحريمه أولا ملوحين في ذلك بسيف المعز وذهبه، وهكذا يتراوح سعيهم بين الترغيب والترهيب، فتارة يلوّحون بالنعيم المقيم الذي ينتظر المطيع وتارة يلوحون بالعذاب الأليم للعاصي، إذا لم يرتدع ولم يستجب، حتى إذا ما مرت السنون فأصبح الجديد أمرا واقعا وتبدلت الأشياء، وللواقع أحكامه التي يفرضها مع مرور الزمن وانصرف الناس عن رأي الفقهاء، نطق لسان حالهم بما قاله زهير بن أبي سلمى:
        ومن لم يصانع في أمور كثيرة          يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
فيقولون أن الأمر قابل للنظر وله وجه حل، وهكذا يصبح الأمر حلالا ولكن بشروط، حتى إذا كشر الواقع عن أنيابه بدون مماطلة،وخاف القوم، قالوا: فلنحافظ على شعرة معاوية، فيغدو الأمر ليس حلالا فحسب بل واجبا، وهكذا فعلوا مع عمل المرأة، فمن أقصى تحريمه إلى جعله واجبا ــ خاصة عمل المرأة كمدرسة للفتيات ــ، وكذلك تعليم المرأة، ومع الغناء فبعد أن كان رقية اللواط والزنا سيصير وسيلة للترويح عن القلوب فإن القلوب إذا كلت عميت، ومع فوائد الأبناك فبعد أن كانت ربا تصبح حلالا كما أفتى بذلك محمد سيد طنطاوي في التسعينات وهي الفتوى التي أخذ بها الأزهر هذا العام.
بل انظر إلى رأي الفقهاء في الانتخابات، فبعد أن كانت الديمقراطية كفرا بواحا لأنها حكم الشعب ها هي اليوم تصبح واجبا لا غنى عنها وتصبح الانتخابات شهادة آثم من لم يؤدها، يقول يوسف القرضاوي: "فإذا نظرنا إلى نظام الانتخابات أو التصويت، فهي في نظر الإسلام "شهادة" للمرشح بالصلاحية (...) ومن تخلف عن أداء واجبه الانتخابي حتى رسب الكفء الأمين، وفاز بالأغلبية من لا يستحق، ممن لا يتوافر فيه وصف "القوي الأمين" فقد كتم الشهادة أحوج ما تكون الأمة إليها. وقد قال تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا) (البقرة/282)، (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) (البقرة/283)"[5].
ما الذي وقع إذن ما بين سيف وذهب المعز وبين شعرة معاوية؟ لم يقع شيء سوى أننا أضعنا وقتا كبيرا وجهدا مبذولا في جدالات كثيرة، واستنزفنا طاقاتنا في غير محلها، ولم يقع شيء سوى أن ضيعت حقوق، سوى أن عاشت المرأة في ظل ظروف غير كريمة، بلا تعليم ولا عمل ولا حقوق، في كثير من الأقطار العربية ـ الإسلامية، وسوى أن المجتمعات العربية – الإسلامية ولدت أجيالا وأجيالا كثيرة لا يمكن لأي مخطط تنمية أن يستجيب لها، أجيال كانت عائقا لأية تنمية، فهي لم تأخذ حقها من التربية ولا من التعليم ولا من الصحة ولا العيش الكريم، لا لشيء إلا لأن كثيرا من الفقهاء يصرون على أن تنظيم بله تحديد النسل حرام. لم يقع شيء سوى أن فتح المجال للانتهازيين والطفيليين بأن ينشئوا شركات توظيف الأموال الإسلامية ولا يعدو أمرهم عن كونهم تجار عملة فكدسوا ثروات هائلة وهربوا بها، بينما الاقتصاد المحلي تلقى ضربات قوية ــ مصر مثلا ــ، وحتى يصدر محمد الغزالي ــ سابقا ــ فتوى بأن دخول الجن في الإنسان ما هو إلا خرافة وأن الاضطرابات التي يعاني منها المرضى ما هي إلا أعراض أمراض نفسية أو عضوية، كم هلك من مريض وكم استطاع من مبتز من الدجالين الذين يدّعون أنهم يخرجون الجن من الإنسان أن يتلاعب بآلام المرضى ويغتني ويثري. وغيرها وغيرها... وبالجملة لم يقع شيء سوى أننا قد شددنا إلى الوراء شدا، وأن تركنا لكل الطفيليين والانتهازيين أن يغتنوا ويثروا باسم الدين.

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية، يوم الأربعاء 19 نونبر 2003.


[1] - أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط. الحادية عشرة، 1975، ص. 245.
[2] - يوسف القرضاوي، شروط نجاح مؤسسة الزكاة في التطبيق المعاصر: محاضرات من ندوة التطبيقات الإسلامية المعاصرة، سلسلة الحوارات 32، منشورات الفرقان، الدار البيضاء، 1998، ص. 44).
[3] - مصطفى محمود، حوار مع صديقي الملحد، دار العودة، بيروت، 1981، ص. 60 – 61.
[4] - ابن خليفة، الحجج العصماء في نقض نظرية داروين في النشوء والارتقاء، مطبعة خالد بن الوليد، دمشق [د.ت]، ص. 71 – 74.
[5] - يوسف القرضاوي، فتاوى معاصرة، الجزء الثاني، دار القلم – دار الوفاء، المنصورة، ط. الثانية، 1994، ص. 643 – 644.