‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا المرأة والطفولة والأسرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا المرأة والطفولة والأسرة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 يوليو 2015

رئيس الحكومة بنكيران وقضية المساواة في الإرث بين النساء والرجال، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

رئيس الحكومة بنكيران وقضية المساواة في الإرث بين النساء والرجال
عبد الواحد بنعضرا
في حوار مطول مع مجلة زمان أشار رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى قضية المساواة في الإرث قائلا: "نحن نؤمن بالمساواة بين الجنسين، لكن لا نؤمن بالمساواة بينهما في الإرث، مثلا، لأن فيه نص قطعي، فإذا جاء من يجتهد اجتهادا مقنعا في هذا الموضوع مرحبا (...) فإذن هاتوا اجتهاداتكم ونحن مستعدون للنقاش، لكن لا تطلبوا منّا تبني مطالب نعتقد أنها غير صحيحة فقط إرضاء للحداثة والحداثيين. نحن نعتقد أن كلمة الله يجب أن تكون هي العليا، لكن ليس بطريقة عمياء متشددة، فإذا كان هناك اجتهاد فيه مصلحة حقيقية ــ وهذا مقصود شرع الله ــ فنحن مستعدون" (بنكيران، حوار مع مجلة زمان، العدد 21، يوليوز 2015، ص. 55).
إسهاما مني في الموضوع، وتفاعلا مني مع ما قلتم بشكل إيجابي، أقّدم لكم نموذجين من الاجتهادات في الموضوع، علما أن هذا النقاش يحتاج صبرا وإعمالا للعقل، وهدوءا في التعاطي معه وتفادي التشنج، بل الإنصات الجيد لكل الأطراف، انطلاقا من مقدمة بديهية أن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، وأن لا أحد يملك تفويضا سماويا للحديث باسم الله أو توكيلا للدفاع عن الإسلام، كما يفعل أحيانا الفريق البرلماني لحزب العدالة والتنمية وهو يلعب بالنار في منطقة مليئة بالألغام والبعض مستعد فيها للمرور من التكفير إلى التقتيل والتفجير، ولا أحسب أن ذلك بغائب عنكم.
كما يحتاج هذا الموضوع إلى مراعاة مصلحة الاقتصاد الوطني من جهة، وصيانة كرامة الأفراد من جهة ثانية. من هذا المنطلق أتفق مع الأستاذ عبد الله العروي، في ما يخص مسألة توريث أبناء البنت من الجدّ ــ على سبيل المثال ــ على ضرورة استشارة الاقتصاديين حتى لا تكون النتيجة، بإسم المساواة، تفتيت الميراث فيكون ذلك حائلا أمام تحقيق التراكم، إذ يمكن للاقتصاديين إيجاد حلّ بإعطاء الحق لأبناء البنت والمحافظة في نفس الوقت على الميراث. (ينظر: العروي، عوائق التحديث، ط. 2006، ص. 57- 59).
بالمقابل، أضرب مثالا، يحتاج لحسم سواء باستحضاركم لمقصد الرحمة أو العدل، أو إحدى المقاصد الكلية، فعندما يموت رجل ما وقد أعقب وراءه "إناثا" وليس بينهن "ذكرا"، وترك لهن شقة يعشن فيها، فهل من الرحمة والعدل اليوم أن يأتي أحد أعمامهن ليفرض عليهن بيع الشقة لكي يأخذ نصيبه، مادام لا يوجد ولد ذكر يحجبه عن الميراث. وكم جرّ هذا من مآسي على كثير من البنات؟
طالبتم بالاجتهادات ! لدينا، بالنسبة للاجتهاد الأوّل من المغرب، فتاوى العرضونيين فيما يخص تعويض المرأة البدوية، ونخصّ منها، فتوى الفقيه أحمد ابن عرضون (ت. 992هـ/1584م) التي نصّت على أخذ المرأة النصف فيما عملته لزوجها (فضلا عن الثمن أو الربع) في حال توفي عنها زوجها، أو إذا حدث ما يوجب الطلاق وهو ما يسمى بحق "الشقا" لدى أهالي الجبال. خلص الأستاذ عمر الجيدي في عمله عن ابن عرضون إلى الآتي: "وهكذا دافع ابن عرضون عن المرأة البدوية، وأنصفها من حقوقها المشروعة، وهو بموقفه هذا ثار ضد التقاليد، ونادى بمبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، تطبيقا لروح الشريعة الإسلامية، وبسبب موقفه هذا تألب عليه بعض الفقهاء الجامدين فشنعوا عليه فيما أفتى به، ولكن فتواه هذه صمدت في وجه المعترضين صمود الجبال، ولا زالت سارية المفعول حتى الآن، بعد أن مضى عليها أزيد من أربعة قرون" (عمر الجيدي، ابن عرضون الكبير: حياته وآثاره، آراؤه وفقهه، ط. 1987، ص. 207).
الاجتهاد الثاني، من تونس، متمثلا في آراء الطاهر الحداد (ت. 1935م)، الذي رأى بأن إسهام المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ندا للند مع الرجل يفتح الباب أمام المساواة بين الجنسين في الإرث، حيث قال في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادرة طبعته الأولى سنة 1930، ما يأتي: "وفيما أرى فإن الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة من كامل وجوهها متى انتهت أسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة (...) وليس هناك ما ينص أو يدل على أن ما وصل إليه التدريج في حياة النبي هو نهاية المأمول الذي ليس بعده نهاية، ما دام التدريج مرتبطا بما للمسائل المتدرج فيها من صعوبة يمكن دفعها عن قرب، أو عورة تستدعي تطور الأخلاق والاستعدادات بتطور الزمن؛ وفي الإسلام أمثلة واضحة من هذا القبيل" (الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، ط. 2008، ص. 42).
ويمكنكم، في هذا الإطار، تعزيز كلام الطاهر الحداد بما جاء عند أخيكم سعد الدين العثماني، الذي رأى أن: "الاحتجاج بمجرد عدم إشراك المرأة في ميادين معينة في العصر النبوي على عدم جواز ذلك شرعا أو على تهميش دورها لا دليل فيه، لأننا نقول أليس سبب ذلك أن عُرْف الناس في زمن النبوة لا يسمح بأكثر من ذلك الحد من مشاركة النساء ومساهمتهن  في حياة مجتمعاتهن؟" (سعد الدين العثماني، قضية المرأة ونفسية الاستبداد، ط. 2004، ص. 36 - 37). والعثماني قرّر هنا ضمنيا "تاريخية" النصوص، وبأنها مرتبطة بسياقات معينة، إذ جاء في كلامه: "وربما يُداري الشرع عُرْف الناس حتى ينضج وعيهم ويرقى مستواهم الاجتماعي والحضاري، فيكونوا أكثر استعدادا لتقبل مبادئه في كمالها" (نفسه، ص. 45).
ختاما، لابد من تصحيح مغالطة، فالقول بأنكم ضد المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، بإطلاق دون تحديد، لا يستقيم مع وجود حالات ليست محل خلاف، يكون فيها نصيب المرأة مساوي لنصيب الرجل، كميراث الأبوين مع وجود الولد، بل، كما لاحظ الطاهر الحداد، فإن نصيب المرأة يفوق نصيب الرجل في بعض الأحيان، كما هو الحال بالنسبة لميراث الأبوين مع فقد الولد، كما في الآية: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) (النساء/11).
ولعل ما أثير حول "الكلالة" وغموض معناها، يسير في هذا المنحى؛ إذ من المحتمل أنها كانت تتعلق بحالات تُمنح فيها المرأة نصيبا أكبر من الرجل، فقد أكّد أركون أن الالتفاف على معنى الكلالة، عائد إلى ضغط العرف القائم آنذاك، واستراتيجيات القوة والضبط الخاصة بمراقبة سريان الأرزاق في المجتمع، وصعوبة خلخلة النظام الاقتصادي والاجتماعي، إذ أن هذه الخلخلة كانت كفيلة بالإضرار بمصالح فئات معينة. (ينظر: محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، تج، هاشم صالح، ط. 1991، ص. 51 - 54).

طالبتم، يا رئيس الحكومة، باجتهادات، فآتيناكم ببعضها، فانظروا رأيكم. نرجو فقط أن يكون هناك نقاش مسؤول بين مختلف الفاعلين، دون الانزلاق إلى الحسابات الانتخابوية. وبه وجب الإعلام والسلام.
* نشر المقال في جريدة الأحداث المغربية يوم الثلاثاء 28 يوليوز 2015، العدد 5655

الخميس، 4 سبتمبر 2014

حجاب الصغيرات.. اغتصاب للطفولة، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



حجاب الصغيرات.. اغتصاب للطفولة
عبد الواحد بنعضرا
بيّنت كثير من البحوث العلمية التي أجريت أن الفروق الموجودة بين الجنسين تعود أساسا ــ وتشكل انعكاسا ــ للأنظمة الاجتماعية السائدة، تقول أورزولا شوي في كتابها: "أصل الفروق بين الجنسين" ما يلي: "إن الخصائص الأنثوية، التي كانت تعتبر أصلية، مثل عاطفة الأمومة والعاطفية والاهتمام الاجتماعي والسلبية، ليست أنثوية بالطبيعة ولا فطرية بل مكتسبة ثقافيا، كيف يحدث هذا؟ عبر تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في الأيام والشهور والسنوات الأولى من الحياة، هذا ما يمكن تبيانه اليوم وبدقة علمية وفي كل مرحلة من مراحل التطور" (دار الحوار اللاذقية، 1995، ص. 11). وتضيف أرزولاي شوي: "إن ما تسمى طبيعة "أنثوية" و"ذكرية" كانت وما تزال تخدم لإضفاء الشرعية على استمرار سيادة الرجال على النساء وتتخذ ذريعة لتوزيع العمل تبعا للجنس، هذا يعني: مسؤولية النساء وحدهن فيما يخص العمل في حقل إعادة الإنتاج [من حمل وولادة وتربية أطفال وأعمال بيتية غير تجارية] وحصرهن في أعمال "نسوية الطابع" في حقل الإنتاج الاجتماعي (أشكال "أنثوية" الطابع، سيئة الأجر، في النهاية الدنيا من التراتب). وتتخذ من ناحية أخرى ذريعة لتحرر الرجال من العمل في مجال إعادة الإنتاج ولدمجهم تماما في عملية الإنتاج (بأجر أفضل وفي مرتبة أعلى من مرتبة النساء)..." (نفسه، ص. 19).
ففي الأنظمة الاجتماعية الذكورية الأبوية، يحدد دور المرأة بأنها تابعة وخادمة للرجل، مطيعة له ومستسلمة، ومن أجل ذلك تقدم نفسها قربانا له ولأطفاله أيضا، وكي تقتنع بذلك عليها أن تتلقى منذ طفولتها المبكرة تربية تحدّ من قوتها وقدراتها الجسمية والنفسية والفكرية وتضيّق عليها مجال وميدان التحرك، وتفرض عليها طاعة الذكور جميعا، الأب والإخوة ــ حتى لو كانوا أصغر منها ــ بل وحتى أبناء حيّها أحيانا. وفي هذا الإطار يمثل الحجاب ــ بالنسبة للصغيرات ــ وسيلة ناجعة ورمزا للخضوع والاستسلام وطبعا لكبح ولجم قدرات الطفلة الصغيرة التي تلزم نفسها بالتقيد ببعض القيود (عدم الغناء، عدم الرقص، الامتناع عن بعض الألعاب، عدم الضحك كثيرا خاصة مع الأطفال الذكور...) حتى تبدو منسجمة مع حجابها، تفقد هذه الصغيرة براءتها باكرا، وتغتصب في طفولتها. وإذا كانت المادة 19 من اتفاقية حقول الطفل تنص على أن: "تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال، وإساءة المعاملة أو الاستغلال..." (المادة 19، الفصل 1). أفلا يعتبر حجاب الصغيرات ــ بما بينته أعلاه ــ شكلا من أشكال العنف والضرر وإساءة بدنية، وسوء معاملة...؟ بل ألا نقول أنه حجاب للعقل أي إساءة عقلية؟ أفلم يحن الوقت لكي يتم النظر إلى هذا الأمر بجدية أكبر؟
لقد ذهب الأمر بأحدهم إلى أن أفتى أنه في حالة وجود قانون يرغم الفتاة على خلع الحجاب في المدرسة بأن: "الدراسة التي تترتب عليها معصية فإنها لا تجوز، بل عليها دراسة ما تحتاج إليه في دينها ودنياها، وهذا يكفي ويمكنها ذلك في البيت غالبا" (جريدة التجديد 23 دجنبر العدد 822). فهل هناك إساءة عقلية أكبر من هذه، يتضح فعلا بأن حجاب الصغيرات يلعب دورا كبيرا في تثبيت كثير من المقولات الاجتماعية البالية لدى هؤلاء الصغيرات، لدرجة أن تلغى من أجله الدراسة، بل الحياة كلها. نعم الحياة كلها، فهل ننسى تلك المأساة التي عرفتها السعودية في شهر مارس 2002 حين اشتعلت النيران بإحدى مدارس البنات، ولأنه طبيعي أن تهرول البنات في اتجاه أبواب المؤسسة هلعا وهربا، لكنها أغلقت أمامهن، لماذا؟ لأنهن غفلن عن غطاء رأسهن، فماذا كانت النتيجة؟ موت 14 تلميذة.
مأساة كهذه لم تحرك ساكنا ولم تزعزع قاطنا لأولئك الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدوها من أجل قرار الرئيس الفرنسي بمنع الحجاب بالمدارس.. أولئك الذين تنتفخ أوداجهم في حديثهم وكلامهم عن الحجاب، ولكنهم لا يعيرون بالاً لأوضاع المرأة الضعيفة، أو الجائعة أو التي لا يوجد في قاموس أبيها وأخيها أو زوجها معا إلا لغة الضرب والركل والرفس. أليس هذا من ضحك الأقدار بل ومن قهقهتها؟
ولا نستغرب كثيرا لهؤلاء فإن شيخهم ابن باز كتب كتابا سماه: "التبرج وخطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله" يبتدئ قوله فيه: "أما بعد، فلا يخفى عن كل من له معرفة ما عمت به البلوى في كثير من البلدان من تبرج الكثير من النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال، وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبداءها، ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة، ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد. فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا على أيدي سفهائكم، وامنعوا نساءكم مما حرم الله عليهن، وألزموهن التحجب والتستر، واحذروا غضب الله سبحانه، وعظيم عقوبته" (مكتبة السنة، القاهرة، 1987، ص. 3). أهذه مقدمة كتاب أم بيان حرب وإعلان قتال، وقد كان، وسقطت الضحايا فعلا.
أتساءل كيف ستتم حماية الطفلة الصغيرة من مثل هذه الأفكار السوداء التي يفرضها عليها الأب أو المعلم أو الأستاذ (المحسوبون على الأصولية الدينية) والتي تصل عند بعضهم إلى مساومة التلميذات على النقط، فيصير حجابهن لازما للحصول على نقط جيدة، أما رفضهن فسينقلب عليهن وبالاً.
تعرّف اتفاقية حقوق الطفل أن "الطفل" هو: "كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه" (المادة 1). وبالتالي فالطفل (خاصة في مرحلة الابتدائي والإعدادي) ليس ناضجا بما يكفي للحكم على أشياء كثيرة، وإن أي أمر يتعلق بمسألة اختيار لا يمكن أن يتم إلا إذا كان الإنسان يملك القدرة على التمييز وتقييم الأشياء. ولأننا لا نريد في عالمنا اليوم براءة موءودة ولا طفولة مغتصبة، وجب علينا رفع الحيف والظلم على كثير من البنات الصغيرات اللواتي تستجبن لرغبات وإكراهات آبائهن أو مدرسيهن ولسان حالهن يردد:
لا تحسبوا رقصي كان من طرب               إن الطير يرقص مذبوحا من الألم
لذا أطالب الوزارة الوصية بإصدار قرار يمنع ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية والإعدادية، للأسباب التي ذكرتها في هذا المقال، وأرجو أن يؤخذ هذا الطلب بالجدية اللازمة. ولعلها تكون خطوة جادة في سبيل وطريق التصحيح. إننا نغني من أجل مغرب الحداثة، من أجل مغرب مشرق ينظر إلى الأمام ولا يلتفت وراءه، هذا المغرب لا يمكن بناؤه إلا إذا ساهم فيه الجميع ذكورا وإناثا بدون عوائق أو قيود.

* نشر هذا المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 23 يناير 2004.