‏إظهار الرسائل ذات التسميات البنوك الإسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات البنوك الإسلامية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 أغسطس 2014

البنوك الإسلامية، 10/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
10/10 
عبد الواحد بنعضرا

ــ اعتراض رابع:
يصر القرضاوي على أن تعامل البنوك الإسلامية بالمرابحة ليس من نوع بيعتين في بيعة لأن هذا البيع الذي تجربه المصارف الإسلامية: «بيع حقيقي لا صوري، ولا اسمي، وإن شئنا الدقة، قلنا إنها مواعدة على بيع حقيقي لسلعة مطلوبة بالفعل، فلا وجه لإدخالها في بيعتين في بيعة، فإنما هي بيعة واحدة». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 53)
وهنا يأتي الاعتراض التالي: إذا كان الأمر فعلا يتعلق ببيع واحد: لماذا قسمت العملية إلى قسمين: وعد ملزم وبيع؟ في هذا الإطار يرد القرضاوي بما يلي: «والجواب ما ذكرناه من قبل، أن البيع إنما يتحقق إذا ملك المصرف السلعة وقبضها، حتى لا يبيع ما لا يملك، أما الوعد- وإن كان ملزما- فليس بيعا وهذا موضح في كتابنا» (نفسه، ص. 113).
إذا كان البنك يمتلك ما سيبيعه للآمر بالشراء، إذن هو ليس ملزما- مادام يقوم بدور البائع- أن يفرض على الزبون الشراء، فهل رأيت بائعا ينادي على زبون أو مشتر ويفرض عليه أن يبيع له، وكما لا حظ رفيق المصري: «لايمكن إذن القول أن كل وعد يكون ملزما على الإطلاق، ونذكر بالإضافة إلى ما سبق، أن المتبايعين في مجلس العقد قد يعقدان البيع، فهذا عقد، أي أكثر من وعد، أي وعدا ملزما من حيث المبدأ، إلا أن الشارع أعطى لهما خيار المجلس، يقول (ص): «البيعان بالخيار مالم يتفرقا» (متفق عليه) وقد بين هذا مشكورا عبد الله العبادي في مجلة منار الإسلام (العدد السادس 1985 ص: 56)...» (رفيق المصري، معطيات سابقة، ص. 98).
إن إلزام الآمر بالشراء- رغم أن البنك هو الذي يمتلك البضاعة - معناه أن البنك على الحقيقة لا يملك شيئا بل هو وسيط بين البائع الحقيقي والمشتري، وذلك من أجل التحايل فقط..
وطبعا نفهم جيدا لماذا يصر القرضاوي على إلزامية الوعد، إن البنوك الإسلامية غير مستعدة أبدا لتلعب دور البائع فليست أكثر من مقرض بالفائدة، وإذا لم يكن الوعد ملزما فستفلت من البنك إمكانية التحايل ولن يبقى أمامه إلا التعامل بالصورة التقليدية أي تقديم قرض للعميل بفائدة واضحة، وفي هذه الحالة سيفقد البنك الإسلامي دعما هاما بل سببا رئيسيا في استمراره اليوم هو الغطاء الأدلوجي وتزييف الوعي الذي يجعل كثيرا من العملاء والزبناء يصدقون أن هناك بنوكا إسلامية وبنوكا ربوية، وأن هناك أناسا ليس لهم من هم أو شاغل إلا الغيرة على الدين. ومن المفيد أيضا أن نقدم هذه الملاحظة التي ذكرها رفيق المصري في إطار نقده لدفاع القرضاوي عن إلزامية الوعد: «أطال الدكتور القرضاوي في الدفاع عن أن الوعد ملزم (ص: 62 و 81) [ط الكويت] ونحن لا نخالف في الجملة في هذا، ولا يحتاج الأمر إلى إطالة النفس، إنما نحن محتاجون للتوقف طويلا عند تجزئة العملية إلى جزءين: وعد وبيع، ثم الاستعانة بإلزامية الوعد بما يؤدي إلى الغرر أو الجهالة في البيع.. فالحق أن الأستاذ القرضاوي إذا كان ممن يرى أن الوعد ملزم، فيوافق بعض العلماء في هذا ويخالف آخرين، فمن مقتضى مذهبه أن لا يدخل هذا الوعد على العملية أبدا، لأن الإلزام فيها يجعلها حراما، ولو كان مذهبنا بالإلزام عموما لوجب هنا عدمه خصوصا، لأن الوعد إذا أدى إلى حرام فهو حرام مثله». (نفسه، ص. 97).

ــ اعتراض خامس:
في إطار نقد ما تؤدي إليه إلزامية الوعد في البيع ما ذكره رفيق المصري من أن : «بيع المرابحة مع الملزم يفضي إلى بيع مؤجل البدلين، وهذه الشبهة لم يوردها الأستاذ القرضاوي في كتابه، فلا المصرف يسلم السلعة في الحال، ولا العميل يسلم الثمن، وهذا ابتداء الدين بالدين، أو الكالئ بالكالئ، الذي أجمع الفقهاء على النهي عنه مع ضعف الحديث الوارد فيه. اللهم إلا أن يجتمع الثلاثة (المصرف، والمشتري والبائع، أو ممثل عن كل منهم) في مجلس واحد، فيدفع المصرف الثمن النقدي إلى البائع، ويسجل الثمن المؤجل بذمة المشتري، فهذا ربا واضح بتواطؤ الثلاثة». ( رفيق المصري، معطيات سابقة، ص. 96-95).
وكما لم يتطرق القرضاوي إلى هذه الشبهة في طبعة كتابه الأولى، فإنه اكتفى في الردّ على هذه الشبهة هنا بكلام يدور في حلقة مفرغة، إذ أجاب عن هذا الاعتراض بما يلي : «إن البيع ليس مؤجل البدلين، فإن الذي يحدث أولا بين العميل والمصرف وعد لا بيع، إنما يحصل البيع عند تملك المصرف السلعة المأمور بشرائها وحيازتها، وعندئذ يتم تسليم المبيع وتأجيل الثمن كله أو بعضه». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 112). وهذا كلام سبق أن رددنا عليه، وهو يوضح إلى أي درجة بلغ تهافت خطاب القرضاوي وإلى أي حدّ يصل التحايل في هذه العملية المسماة «بيع المرابحة كما تجربه المصارف الإسلامية».
وبعد، فبالنظر إلى هذه الاعتراضات السابقة ألا يظهر لنا أن القرضاوي - ومن الناحية الفقهية- قد وقع في الشبهات وقد كان حرياً به أن ينأى بنفسه وبالمسلمين عن كل أمر فيه لبس واختلاف كثير ومحل شبهات كثيرة .. ولقد سبق للقرضاوي، وهو يعترض على موقف سيد طنطاوي في موضوع شهادات الاستثمار، أن ثمّن ووافق على موقفه من ضرورة اتقاء الشبهات، وكان مما كتبه القرضاوي : «وقد أصاب المفتي بذكر هذه القاعدة والاستدلال بهذا الحديث، وبالحديث الآخر المشهور أيضا : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وفسره بقوله : أي اترك ما تشك في كونه حراما، وخذ ما لا تشك في كونه حلالا، ومقتضى تطبيق هذه القاعدة أن يترك المسلم التعامل بهذه المعاملات المعجونة بالربا ...». (القرضاوي، فوائد البنوك، ص. 91). أما كان أولى بالقرضاوي أن يعود لكلامه هذا وأن ينأى بنفسه عن الشبهات كمسلم حريص على دينه ؟ بيد أنه إذا ظهر السبب بطل العجب !!
وقبل أن أمر إلى خاتمة هذه الدراسة أود الإشارة إلى ما تكبده البنوك الإسلامية من خسائر للدول «الإسلامية» المحتضنة لها، وإذا كانت الأرقام مازالت غير كافية بالنسبة للجيل الثاني من هذه الأبناك، فإن الجيل الأول من البنوك الإسلامية تسبب بضربة موجعة للاقتصاد المصري وهو يحرمه من ودائع مهمة بحيث - وبفضل الغطاء الأدلوجي الديني وأيضا وهذا لا يجب إغفاله بالنسبة للمودعين الرغبة الشرهة في الربح السريع- أن ما جمعته البنوك الإسلامية من سيولة مهمة من لدن المودعين معناه حرمان الدولة المصرية من سيولة مالية سواء من أجل الإنتاج والاستثمار أو من أجل ردّ الديون، علما بأن هذه الأبناك كانت تهتم بتجارة العملة والمضاربة في الأسعار على حساب الاهتمام بالاستثمار الإنتاجي وبالتالي إخراج وتسريب مبالغ مهمة من مدخرات وودائع المودعين من مصر - وهي في أمس الحاجة إليها- إلى الخارج.



21ـ خاتمة

يعود استمرار الجيل الثاني من البنوك الإسلامية - خلافا للجيل الأول الذي أفلس- إلى عاملين أساسيين، بالإضافة إلى كونها تنخرط في النظام المصرفي الدولي الحديث الذي تعمل من خلاله البنوك التقليدية الرأسمالية :
- العامل الأول : لا تتعامل هذه البنوك إلا في ما هو مضمون فيه الربح بل ومؤكد على الدوام، وهذا يطرح إشكالا واعتراضا آخر، إذ أن بعض الفقهاء - والقرضاوي منهم- يشترطون لمثل هذه التعاملات أن يكون فيها عنصر المخاطرة، بيد أنها غير متوفرة في هذه التعاملات، فالبنك هنا ضامن على كل حال أن يكون رابحا، إذ أنه يفرض على العميل وعدا ملزما بالشراء مع أنه لا معنى للوعد أن يكون ملزما وإلا صار بيعا، وهذا طبعا يجعل الموقف الأدبي للبنك الإسلامي مكشوفا للغاية، ويسقط بالتأكيد القناع الأخير، فالبنك إذن ضامن على كل حال أن يأخذ حصته من الفائدة/الربح بوعد الإلزام هذا وبالتالي فهذه الأبناك تنأى بنفسها عن كل ما فيه مغامرة، مع الإشارة إلى أن استثماراتها -الإنتاجية- يشوبها الغموض من حيث المعطيات اللازم توفرها لتقييمها.
- العامل الثاني : وقد كان متوفرا للجيل الأول أيضا، وهو المتعلق بالغطاء الأدلوجي الديني، غير أنه بالنسبة للجيل الثاني أكثر دعما وفعالية، خصوصا مع انتشار عملية غسيل الدماغ الإعلامية الخليجية للشعوب المسلمة، بل يكاد هذا العامل أن يكون هو العامل الأهم لاستمرار هذه البنوك إلى حين، إذ أنه مع هذا الاستمرار لا شيء يمنع أن تقع في مشكلات كبيرة في حالة ما فقدت هذا الدعم الأدلوجي الديني.
ولعل تحذير القرضاوي يحبل بكثير من الدلالات : «كما أؤكد التنبيه على أن بعض الموظفين في البنوك الإسلامية لا يطبقون بيع المرابحة وشروطه، كما قررتها فتاوى هيئات الرقابة الشرعية، ومؤتمرات المصارف الإسلامية، وهؤلاء يتحملون المسؤولية أمام الله تعالى أولا، ثم أمام كل من له ولاية الرقابة والتفتيش والتأديب في البنوك الإسلامية». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 117).
ولعله إذا وقعت الواقعة وحصل المحظور أن تعلق الأخطاء على هؤلاء الموظفين الصغار، كأن هذا استباقا من القرضاوي للأمور ورفعا للمسؤولية من كل ما قد يقع من كوارث ؟!...
وأخيرا، لطالما ردّد القرضاوي في كثير من المناسبات بأن العبرة بالمضمون وليس بالشكل، وبالمسميات وليس بالأسماء، وكان مما ذكره في هذا الشأن : «هذه هي عناصر العملية التي اشتهرت باسم «بيع المرابحة» وأنا لا أقف عند التسمية كثيرا، لأنه لا عبرة بالأسماء، إذا وضحت المسميات». (نفسه، ص. 29).
أما كان أحرى أن يختار القوم أسماء تبتعد عن استغلال الدين، حتى إذا ما فشلت هذه الأبناك نأت عن إلصاق هذه الأخطاء بالدين نفسه وأبعدته عن أن يكون لعبة رخيصة في أيدي أصحابها، بل إن القرضاوي ذهب أبعد من هذا حين أشار إلى أنه يحق أن : «نطلق عليها إذا شئنا اسما جديدا، وأن نعتبرها - بمجموع عناصرها- صورة جديدة من معاملات هذا العصر». (نفسه، ص. 29).
ومع هذا فإنهم يصرون على أن يعتبروا بنوكهم إسلامية وأن تعاملاتها تعاملات إسلامية...!!

* نشر هذا الجزء العاشر والأخير من هذه الدراسة بجريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 11 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 9/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
9/10 
عبد الواحد بنعضرا

ــ اعتراض ثاني
يلاحظ أن المدافعين والمنظرين للبنوك الإسلامية قلما، بل نادرا ما يتطرقون لعلاقة هذه البنوك بالمودعين ويتركز الحديث فقط عن علاقة البنوك بالمقترضين أو العملاء، حتى أن القرضاوي لم يتطرق للمودعين إلا في آخركتابه «بيع المرابحة»، وفي إطار دفاعه عن اهتمام البنوك الإسلامية بالربح، وهذا كلامه: «والمساهمون والمودعون في المصرف أيضا أناس يريدون أن تنمو أموالهم وتربح ودائعهم وأسهمهم، ويعود إليهم عائد ينتفعون منه، ولهذا لا ينبغي لمسلم منصف عاقل، يعرف المجتمع وما يمور به من تيارات، وما يحرك أهله من دوافع، أن يطالب المصرف الإسلامي ألا يهتم بالربح لمساهميه ومودعيه، وأن يصنع له مجتمعا مثاليا مستقلا يزرع ويصنع ويعدن ويرعى وإن لم يربح شيئا!». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 84)
أما هذا فهو شيء متوقع وقد علمنا أن العملية ماهي إلا تجارة في تجارة - وعلى أي حال هذا حق للجميع- لكن المشكل عندما يتقنع هؤلاء بالدين ويلبسون على الناس أمورهم، نفهم إذن أن عدم تطرق القرضاوي لعلاقة المودعين بالبنوك ناتج عن إشكال يريد منه القرضاوي ألا يظهر على سطح النقاش فيهرب منه إلى الأمام دون الخوض في غماره، فالقرضاوي عندما يجعل تحريم الربا يقوم على أساس أنها ربح دون مجهود، لم يتحدث عن أموال المودعين والأرباح التي يجنونها - فنادرا، بل يكاد ينعدم أن يعلن بنك يقوم على أساس نظام مصرفي حديث إفلاسه- هل يجنونها من عمل يقومون به أو مجهود يبذلونه من أجل الربح؟ أبدا، ولهذا فالقرضاوي لا يتعرض لموضوع أموال وأرباح المودعين..
ومادام القرضاوي لا يخوض في هذا الأمر سألجأ إلى آخر لعلهم يبررون العملية، فانظر كيف يحاول أحدهم أن يستدرك على ذلك وهو الكاتب المعروف صبحي الصالح، والذي يرى بأن المودعين يقومون بجهد ما وعمل ما، كيف ذلك؟ هذا توضيح صبحي الصالح: «ولكي نوضح ما في توظيف رؤوس الأموال من جهد وعمل، نختار باب المضاربة التي يكتفي فيها أحد الشريكين بدفع مبلغ من المال على حين يقوم الشريك الآخر بكل العمل أو يقوم الأول بعمل القليل. صحيح في هذه المضاربة أن الجهد منتف أو شبه مفقود، ولكن العوض فيها موجود. إن صاحب المال يوظف هنا ماله بدلا من أن يجمده في الخزائن والصناديق، أو كما يجمده الرأسماليون في زماننا في المصاريف والبنوك، والمهم في الشريعة الإسلامية ألا يربح الإنسان شيئا من أخيه الإنسان إلا بشيء يدفعه في المقابل، وهو إما بعض ماله إن كان غنيا، وإما جهده الشخصي إن لم يكن ذا مال، وأحيانا يكون دفع المال أعون على تسيير الأعمال».
(صبحي الصالح، الإسلام ومستقبل الحضارة، دار الشورى، بيروت، ودار قتيبة، دمشق وبيروت، ط. الثانية، 1990، ص. 113).
إنه كالذي فسر الماء بعد الجهد بالماء، فلقد انتظرنا أن نفهم كيف يبذل المودعون الجهد ويقومون بالعمل فلم نجد توضيحا ولا تفسيرا، وإن كان الأمر يتعلق بأن الجهد يكفي فيه دفع مال ما، فإن المقرضين كيفما كان تعاملهم يدفعون إلى المقترضين أموالا، وكذلك البنوك مع عملائها وزبنائها، أي معناه أنها تبذل جهدا وتقوم بعمل على حد رأي صبحي الصالح..
ويا ترى هل الذين يجمدون أموالهم في البنوك يمنعونها عن الاستثمار أم أن البنوك تستغلها من أجل ذلك كما هو معلوم؟...
ويبقى أن أتساءل هل نسي القرضاوي أن كثيرا من الأبناء والبنات يرثون عن آبائهم وأمهاتهم ثروات - أحيانا- طائلة دون أن يقوموا بأي جهد، فهل هذا الميراث أيضا محرم خصوصا أن الأبناء لم يبذلوا جهدا للحصول على هذه الثروات بل جاءتهم هكذا بالانتقال من الأموات إلى الأحياء؟ لربما لو اتبعنا القرضاوي وأضرابه، لخرجنا بنظرية غير مسبوقة في الاقتصاد.



ــ اعتراض ثالث
من الانتقادات التي وجهت للبنوك الإسلامية كونها تتعامل بـ «المواعدة» على بيع المرابحة- كما رأينا سابقا في مثال صاحب المستشفى - وبأن هذه المواعدة نوع من أنواع بيوع «العينة» انطلاقا من كون المالكية قد ذكرت هذا النوع، أي المواعدة، ضمن بيوع العينة، وبكون أيضا بيوع العينة من التعاملات التي حرمها الفقهاء، وقد حاول القرضاوي أن يرد هذه الانتقادات تارة بكون الصورة التي ذكرها المالكية للعينة ليست من الأنواع المحرمة، وتارة بكون تعاملات البنوك الإسلامية لا تدخل تحت تعريف العينة ثم يختار من تعريفات العينة هذا التعريف: «والعينة أن يبيع شيئا من غيره بثمن معين (مائة وعشرون دينارا مثلا) إلى أجل (سنة مثلا) ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر (مائة مثلا) يدفعه نقدا، فالنتيجة أنه سلمه مائة، ليتسلمها عند الأجل مائة وعشرين»(القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 47).
برجوعنا إلى نموذج أجهزة المستشفى سنرى أن البنك الإسلامي ليس له غرض بالسلعة (الأجهزة) التي تملّكها قبل أن يبيعها للعميل بل غرضه هو المال، وبذلك يحق لي أن أتساءل إلى أي درجة ينطبق أو لا ينطبق بيع العينة على تعامل البنوك الإسلامية؟ ويضيف القرضاوي: «وكثيرا، ما يتخذ أهل الحيل هذا اللون من البيع الصوري ذريعة إلى أكل الربا المحرم ولا قصد في بيع ولا شراء! فهم يستحلون الربا باسم البيع، كما روي [في] بعض الأحاديث المرسلة والمقصود هو تسلف مبلغ من الدراهم أو الدنانير إلى أجل، ثم رده عند الأجل بأكثر منه، والسلعة الوسيطة ماهي إلا حيلة لإظهار الحرام في صورة الحلال فهذا النوع من التعامل يجب أن يحرم، لأنه بيع صورة لفظا، رباً نية وقصدا» (نفسه، ص. 47).
هناك ملاحظة لابد أن أؤكد عليها هي أننا عندما نناقش قضية البنوك - كيفما سمت نفسها وعلى اختلاف أنواعها - فإننا نستحضر مباشرة أن الأمر يتعلق بتعاملات مصرفية حديثة وبالتالي فكل أنواع التعاملات القديمة لا تنطبق عليها حتى ولو تمحل المتمحلون وحتى إن بدت الصورة متقاربة، بيد أنه كما سبق الذكر لا يمكن أن نقارن بين تعاملات فردية بين شخصين وبين تعاملات حديثة تتم بين مال ومال دون اعتبار الأشخاص. وعندما نتحدث عن الاقتصاد اليوم فإننا نتحدث عن علم يرتبط أيضا بعلوم أخرى كالجغرافية الاقتصادية والإعلاميات والرياضيات وبأشياء عديدة تجعل من هذا الميدان أي ميدان التعاملات البنكية ميدانا علميا وليس عشوائيا أو مثاليا أو أخلاقيا. وإذن عندما نتحدث عن بيع العينة ومدى تطابق التعاملات المصرفية للبنوك الإسلامية معه فمن منطلق كشف تهافت الخطاب الديني من داخل بنائه ومنطقه وبالتالي نلجأ إلى الفقه لا للبحث عن معرفة حكم هذه التعاملات هي حلال أم حرام بل مدى اتساق أو تناقض الخطاب الديني المعاصر وبالتالي تهافته.
وإذن فمن هذا المنطلق نتساءل أليست تعاملات البنوك الإسلامية تقوم باستعمال «السلعة الوسيطة» مداورة ومراوغة حتى لا تنعت بأنها تمارس ما تحرمه وما تسميه الربا، يرد القرضاوي بأنه في حالة البيع بالمرابحة فإن: «العميل الذي يجيء إلى المصرف طالبا شراء سلعة معينة يريد هذه السلعة بالفعل كالطبيب الذي يريد أجهزة المستشفى..» (نفسه، ص. 48). بيد أن القرضاوي غفل أو تغافل على أنه إذا لم تكن السلعة وسيطة فقط، فإن أحد العقدين - هناك عقد مواعدة وعقد بيع- يمثل دور الوسيط، وهو ليس إلا وسيلة لتغيير الصورة، وفي هذا الإطار يشير رفيق المصري إلى إحدى الشبهات الموجودة في بيع المرابحة وهي: «عقدين في عقد (بيعتين في بيعة). فقد نهى رسول الله عن بيعتين في بيعة (رواه الخمسة إلا ابن ماجة، وصححه الحاكم وابن خزيمة، أنظر نيل الأوطار 171/5). فالمواعدة إذا لم تكن ملزمة للطرفين لم يكن ثمة بيعتان في بيعة، لكنها إذا صارت ملزمة صارت عقدا بعد أن كانت وعدا، وكان هناك بيعتان في بيعة، فانظر إلى ما نقلناه عن الموطأ..».
(رفيق المصري، بيع المرابحة، مجلة الأمة القطرية العدد 61، شتنبر 1985، نقلا عن كتاب: القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 96).
فمن خلال مثال أجهزة المستشفى يتبين لنا فعلا أن بيع المرابحة بيعتان في بيعة لأن إلزام العميل الوعد بالإنجاز مع الوعيد له إذا أخلف، ماهو إلا إجراء للبيع ولكن تحايلا سمي وعدا، وإلا لتساءلنا إذا كان الأمر يتعلق بوعد وليس بعقد فلماذا تمت كتابة عقد بالوعد؟ 

* نشر الجزء التاسع بجريدة الأحداث المغربية يوم الخميس 10 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 8/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
8/10 
عبد الواحد بنعضرا

نموذج لبيع المرابحة:


هذا هوالمثال الذي قدمه القرضاوي كنموذج لبيع المرابحة:
ذهب زيد من الناس إلى المصرف الإسلامي وقال له:أنا صاحب مستشفى لعلاج أمراض القلب، وأريد شراء أجهزة حديثة متطورة لإجراء العمليات الجراحية القلبية، من الشركة الفلانية بألمانيا أو بالولايات المتحدة. وليس معي الآن ثمنها، أو معي جزء منه ولا أريد أن ألجأ إلى البنوك الربوية لأستلف عن طريقها ما أريد وأدفع الفائدة المقررة المحرمة، فهل يستطيع المصرف الإسلامي أن يساعدني في هذا الأمر دون أن أتورط في الربا؟ هل يستطيع المصرف أن يشتري لي ما أريد بربح معقول على أن أدفع له الثمن بعد مدة محددة، فأستفيد بتشغيل مستشفاي، ويستفيد بتشغيل ماله، ويستفيد المجتمع من وراء ذلك التعاون؟
قال مسؤول المصرف: نعم يستطيع المصرف أن يشتري لك هذه الأجهزة بالمواصفات التي تحددها، ومن الجهة التي تعينها، على أن تربحه فيها مقدارا معينا أو نسبة معينة، وتدفع في الأجل المحدد، ولكن البيع لا ينعقد إلا بعد أن يشتري المصرف الأجهزة المذكورة ويحوزها بالفعل بنفسه أو عن طريق وكيله، حتى يكون البيع لما ملكه بالفعل، فكل ما بين المصرف وبينك الآن تواعد على البيع بعد تملك السلعة وحيازتها.
قال العميل: المصرف إذن هو المسؤول عن شراء الأجهزة المطلوبة ودفع ثمنها ونقلها وشحنها، وتحمل مخاطرها فإذا هلكت هلكت على ضمانة وتحت مسؤوليته، وإذا ظهر فيها عيب بعد تسلمها يتحمل تبعة الرد بالعيب، كما هو مقرر شرعا.
قال المسؤول: نعم بكل تأكيد، ولكن الذي يخشاه المصرف أن يحقق رغبتك ويجيبك إلى طلبك بشراء الأجهزة المطلوبة، فإذا تم شراؤها وإحضارها، أخلفت وعدك معه، وهنا قد لا يجد المصرف من يشتري هذه السلعة منه لندرة مايحتاج إليها، أو قد لا يبيعها إلا بعد مدة طويلة، وفي هذا تعطيل للمال، وإضرار بالمساهمين والمستثمرين الذين ائتمنوا إدارة المصرف على حسن تثميرها لأموالهم.
قال العميل صاحب المستشفى: إن المسلم إذا وعد لم يخلف، وأنا مستعد أن أكتب على نفسي تعهدا بشراء الأجهزة بعد حضورها بالثمن المتفق عليه -الذي هو الشراء مع المصاريف والربح المسمى مقدارا أو نسبة- كما أني مستعد لتحمل نتيجة النكول عن وعدي، ولكن ما يضمن لي ألا يرجع المصرف عن وعده إذا ظهر له عميل يعطيه أكثر، أو غلت السلعة المطلوبة في الأسواق غلاء بينا؟
قال المسؤول: المصرف أيضا ملتزم بوعده، ومستعد لكتابة تعهد بهذا، وتحمل نتيجة أي نكول منه.
قال العميل: اتفقنا
قال المسؤول: إذن نستطيع أن نوقع بيننا على هذا في صورة طلب رغبة ووعدا منك بشراء المطلوب، ووعدا من المصرف بالبيع، فإذا تملك المصرف السلعة وحازها وقعنا عقدا آخر بالبيع على أساس الاتفاق السابق.
هذه هي الصورة التي اشتهرت تسميتها باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء) وهي التي ثار حولها الجدل وكثر القيل والقال. (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 28-27)
فهل هناك أي فرق بين البنوك الإسلامية وبيع المرابحة وبين البنوك التقليدية وفوائد البنوك؟ أم أنه تغيير أسماء فقط وتحايل ومداورة ومراوغة من أجل كسب تعاطف المودعين والعزف على وتر الدين، مع الاستغراب لتعليق القرضاوي هذا: «هذه هي عناصر العملية التي اشتهرت باسم «بيع المرابحة» وأنا لا أقف عند التسمية كثيرا..» (نفسه، ص. 29). وسنرى لاحقا لماذا علق القرضاوي بهذا التعليق؟



انتقادات على بيع المرابحة:
ــ اعتراض أول
رأينا من خلال المثال السابق لبيع المرابحة كيف أن البنك «الإسلامي» يأخذ فائدة عن القرض/البيع الذي يمنحه للعميل ويسميها ربحا - مقدار أو نسبة- فكيف يبرر القرضاوي هذه الفائدة / الربح: «كالطبيب الذي ذكرنا أنه يريد شراء أجهزة، ولجوء مثله إلى المصرف الإسلامي ليشتري له السلعة المقصودة لهو أمر منطقي، لأن مهمة المصرف أن يقدم الخدمة والمساعدة للمتعاملين معه، ومن ذلك أن يشتري لهم السلعة بما يملك من ماله، ويبيعها بربح مقبول، نقدا أو لأجل، وأخذ الربح المعتاد على السلعة لا يجعلها حراما، وبيعها بأجل لا يجعلها أيضا حراما» (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 31-30). هكذا يصبح «أخذ الربح المعتاد على السلعة لا يجعلها حراما» ونتساءل من جديد ما الذي يجعل هذا الربح/الفائدة حلالا هنا وحراما بالنسبة للبنوك التقليدية؟ ذكرت سابقا تعليق القرضاوي على بيع المرابحة: «هذه هي عناصر العملية التي اشتهرت باسم المرابحة، وأنا لا أقف عند التسمية كثيرا» (نفسه، ص. 29). وسنرى هنا أحد دواعي هذا التعليق، حين يضطر القرضاوي كي يجعل هناك تمييزا بين أرباح البنوك الإسلامية وفوائد البنوك التقليدية إلى أن يتحدث عن الصورة وهذا طبعا مناقض لحديثه عن أنه يهتم بالمسمى لا بالاسم، بالمضمون وليس بالشكل، حيث جاء في كلامه مايلي: «على أن تغيير الصورة أحيانا يكون مهما جدا، وإن كانت نتيجة الأمرين واحدة في الظاهر، فلو قال رجل لآخر أمام ملإ من الناس: خذ هذا المبلغ واسمح لي أن آخذ بنتك لأزني بها، فقبل، وقبلت البنت لكان كل منهم مرتكبا منكرا من أشنع المنكرات، ولو أنه قال له: زوجنيها وخذ هذا المبلغ مهرا لها.. فقبل وقبل لكان كل من الثلاثة محسنا، والنتيجة في الظاهر واحدة، ولكن يترتب على مجرد كلمة «زواج» من الحقوق والمسؤوليات شيء كبير» (نفسه، ص. 32).
بغض النظر عن بشاعة المثل الذي يضربه القرضاوي، نتساءل هل المسألة هي مسألة تغيير صورة فقط حتى لو كان الجوهر نفسه؟ إن تناقض كلام القرضاوي حول عدم اهتمامه بالتسمية- كما في تعليقه على النموذج- أو بالعكس أهمية الصورة والتسمية والكلمة- كما جاء في الفقرة أعلاه- يبين لنا أن القرضاوي يحاول أن يبرر بيع المرابحة بأي شكل ويرد على الاعتراضات كيفما اتفق حتى ولو تناقض آخر كلامه مع بدايته، فالداعي الأول وراء تعليق القرضاوي ذاك مراوغة وتهرب ممن يعترض على أن المرابحة نوع من أنواع الربا، فكأن القرضاوي يحاول أن يشير إلى أن الاسم قد أطلق على هذه المعاملة صدفة وأنها لا تمت بصلة إلى المرابحة القديمة، غير أنه ما لبث أن نكص عن وجهته فأخذ يتحدث عن الصورة وأهمية تغييرها حتى يوهمنا بأن هناك فرقا بين فوائد البنوك التقليدية وأرباح البنوك الإسلامية..
أما الداعي الآخر وراء تعليق القرضاوي ذاك، فهو موجه للذين يعترضون على أنه في حالة ما تعلق الأمر بمعاملة جديدة فإن أحدا لم يقل بحلها من القدماء، فيجيب القرضاوي: «والرد على هذا، الاعتراض من وجهين، الأول: أنه ليس من الضروري في المعاملات الحديثة أن نجد من أئمتنا السابقين من قال بحلها، وليس من اللازم ما يفعله بعض علماء عصرنا من محاولة رد كل معاملة جديدة إلى صورة من صور المعاملات القديمة، لتخرج عليها، وتأخذ حكمها، وحسبنا ما قررناه من قبل: أن الأصل في المعاملات عامة، وفي البيع خاصة، هو الحل، وما جاء على الأصل لا يسأل عنه». (نفسه، ص. 34)،
القرضاوي لا يحبذ العمل الذي يقوم به البعض من رد كل معاملة جديدة إلى صورة قديمة من المعاملات! فما الذي يفعله الفقهاء إلا هذا، أي رد كل شيء إلى أصل قديم، ومن يستعمل القياس، أليس الفقهاء والشيخ واحد منهم؟ بل ولماذا تم تسمية تعاملات بنوكهم ببيع المرابحة أليس من أجل تبريرها بأنها لا تعدو أن تكون شكلا لنوع قديم من البيوع، أي بيع المرابحة وأن هذا البيع حلال، فإذ بتعاملات أبناكهم حلال.. إننا أمام عملية خداع كبيرة ولا يغرنك تملص القرضاوي من تسمية معاملات أبناكهم أحيانا بالمرابحة، فهو يدرك أن المهم قد حصل وهو أن يعتقد الناس بأن هذه الأبناك تتعامل بالحلال عن طريق المرابحة، وطبعا فالناس لن يسألوا ولن يدخلوا في التفاصيل، أما الذي يبحث ويناقش التفاصيل فإن القرضاوي يهيء له مفاجـأة كبيرة بأن هذا التعامل لا علاقة له ببيع المرابحة، بعد أن يكون الشيخ متيقنا بأن الناس المستهدفين بإعلان المضاربة والمرابحة لا يهمهم إلا العنوان وأن أي نقاش في التفاصيل لن يصلهم رذاذه وسيظل محصورا في نطاق ضيق... وأتساءل إذا كان الأمر كما ذكر الشيخ بأن المعاملات الحديثة لا يلتزم فيها بأقوال السابقين، فلماذا جعلوا من البنوك التقليدية حراما، أليست هي الأخرى معاملات حديثة؟

* نشر الجزء الثامن بجريدة الأحداث المغربية يوم الأربعاء 9 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 7/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
7/10 
عبد الواحد بنعضرا

وبالتالي، فالأمر في حالة ما إذا فسد عقد المضاربة أن يتحول ــ في الفقه ــ إلى عقد إجارة وليس إلى «ربا»، وكما نلاحظ فإن شيخ الأزهر استشهد بآراء فقهية قديمة حول ما ذهب إليه، وهذا أيضا ينبهنا إلى كمّ التعمية التي يمارسها القرضاوي في حديثه عن المضاربة. ما سبق من كلام سيد طنطاوي سيجعله يصل إلى النتيجة التالية : «وبناء على كل ذلك نقول : إن البنك المستثمر للمال بتحديده للربح مقدما، قد صار أجيرا عند أصحاب الأموال، الذين رضوا أن يكون ما حدده لهم هو ربح أموالهم، وما بقي من أرباح بالغة ما بلغت هو أجر له على استثماره لأموالهم، وبذلك لا تكون هذه المعاملات من المعاملات الربوية.
والخلاصة : أننا لا نرى نصا شرعيا، ولا قياسا نطمئن إليه، يمنع من تحديد الربح مقدما، مادام هذا التحديد قد تم باختيار الطرفين ورضاهما المشروع». (نفسه، ص. 103-102).
وما قد نستنتجه ــ نحن ــ ، أننا أمام فقهين يدافعان عن المصالح الاقتصادية-السياسية، فالقرضاوي المساهم والرئيس لهيئة الرقابة الشرعية في العديد من البنوك الإسلامية، يختار تفسيرا للمضاربة يتوافق مع توجهه، أي نعت هذه البنوك بالإسلامية والأخرى بالربوية؛ وسيد طنطاوي من جهته يشير إلى تفسير آخر للمضاربة يتوافق مع منصبه الرسمي كشيخ للأزهر يدافع عن سياسة النظام المصري الحاكم والذي تتعامل أبناكه على أساس أنها بنوك تقليدية، مبينا أنه لا شيء يمنع في المضاربة أن يحدد الربح رعاية للمصالح، مدعما رأيه أيضا بما يروى من أن النبي منع وحرّم التسعير، ثم بعد ذلك ما فعله كثير من الفقهاء الذين : «أجازوا لولي الأمر تسعير السلع، إذا غالى التجار في الأسعار، أو احتكروا ما لا غنى للناس عنه، أو تذرعوا بهذا الحديث لاحتكار السلع، والمبالغة في رفع أسعارها بما يعجز معه كثير من الناس من شرائها وذلك لإشباع مطامعهم. وإذا كان الفقهاء قد راعوا مصالح العباد في التسعير مع وجود النص الذي ينهى عنه، أفلا يجوز تحديد الربح مقدما في المضاربة رعاية لهذه المصالح، مع أنه لا يوجد نص شرعي يمنع ذلك، وكل ما في الأمر أن الذين يمنعون تحديد الربح مقدما في المضاربة يستندون إلى قياس عقد المضاربة على عقد المزارعة». (نفسه، ص. 99).
هكذا سيجعل طنطاوي من بنوك العالم جميعا بنوكا تتعامل بـ «المضاربة»، وبمعنى آخر فقد جعل من البنوك التقليدية كلها بنوكا «إسلامية»، وطبعا هذا قلب للأمور، إذ أن البنوك الإسلامية هي في واقع الأمر ليست إلا بنوكا تقليدية تدعي أنها تتعامل بنظام «إسلامي»، وقد رأينا أنه لا علاقة لهذه الأبناك بنظام المضاربة القديم، ثم إن هذا النظام أصلا هو نظام ما قبل إسلامي، وأن القرضاوي وباقي الفقهاء يلبسون هذه البنوك لباسا دينيا بادعاء التعامل بالمضاربة، وبانتقاء تفسير معين للمضاربة حتى يتم استبعاد البنوك التقليدية ونعتها بالربوية، والحال أنها كلها بنوك من نفس الشاكلة، أي بنوك رأسمالية، وسيتأكد الأمر أكثر عندما ندرس ونحلل «البيع بالمرابحة».

13ـ بيع المرابحة

سأناقش موضوع بيع المرابحة انطلاقا من كتاب القرضاوي: «بيع المرابحة للآمر بالشراء»، وقد أشار رفيق المصري في مقال له في مجلة الأمة القطرية يرد على القرضاوي في الموضوع بأن: «كتابه «بيع المرابحة» يمثل الدراسة الوحيدة المعتبرة لفئة الفقهاء الذين أجازوا بيع المرابحة مع إلزام المتبايعين بمواعدتهما، وقد جاء تفصيلا لفتوى كان واحدا من صناعها» (العدد 61 شتنبر 1985). وقد نشر الكتاب أول مرة دار القلم في الكويت عام 1984.
سبق أن رأينا ما ذكره طنطاوي بخصوص تعامل الفقهاء وتجاوزهم لرواية تمنع التسعير، وسنرى رأي القرضاوي في كتابه بعي المرابحة حول الموضوع، فمما جاء في كلامه هنا: «ومن ثم رأينا الفقهاء - من عصر التابعين- من يجيز التسعير مع ما ورد فيه من الحديث، التفاتا إلى العلة والمقصد. ورأيناهم يجيزون من البيوع والمعاملات مافيه غرر يسير لا يفضي عادة إلى نزاع، مراعاة لعلة النص الناهي، عن بيع الغرر، والتفاتا إلى حكمته وقصده...».
(يوسف القرضاوي، بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجربه المصارف الإسلامية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2001، ص. 21).
عجيب أمر الشيخ إنه لا يرى بأسا فيما فعله الفقهاء من تحايل على النص بل رأى فيه مراعاة للعلة والمقصد، والسؤال: لماذا وأين غابت مرعاة القصد والعلة في فتاويه حول تعاملات البنوك التقليدية، لماذا وحدها فوائد هذه البنوك تستثنى من البحث عن علتها ومقصدها؟! وحتى يتبين لنا مدى تهافت الخطاب الديني المعاصر في موضوع البنوك، خاصة في دفاعه عن بيع المرابحة، سأعود للكتاب الآخر للقرضاوي والذي يتحدث عن فوائد البنوك لنرى كيف لم يراع الشيخ المقصد في تحريم التعامل البنكي، فقد ذكر أن: «من التبريرات التي جدت على الساحة اليوم: ما يقال من أن الحكمة في تحريم الربا لم تعد قائمة اليوم، فالحكمة هي منع ظلم الدائن للمدين أو المقرض للمقترض واستغلال حاجته بفرض الزيادة الربوية عليه (...) وحصر الحكمة في استغلال المقرض الغني للمقترض الذي يأخذ القرض لحاجته وقوته وقوت عياله حصر غير صحيح، وقد رددنا عليه بالأدلة الناصعة.
أما الحكمة هي: أن المال لا يلد المال بذاته، والنقود لا تلد نقودا، إنما ينمو المال بالعمل وبذل الجهد» (القرضاوي، فوائد البنوك، ص. 47-46).
إذن حسب القرضاوي هنا فتحريم الربا لا يقوم على أساس منع الظلم بل تحولت الحكمة من تحريمها إلى أن المال لا يلد المال بذاته.. إلخ، وكلامه هنا متناقض كلية مع ما ذكره الرجل في كتابه بيع المرابحة إذ قرر القرضاوي: «أن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم، وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها، أو خشي منه أن يؤدي إلى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 20).
واضح من هذا التناقض الكبير بين كتابي القرضاوي في أساس تحريم الربا أننا أمام خطاب يحاول بأي طريقة الدفاع عن مصالحه، وما هذا إلا نموذج من النماذج العديدة التي سنراها لاحقا لتهافت الخطاب الديني المعاصر وهو يحاول بأي طريقة أن يبرر بيع المرابحة التي أثيرت حوله انتقادات عديدة بأنه ليس إلا شكلا من أشكال الربا - في الفقه- وليس نوعا من أنواع البيوع، وفي المقابل سعيه (أي الخطاب الديني) لضرب البنوك الأخرى التي لا تتقنّع بأي قناع ديني. تحدثت عن موقف القرضاوي من قضية التسعير وكيف ربطها بالمقاصد وسنرى ما محل المقاصد في خطاب الشيخ في قضية فوائد البنوك التقليدية؟

لم يكتف القرضاوي بأن تناقض مع كلامه في أساس تحريم الربا بأنه المنع من الظلم كما جاء في كتابه "بيع المرابحة" وجعله في كتابه الآخر "فوائد البنوك" بأنه يعود إلى أن المال لا يلد المال وإنما ينمو المال ببذل الجهد، حتى يضيف هذا الكلام معبرا عن قمة تهافت خطابه: «لأن الأصل المطرد الغالب: أن نبني الأحكام الشرعية على العلة لا على الحكمة، لأن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يكون علامة واضحة على الحكم، بخلاف الحكمة التي تنضبط وقد تختلف أفهام الناس وتضطرب في تحديد الحكمة فلا يتفقون على شيء». (القرضاوي، فوائد البنوك، ص. 47).
لم يعد هناك إذن أهمية للالتفات إلى المقاصد والحكمة ــ خلافا لما جاء في كتاب بيع المرابحة ــ وهكذا أصبح واجبا للنظر إلى العلة فقط.. ولم لا فلكل مقام مقال، فحين يريدون إباحة التعامل مع بنوكهم «الإسلامية» يقولون أنهم يتعاملون بالمرابحة ثم يعطون للمرابحة تعريفا قديما ثم - مع ذلك- يتحايلون لكي تظهر أن هذه المرابحة حلال -بالنسبة لفقههم- فيتحدثون عن المقاصد والحكمة، تحايلا على النصوص!! أما إذا أرادوا ضرب البنوك الأخرى ــ أي التقليدية ــ فالحديث هنا سيكون عن أن فوائدها ربا وأن الربا حرام، وينعدم ويختفي حديثهم عن المقاصد والحكمة، بل أكثر من ذلك يكتشف القرضاوي أن العمد والمعول عليه هو العلة وليس الحكمة ثم يفسر الحكمة كيفما اتفق له، وطبعا فمصالحة تلزمه بذلك فهو رئيس هيئة الرقابة الشرعية للعديد من المصاريف الإسلامية، ويزيد القرضاوي الطين بلة حين يعلن: «أن الحكمة الواضحة في تحريم الربا هي تحقيق الاشتراك العادل بين المال والعمل، وتحمل المخاطرة ونتائجها بشجاعة ومسؤولية، وهذا عدل الإسلام». (نفسه، ص. 48)
عجيب فعلا: نلاحظ هنا أن الحكم أصبحت «واضحة» وليست مضطربة أو غير منضبطة أو مختلف عليها ــ كما جاء في أعلاه ــ ، ثم تأمل كيف عزل الشيخ النصوص عن سياقها، فالذي يقرأ آيات الربا يعرف أنها تتحدث عن شيء آخر: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (...) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون» (البقرة/ 281-275).
إن هذه الآيات ــ وحتى لا أتعسف في سبب تحريمها للربا أو أكثر دقة سبب ذمها للربا - فعلى الأقل لا تفيد في أي شيء الكلام السابق ولا علاقة لها بالحكمة التي ذكرها القرضاوي، فهذه المقارنة بين النظرة أو الإنظار إلى مسيرة والصدقة وبين الربا - وبدون تعسف في التأويل- لا تفيد أن الحكمة هي تحقيق الاشتراك العادل بين المال والعمل أو بذل الجهد، فهذه قضية أخرى لا علاقة لها بهذه الآيات، ولكنه القرضاوي الرجل الذي يحاول أن يجد لكل مقام مقالا ولكل فتوى تخريجة باسم الدين!!
ولكي نتمثل جيدا تحليل ودراسة «بيع المرابحة» لزم أن نقدم نموذجا من نماذج هذا البيع، وهذاما سأفعله، وسأعتمد النمذوج نفسه الذي اختاره القرضاوي كمثال عن بيع المرابحة في كتابه الذي يحمل نفس الإسم، وذلك حتى لا يقع منا تعسف بتقديم نموذج آخر فلا يتوافق مع الدراسة التي أقوم بها والتي تنطلق من تحليل تصور معين لبيع المرابحة كما يراه القرضاوي ومن يقتفي أثره من أبواق الدعاية للبنوك الإسلامية، ولعلنا بهذا نزداد فهما للظاهرة.

* نشر الجزء السابع بجريدة الأحداث المغربية يوم الثلاثاء 8 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 6/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
6/10
عبد الواحد بنعضرا
هذا الاختلاف بين المالكية والحنفية في الأخذ بالحيل، هل يعود فقط إلى اختلاف المذهبين أم أساسا إلى اختلاف اجتماعي بين المنطقتين حيث ينتشر المذهبان، أي العراق بالنسبة للمذهب الحنفي والمغرب والأندلس بالنسبة للمذهب المالكي؟ والجواب نجده عند ابن خلدون، فالبداوة كانت من أهم العوامل التي جعلت أهل المغرب والأندلس يختصون بالمذهب المالكي حسب ابن خلدون : «فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق، فكانوا لأهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة، ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب». (مقدمة ابن خلدون، دار الجيل بيروت [د. ت]، ص. 498).
فتعقد الحياة في العراق والتي يفرضها تطور الحضارة يفرض إيجاد مخارج وتبريرات، ولهذا اشتهر المذهب الحنفي بـ «الحيل» وعبارة ابن خلدون (يعانون الحضارة) عبارة دقيقة جدّاً، لأن الحضارة تطرح مشاكل تفرض إيجاد حلول لها مقارنة مع «بساطة» مشاكل البداوة، غير أن كلام الشاطبي يوحي بأن هناك تعاملات جديدة بدأت تنتشر في المغرب والأندلس وإن لم تصبح بعد أمراً واقعا، ومع ذلك أليست «مقاصد الشريعة» والتي خصص لها الشاطبي - الذي يعد مجدد أصول الفقه عند السنة- الجزء الثاني بكامله من كتابه: «الموافقات في أصول الشريعة» بابا من أكبر أبواب الحيل الفقهية، ولكن هذه المرة من داخل المذهب المالكي ؟
11ـ المضاربة
لقد استعمل إذن الجيل الثاني من البنوك الإسلامية شعارات «المضاربة» و«المرابحة» خلافا للجيل الأول الذي ظل يرفع شعار «البركة» إلى أن أفلست وهرب أصحابها.
في برنامج الشريعة والحياة ليوم 27 مارس 2005 استعرضت مقدمة الحلقة خديجة بنقنة بعض الأرقام حول هذه البنوك، ومما جاء في كلامها : «كما أشارت إحصائيات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية عام 1998 إلى النمو السريع للمصارف الإسلامية خلال عقدين من الزمن حيث كانت نهاية السبعينات خمسة بنوك فقط وصلت بنهاية عام 1998 إلى مائة وستة وسبعين مصرفا إسلاميا بإجمالي أصول قدرها مائة واثني عشر مليار دولار وحقوق مساهمين بأكثر من سبعة مليارات وبمعدل سنوي بلغ 15% سنويا، ووصل عدد البنوك الإسلامية اليوم إلى أكثر من ثلاثمائة وسبعين بنكا إسلاميا مستقلا دون الحديث عن فروعها أو الفروع التي تعد بالآلاف» . (نقلا عن الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة القطرية).
فإلى أي شيء يعود استمرار الجيل الثاني من البنوك الإسلامية ؟ هذا ما سنكتشفه في ثنايا هذه الدراسة، وسأشرع في تناول موضوع المضاربة الآن على أن أدرس لاحقا موضوع المرابحة.
في انتقاده للمدافعين عن البنوك التقليدية بكونها تتعامل بالمضاربة، يرد القرضاوي بما يلي : «وإذا شرط على المضارب أن يضمن مال المضاربة، فسد عقد المضاربة وفقد شرعيته. ومما لا نزاع فيه أن البنك ضامن للمال الذي يقبضه، فكيف يكون أمينا وضامنا في الوقت ذاته ؟ كما أن عقد المضاربة الشرعي يقتضي كذلك اشتراك الطرفين في المغنم والمغرم -أي الربح والخسارة- ولا ينفرد أحدهما بربح مضمون ومال معلوم، على حساب الطرف الآخر. فالمطلوب إذن أن يكون نصيب كل منهما من الربح جزءا شائعا، أي نسبة مئوية مثلا، واستدل الفقهاء لذلك بما فعله النبي في مزارعته لأهل خيبر على جزء شائع مما يخرج من الأرض، قالوا : وأي ضمان في المضاربة لمقدار معلوم من المال لرب المال أو المضارب يفسد المضاربة وينقلها من دائرة الحل إلى دائرة الحرمة».
(يوسف القرضاوي، فوائد البنوك هي الربا الحرام، مكتبة وهبة، القاهرة، 2001، ص. 60-59).
يحدد القرضاوي المضاربة في أمرين اثنين : ألا يكون البنك ضامنا، بل أمينا ومعناه أنه إذا ضاعت أموال المودعين أو حدث لها تلف أو خسارة، فإن البنك ليس مسؤولا عن تعويضهم مادام لم يقصد الخسارة وليس هناك تلاعب. أما النقطة الثانية فهي اشتراك طرفي المضاربة في المغنم والمغرم دون أن ينفرد أحدهما بالربح على حساب الآخر -وبالتالي وجوب تحديد نسبة مئوية للأرباح وليس قدرا معلوما- والسؤال : هل هذا هو الوجه الوحيد للمضاربة أم أن هناك وجها آخر أخفاه القرضاوي ؟ وإذا كان هذا هو الوحيد، فمن الذي قرّر أنه كذلك ؟ أمّا القرآن فلا يتحدث عن المضاربة، وأمّا هذا النوع من التعامل فقد رأينا من قبل أنه تعامل ما قبل إسلامي، فكيف تم إلباسه لبوس الدين ؟ ثم أية علاقة توجد بين النوع البسيط القائم بين شخصين -فردين- وبين التعامل الحالي للأبناك الإسلامية والذي يطلقون عليه أيضا اسم المضاربة مع أنه تعامل بين مال ومال دون اعتبار للأشخاص ؟
ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه البنوك الإسلامية قلما تأخذ بهذا النوع من التعامل، وهذا ما اعترف به سامي حمود -أعيد التذكير أنه من المؤسسين والمنظرين للبنوك الإسلامية- وهو يتحدث عن موضوع رسالته للدكتوراه والذي كان له صدى، إلا أنه كما ذكر سامي حمود : «كانت النتيجة أن وجدت فيه البنوك الإسلامية مادتها للتطبيق لكنهم سامحهم الله أغرقوا في المرابحة ونسوا أني تحدثت عن المضاربة وعن المشاركة المتناقضة، من تمليك الطاكسي وتمليك المستشفى والمصنع، وقالوا إن الدكتور سامي هو الذي تحدث عن المرابحة، إن كنت علمت الناس زراعة العنب فإني لم أعلمهم صناعة الخمر».
(سامي حمود : فعالية التمويل الإسلامي، ص. 78).

12ــ وجهة نظر أخرى:
من الآراء المخالفة لرأي القرضاوي فيما يخص المضاربة، رأي عبد الوهاب خلاف الذي تبناه محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، وإذ يوحي كلام القرضاوي أو أنه بالأحرى هو الذي يوحي من خلال كلامه بأن فساد المضاربة معناه تحول هذا التعامل -في الفقه- إلى ربا، يؤكد سيد طنطاوي : «مع تسليمنا - جدلا- بأن تحديد الربح مقدما يفسد عقد المضاربة، فإنه لم يقل أحد من الأئمة بأن فساد عقد المضاربة لهذا السبب يجعل العقد معاملة ربوية، يحرم فيها الربح الناشئ عن العمل في المال المستثمر. وإنما الذي أجمع عليه الفقهاء عند فساد عقد المضاربة بسبب تحديد الربح مقدما أن العامل -وهو المستثمر للمال- يصير أجيرا عند صاحب المال، وله أجر مثله بالغا ما بلغ، ولصاحب المال ما بقي من الربح فوق رأس ماله.
قال الكمال بن الهمام -صاحب فتح القدير- : عقد المضاربة يفسد باشتراط دراهم مسماة لأحد المتعاقدين، والحكم في كل موضوع لا تصح فيه المضاربة، وجوب أجر المثل للعامل، والربح لرب المال لأنه نماء ملكه، ولا يتجاوز بالأجر القدر المشروط عند أبي يوسف خلافا لمحمد [بن الحسين الشيباني]. وفي كتاب الأم قال الشافعي : كل قراض - أي مضاربة- كان في أصله فاسداً، فللمقارض العامل فيه أجر مثله، ولصاحب المال، المال وربحه ...».
(محمد سيد طنطاوي، معاملات البنوك وأحكامها الشرعية، دار نهضة مصر، 1998، ص. 103).



* نشر الجزء السادس بجريدة الأحداث المغربية يوم الاثنين 7 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 5/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



البنوك الإسلامية
5/10 
عبد الواحد بنعضرا

9ـ الحيل الفقهية

إذا كان الشعار الأساسي الذي حمله الجيل الأول من البنوك الإسلامية هو شعار البركة، فإن الجيل الثاني رفع كشعار أساسي له : «المضاربة» و«المرابحة»، وإذن فقد كان علي أن أتطرق لموضوع الحيل الفقهية حتى أكشف عن الخداع المركّب الذي يقوم به الخطاب الديني المعاصر والمتمثل في الادعاء بأن معاملات الأبناك الإسلامية هي من صميم المضاربة والمرابحة من جهة، ومن جهة أخرى أن المضاربة والمرابحة هي نظام إسلامي في التجارة، ولا أعني أني أريد أن أقدح في «الحيل الفقهية» وأرى فيها فقط الوجه السلبي، فقد يكون لها وجه إيجابي ربما قصد منه الفقهاء تحرير التجارة من بعض القيود التي تعيقها، ولكني أبغي إجلاء اللبس عن الخداع والزيف الذي يريد أن يصبغ هذا الخطاب به المصارف المسماة بالإسلامية بطابع ديني في مقابل البنوك التقليدية التي تنعت بأنها تتعامل بالربا، في الوقت الذي لا يختلف فيه النوعان إلا في جزئيات بسيطة، إذ أنهما ينخرطان في النظام البنكي الرأسمالي بكل عناوينه الرئيسية وحتى الفرعية، ولهذا كان من اللازم التطرق لموضوع الحيل مع الإشارة إلى أن سامي حمود، وهو من المؤسسين والمنظرين للبنوك الإسلامية، لم يخف في أحد الندوات التي أقيمت بالدار البيضاء بأن : «نظام المضاربات، صحيح أن النظام نقل إلى الحضارة الإسلامية كنظام متعارف عليه في الجاهلية، لكنه عندما دخل في الفقه الإسلامي تقدم به الفقه خطوة متقدمة توجب مكانا للوسيط المالي».
(سامي حمود، فعالية التمويل الإسلامي في إطار الاقتصاديات الصاعدة، من محاضرات ندوة التطبيقات الاقتصادية المعاصرة للدار البيضاء، 1998، ص. 56).
وكما نرى فقد مرّ الرجل بنظام المضاربة من فترة ما قبل الإسلام إلى اجتهاد الفقهاء دون أن يذكر رأي القرآن في ذلك، وبمعنى آخر فإن الفقهاء لما احتاجوا إلى طريقة أكثر تحررا في التجارة عمدوا إلى الأنظمة الموجودة منذ القديم كالمضاربة، وحاولوا أن يلبسوها ثوبا إسلاميا حتى ولو كان القرآن لم يتطرق لها لا من قريب ولا من بعيد، ولهذا دلالات كثيرة ... أمّا الحيل الفقهية فالمقصود بها : «اختار الفقهاء من معانيها العامة أو المطلقة، كما يرى ابن القيم معنى خاصا، أو مقيدا، وهو ما عبر عنه بقوله : سلوك الطريق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له، إلا بنوع من الذكاء والفطنة (...)
وقال ابن تيمية : ثم غلبت بعرف الاستعمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمراً حسنا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحا كانت قبيحة (...) وقد استعملت بمعنى المخرج من الضيق والحرج، كما استعملها بعض الحنفية ومنهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ) حيث سمى كتابه : المخارج في الحيل، وهي بهذا المعنى قريبة من الرخصة، حيث قالوا : إن المقصود بهذه الحيل هو استعمال الذكاء في فهم دين الله لنخرج من وقع في بلية وضيق من ذلك بوجه شرعي، يبقى له حرمة الدين في نفسه، ويخرجه من الضيق والحرج بوجه مقبول شرعا بفضل الذكاء وجودة الفهم والاجتهاد في استنطاق نصوص الشرع دون مخالفتها».
(محمد بن إبراهيم، الحيل الفقهية في المعاملات المالية، ، الدار العربية للكتاب، 1983، ص. 25-24).
ويرى أبو إسحاق الشاطبي أنه لا يمكن إقامة دليل من الشريعة على إبطال الحيل أو تصحيحها، وإنما يمكن عرضها على مقاصد الشريعة : «فإذا تسبب المكلف في إسقاط الوجوب على نفسه، أو إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب، حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر، أو المحرم حلالا في الظاهر أيضا، فهذا السبب يسمى حيلة وتحيلا ...». (نفسه، ص. 26). أي حسب الشاطبي، أن كل سبب يؤدي إلى إسقاط الواجب أو تحليل المحرم يسمى حيلة وتحيلا، وبمعنى آخر فإن الحيلة بقدر ما تطلق على «مخرج شرعي» عند أبي الحسن الشيباني الحنفي، فإنها أيضا تستعمل -غالبا أو في الجملة- كوسيلة لتحليل «الحرام» عند أبي إسحاق الشاطبي المالكي في تعريفه للحيلة، بيد أن هذا الاختلاف لا يقتصر على التعريف، بل يتعداه -كما هو تاريخ الفقه- إلى اختلاف في كل قضية من القضايا المطروحة خاصة في مجالات مالية !!



10ـ الحيل الفقهية في المعاملات المالية

يعرف محمد بن إبراهيم البيع الصحيح بأنه : «ما نقل فيه الملك، وتم القبض، باستثناء بيوع الآجال المرخص فيها، وكان ذلك يعوض على وجه جائز شرعا، أو عن تراض من المتبايعين، بعد الإيجاب والقبول، اللذين لا يتمان بدون تراض». (محمد بن إبراهيم، الحيل الفقهية في المعاملات المالية، ص. 133).
ولكن لماذا رخصت بيوع الآجال، ومن رخص بها ؟ أما القرآن فليس فيه أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد لهذا الترخيص، إلا إذا تعلق الأمر بوضع الأحاديث فهو أمر معروف في تاريخ الفقه، وهذا ما يجعلنا نتساءل : ألم يكن الفقه إلا تاريخا من الحيل، ولكل في الميدان طريقته ؟ يخلص ابن إبراهيم إلى أنه إذا : «فقد معنى من هذه المعاني بأن فقد التقابض، أو التراضي الصحيح، أو عدم الجواز الشرعي في الثمن أو المثمن، تجيء الحيل لتصحيح البيع الفاسد بسبب اختلال ركن، أو شرط من شروط صحته أو جوازه. وهذه الحيل تكون غالبا إما تخريجا على قول ضعيف أو على أصول بعض المذاهب، أو تماشيا مع الظاهر، وغض النظر عن النوايا والقصود». (نفسه، ص. 134-133).
رأينا فيما سبق الاختلاف في الأخذ بـ «الحيل» بين المذهب المالكي والمذهب الحنفي، يقول أحمد أمين : «ومن الأمور الظاهرة في فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية، وقد أصبحت فيما بعد بابا واسعا من أبواب الفقه في مذهب أبي حنيفة وغيره من المذاهب، وإن كانت في مذهب الحنفية أظهر، وألفت فيها الكتب الخاصة، حتى لقد وضعت فيما بعد حيل للهروب من محل الالتزام، فحيل لإسقاط الشفعة، وحيل لتخصيص بعض الورثة بالوصية، وحيل في إسقاط حدّ السرقة وهكذا». (أحمد أمين، ضحى الإسلام، الجزء الثاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط. العاشرة، ص. 190).
وبالمقابل ضيق المالكية على «الحيل» حتى أن أبا إسحاق الشاطبي يرى أن السبب الرئيسي وراء اللجوء إلى الحيل هو الشح، ومعنى هذا أن الشاطبي يوحي لنا بأنه لم تكن هناك ضرورات واقعية تجارية واجتماعية أو واقع جديد يفرض تبريرا فقهيا، بل إن المسألة عنده منحصرة في دوافع أخلاقية مثالية وذاتية، وذلك أنه : «نقص الإحسان بالوجوه الأول، فتسامح الناس بالقرض، ثم نقص ذلك حتى صار الموسر لا يسمح بما في يديه فيضطر المعسر إلى أن يدخل في المعاملات التي ظاهرها الجواز وباطنها المنع، كالربا والسلف الذي يجر النفع فيجعل بيعا في الظاهر، ويجري في الناس شرعا شائعا، ويدين به العامة، وينصبون هذه المعاملات متاجر، وأصلها الشح بالأموال، وحب الزخارف الدنيوية والشهوات العاجلة».
(أبو إسحاق الشاطبي، الاعتصام، ضبطه وصححه، أحمد عبد الشافي، الجزء الثاني، دار الكتب العلمية، بيروت ط. الثانية، 1995، ص. 332).

* نشر الجزء الخامس بجريدة الأحداث المغربية، يوم الأحد 6 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 4/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



البنوك الإسلامية
4/1
عبد الواحد بنعضرا
7ـ نصر حامد أبو زيد ضحية وكيل الريان

في سنة 1993 رفع المحامي محمد صميده عبد الصمد دعوة قضائية ضد نصر حامد أبو زيد مطالبا فيها هيئة المحكمة بإقامة أحكام الردة على المدعى عليه، والتفريق بينه وبين زوجته، وإذا كان غريبا أن يكون هناك نظام اسمه الحسبة بمصر يتهدد المواطن في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين وفي دولة تعلن أنها دولة مدنية، فإن الأكثر غرابة أن يبدأ نقاش ــ من المفروض ــ فكري في رحاب الجامعة لينتهي في قاعة المحكمة !!
والقضية انطلقت حين عرض نصر حامد أبو زيد على مجلس الجامعة موضوع ترقيته من درجة «أستاذ مساعد» إلى درجة «أستاذ»، ولأن القضية كلها غرابة في غرابة فإن إدارة الجامعة -وبعد الاطلاع على تقارير اللجنة العلمية الدائمة لترقيات الأساتذة- رفضت ترقية نصر أبو زيد أخذا بتقرير عبد الصبور شاهين (عن كلية دار العلوم) ضاربة بعرض الحائط تقريرين آخرين لكل من قسم اللغة العربية ومجلس كلية الآداب، وليت الأمر وقف عند الرفض، بل لقد تحول إلى محاكمة للرجل في عقيدته واتهامه بالكفر تبعا للتقرير/التكفير الذي كتبه عبد الصبور شاهين والذي ركّز على الفصل الأول من كتاب نصر حامد أبو زيد الموسوم بـ «نقد الخطاب الديني»- أمّا الفصلان الآخران فلم يتطرق إليهما التقرير وكأن شاهين لم يكلف نفسه عناء قراءتهما- لكن وجه الغرابة في هذه القضية الغريبة جدا هو أن هذا الفصل كان منشورا منذ مدة طويلة مستقلا تحت عنوان : «الخطاب الديني المعاصر : آلياته ومنطلقاته الفكرية» في (قضايا فكرية) عام 1989، ولم يحرك حينها «غيرة» شاهين على الدين ولا غيره من أتباعه وحلفائه أو إثارتهم لانتقاده أو الكتابة عنه تحليلا ودراسة. فما الجديد في الموضوع إذن؟
 لقد كان على نصر أبو زيد أن يعود ويتصفح كتابه «نقد الخطاب الديني» وما كتبه في مقدمته على النحو التالي : «إن عملية النصب الكبرى الأخيرة -التي لا مثيل لها ربما في تاريخ البشرية- التي تمت باسم الإسلام، لم يكن لها أن تحقق ما حققته دون تمهيد الأرض بخطاب يكرس الأسطورة والخرافة ويقتل العقل، وكانت الأسطورة أن التقوى تجلب البركة وتدر الربح الوفير، وهي أسطورة وقع في أحابيلها الشيطانية لا العامة والأميون فقط، بل متعلمون ومثقفون وعلماء واقتصاديون ...».
(نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، القاهرة، 1992، ص. 8).
وكأن نصر لا يعلم أن عبد الصبور شاهين كان وكيلا لشركة الريان وأحد أشد أبواق الدعاية تفانيا في خدمتها ودعوة المسلمين لإيداع أموالهم بها.
إن القضية بالنسبة لشاهين لم تكن كتابة تقرير علمي عن بحث علمي، ولكنها كانت الفرصة المواتية للضرب تحت الحزام والقيام بمحاكمة إنسان بدافع الانتقام. إن شاهين إذن هو الخصم والحكم في نفس الآن، وهذا ما سيدركه نصر حامد أبو زيد من أنه ضرب على الوتر الحساس، يقول : «ولكن البعض الآخر أرجع غضب الدكتور شاهين وثورته إلى تعرض الباحث بالتحليل والنقد لظاهرة شركات توظيف الأموال، فكأن «أبو زيد» - على حدّ تعبيرهم- قد ألهب عصبا مكشوفا لدى الدكتور الذي وظف فكره وخطابه لخدمة مجموعة الريان». (نصر حامد أبو زيد، التفكير في زمن التكفير، ص. 57). ويضيف أيضا : «وإذا كان تقرير عبد الصبور شاهين لا يحتاج للكشف عن مبررات تحامله أكثر من بيان وجه الصلة التي ربطته بشركات توظيف الأموال». (نفسه، ص. 60).
هكذا يتبين لنا أن ما يحرك الخطاب الديني المعاصر ليس هو الغيرة على الدين أو الدفاع عن خلق وإنما هي المصالح المادية والأرصدة البنكية !!



8ـ بنك التقوى وتمويل الإرهاب

لما كثر الحديث عن تجفيف منابع الإرهاب، توجهت الأبصار خاصة إلى تلك المؤسسات المالية التي كانت تتذرع بإعطاء الصدقات والزكوات من أجل التستر على تمويلها لجماعات وعمليات إرهابية في إطار شبكات دولية، ومن بين تلك المؤسسات التي تركزت عليها الحملة «بنك التقوى» والذي مقره بجزر «الباهاما»، وهو بنك «إسلامي»، نعم، هو كذلك ولو بجزر الباهاما ؟! أسسه عدد كبير من المصريين والخليجيين والباكستانيين، منهم أسماء معروفة من جماعة الإخوان المسلمين الذين غادروا مصر في   54 / 1955 وكونوا ثروات هائلة في السعودية ودول الخليج.
وبعد الحملة التي شنها الإعلام الأوربي على هذا البنك بحكم دعمه للإرهاب تمت تصفيته، غير أنه كان حينها يلفظ أنفاسه الأخيرة باعتبار أنه نموذج من نماذج الأبناك الإسلامية التي تحصر نشاطها في ميدان واحد، في هذا الإطار يحكي القرضاوي ما يلي : «بنك التقوى، أنا رئيس هيئة الرقابة الشرعية لهذا البنك، كان أنظف البنوك الإسلامية من ناحية معاملاته، كان أحرص على الالتزام بالمعاملات الشرعية ولم يدخل في أية معاملة فيها شبهة، حتى المرابحات التي يساء تطبيقها كثيرا في البنوك الإسلامية تنزه عنها، حتى سوق السلع والمعادن لم يدخل فيها، هذا البنك شنت عليه الحرب منذ عدة سنوات، شنها الإعلام الغربي والأوربي في سويسرا وفي إيطاليا وفي غيرها، الصحف والإذاعات والتلفازات شنت عليه الحرب، لا لشيء إلا لأن القائمين عليه ملتزمون بالإسلام، وخسر البنك وكان يمكن أن يقف على قدميه، ولكن الحملات المتتالية استغلت هذا الأمر حتى سقط البنك صريعا، وحول إلى التصفية، الآن يضعونه على قائمة الإرهاب ...». (القرضاوي، أبعاد الحملة الأمريكية على العالم الإسلامي، ص. 38-37).
هناك ملاحظة أولية حول كلام القرضاوي بخصوص تنزه البنك عن التعامل بالمعاملات التي فيها شبهة، بل حتى المرابحات ابتعد عنها، وهذا في حد ذاته إدانة من القرضاوي - وشهد شاهد من أهلها- بأن البنوك الإسلامية تتعامل بتعاملات فيها شبهة، ومع أنه رئيس الرقابة الشرعية في العديد منها، أما كان الأولى به أن ينهى ويبتعد وينأى عن هذه البنوك خصوصا وأنه ممن يرون بضرورة الابتعاد عن الشبهات. أما الملاحظة الثانية المنبثقة عن الأولى فهي : إذا لم يكن البنك يتعامل بالمرابحات فبماذا يتعامل ؟ هل يتعلق الأمر بتجارة العملة ... ثم لماذا بالذات جزر الباهاما حيث لا يوجد المسلمون، ولنوضح الصورة نستشهد بكلام من مقال لأبي خالد يتحدث فيه عن بنك التقوى وجزر الباهاما كالتالي: «دولة الباهاما تتكون من مجموعة من الجزر الصغيرة (700 جزيرة) وعدد سكانها لا يزيد عن 270000 نسمة، وتقع في المحيط الأطلنطي ما بين الساحل الشرقي للولايات المتحدة وكوبا، والإحصاءات الرسمية الدولية لا تظهر أي وجود للمسلمين في الباهاما ... وتلك الجزر النائية تمتاز -إلى جانب جمال الطبيعة- بأنها مقر سياحي لأغنياء العالم لما تقدمه من خدمات تنهار أمامها كل القيم والأخلاق .. وبجانب السياحة تتميز الباهاما أيضا بأنها مقر للمصارف التي تضارب في الأعمال المشروعة وغير المشروعة .. منافسة في ذلك هونغ كونغ وبانكوك .. وكذلك فإن تجارة المخدرات التي تتحكم في تلك المنطقة من العالم مقرها الباهاما.
وفي وسط هذا الجو ترتفع يافطة كبيرة تعلن عن «بنك التقوى» وعلى صفحات الجرائد العربية والأجنبية إعلانات مطولة تزف «بشرى اقتصادية للمسلمين» !! وهي إنشاء هذا المصرف «التقوى» برأس مال قَدْرُهُ 50 مليون دولار أمريكي ... وأن هذا المصرف أسس خصيصا للقيام بالعمليات المصرفية «الإسلامية التي لا تتنافى مع الشريعة» !! ومن ضمن تلك الأعمال -كما جاء في الإعلانات- تجارة العملة !!».
(أبو خالد، التقوى في جزر الباهاما، مجلة رسالة الجهاد: تصدرها جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، السنة السادسة، نونبر 1987، ص. 60).
كم يا ترى هي متشابكة خيوط تجار العملة وتجارة المخدرات والسياحة الجنسية، وتجار السلاح والإرهاب ؟

* نشر الجزء الرابع بجريدة الأحداث المغربية يوم السبت 5 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 3/10 بقلم عبد الواحد بنعضرا*

البنوك الإسلامية
3/10
عبد الواحد بنعضرا


5ـ حركة الإخوان المسلمين ونشأة البنوك الإسلامية

عاملان أساسيان ساهما في ظهور شركات توظيف الأموال :
- الثروات الهائلة التي راكمها أعضاء من حركة الإخوان المسلمين منذ الخمسينيات والستينيات في السعودية وغيرها من دول الخليج، وأيضا ما حققه بعض العمال المصريين في دول الخليج من مدخرات كانوا يبحثون عن إمكانية لاستثمارها أو تنميتها في مصر حين عودتهم.
- غير أن العامل المهم الذي ساهم أيضا في انتشار الظاهرة هو الغطاء الأدلوجي المتمثل في التركيز على أن شركات توظيف الأموال تتعامل حسب الشريعة عكس «التعامل الربوي» الذي تتعامل به البنوك التقليدية، وقد شكلت مجلة الدعوة -التي تصدرها حركة الإخوان المسلمين- دورا في ذلك، ويذكر جيل كيبل أن الإعلانات التي تنشر في المجلة كانت موزعة كالتالي : «وقد اشترت ما يقرب من خمس المساحة الإعلانية شركات يمكن تصنيفها كشركات قطاع عام، يديرها موظفو الدولة، ونصف الأربعة أخماس الباقية قدمها ثلاثة معلنين فقط : الشريف للبلاستيك، وشركة مسرّة للمقاولات، ومودرن موتورز وهم مستوردون للسيارات اليابانية، وهذه الشركات الثلاث يمتلكها إخوان مسلمون كونوا ثرواتهم في المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الثلاثين السابقة واستثمروها بشكل مكثف في مصر منذ عام 1975، خاصة في قطاع الاستيراد والبضائع الاستهلاكية، الأمر الذي مكنهم من تكديس أرباح لا يستهان بها بسرعة كبيرة دون أن يتقيدوا بتوظيف جزء كبير من رأسمالهم في المعدات الثقيلة». (جيل كيبل، الفرعون والنبي، من ط دار الكتاب، بيروت، ص. 132).
وهنا نسجل ملاحظة مهمة أن شركة الشريف - والتي تعتبر أول شركة توظيف الأموال/بنك إسلامي في مصر- كانت متخصصة في البلاستيك، فكيف تحولت فيما بعد إلى شركة لتوظيف الأموال ؟ ويفترض فرج فودة أنه ربما : «كان صاحب الشركة متحرجا من الاقتراض البنكي، ولعله، وهذا ما أظنه، كان مدركا أنه على وشك أن يصبح المنتج القائد للسوق في مجال البلاستيك، وهو ما يتيح له وضعا قياديا يمكنه من فرض الأسعار والتحكم في الخامات، وتحقيق أرباح غير اعتيادية، ولم يكن يعوزه إلا تدفق الأموال للتوسع، فلجأ إلى هذا الأسلوب، ويقال إن أحد شركائه ومدير حساباته بأنه كان صاحب الفكرة، ثم صاحب فكرة تطويرها بعد انفصاله عن الشريف». (فرج فودة، الملعوب، قصة شركات توظيف الأموال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، ص. 29).
وبمعنى آخر فإن فودة يحتمل أن الشريف كان يبحث عن رأسمال إضافي من أجل التوسع وبالتالي فإن الشركة أصلا لم يكن مخططا لها أن تكون «بنكا إسلاميا». وإذن فلقد جدت في الأشياء أشياء جعلت هذه الشركة تتخذ لها شكلا جديدا ولربما كان الكم الهائل من الودائع التي وضعها المودعون تحت تصرف الشريف وراء هذا المنحى الجديد للشركة ؟ بيد أن هذا ليس إلا شقا واحدا، إذ أن هناك شقا آخر يتعلق بشركة أخرى كان لها الأثر الكبير في المنحى الذي أخذته شركة الشريف للبلاستيك فيما بعد...



6ـ إفلاس الجيل الأول للبنوك الإسلامية

في الوقت الذي كان فيه نجم الأشقاء الثلاثة فتحي وأحمد ومحمد توفيق يلمع في تجارة العملة، كانت رغبتهم وحاجتهم قوية للتعامل خارج الأبناك التقليدية تفاديا لمراقبة الأجهزة الحكومية واجتنابا لمصادرة أرصدتهم، تأتي الإخوة توفيق فرصة كبيرة خصوصا بعد انفصال أحمد عبيد الخبير الأول في مجال التوظيف عن شريكه الشريف، لتحقيق ذلك، يقول فرج فودة : «ووقتها كان هناك فتى صغير متخرج حديثا من معهد التعاون التجاري، استطاع أن يقترب من الحاج فتحي، ونال ثقته في نقل الأموال وفي إجراء الصفقات المحدودة، وكان اسمه أشرف سعد، وبالتقاء آل توفيق مع المدير السابق لحسابات الشريف وبمراجعة الدروس المستفادة من التجربة السابقة بدأت العجلة في الدوران السريع على أسس جديدة». (فرج فودة، الملعوب، ص. 25).
وهكذا صار تجار العملة - الإخوة توفيق- أصحاب «بنك إسلامي» يحمل اسم الريان، سيؤثر في شركة الشريف وباقي شركات توظيف الأموال التي سيتوالى ظهورها في بداية الثمانينيات من القرن الماضي وعلى رأسها شركة السعد التي ظهرت بعد انفصال أشرف سعد -الفتى الذي ذكره فودة- عن شركة الريان لتصير هاتان الشركتان-السعد والريان- أكبر شركات توظيف الأموال في مصر في القرن الماضي ... وبعد الودائع الهائلة والأرقام الضخمة التي حققتها هذه الشركات/الأبناك ستأتي مرحلة الكسوف والإخفاق خصوصا بعد أن اتخذت الدولة المصرية إجراءات تخص الحد والتضييق على الاتجار في العملة، وهو ما أدّى في النهاية إلى إعلان كثير من هذه الشركات للإفلاس وهروب أصحابها إلى الخارج حاملين معهم مبالغ ضخمة - مثلا في سنة 1987 هرب صاحب شركة الهلال إلى أمريكا حاملا معه 100 مليون جنيه مصري من أموال المودعين-، ونتساءل ولكن لماذا تأثرت هذه الأبناك بالقوانين الخاصة بالاتجار بالعملة وأعلنت إفلاسها، مع العلم أن الأبناك بمختلف أشكالها نادرا ما تصل إلى درجة الإفلاس، يقول العشماوي : «قامت مؤسسات على إصدار صكوك للمضاربة بدلا من شهادات الاستثمار، قولا بأن هذه الصكوك هي التي توافق النظام الإسلامي، والحقيقة أن لا فارق بين صكوك المضاربة وشهادة الاستثمار إلا تغيير الاسم الذي يقصد به التأثير على مشاعر الجماهير، فطبيعة الاثنين واحدة وحقيقة الحال أنه لا المؤسسة التي تصدر الصك ولا تلك التي تصدر الشهادة يمكن أن تفلس في النظام المصرفي الحديث، كما أن تغير نسبة الفائدة من عام إلى عام لا يعني الاشتراك الواقعي في الأرباح والخسائر، لأن البنوك المعاصرة لا تخسر على العموم، وإن خسرت ففي نشاط واحد ودون باقي الأنشطة التي تعوض الخسارة». (محمد سعيد العشماوي، جوهر الإسلام، ص. 88).
معنى هذا أن هذه الشركات قد حصرت نشاطها في ميدان واحد هو تجارة العملة والمضاربة في أسعار المعادن والمواد الغذائية دون أن تكون لها نشاطات استثمارية إنتاجية -مدروسة بواسطة كفاءات متخصصة- تغطي على خسائرها إذا حدث ما حدث ووقعت الواقعة ... وتبقى الإشارة إلى أن هذه الشركات كانت تستفيد من تحويل الأموال المودعة لديها بالجنيه المصري إلى الخارج فتحويلها في الأبناك «التقليدية» إلى عملات أجنبية ثم الاستفادة من ارتفاع قيمة العملة الأجنبية سنويا مقابل انخفاض العملة المحلية مما يعني أنه في حالة إعادة تحويل الأموال الأجنبية إلى العملة المصرية سيربح البنك عددا أكبر من الجنيهات تبعا لظاهرة التضخم وانخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية سنويا، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن كيفية استفادة الجيل الثاني للأبناك الإسلامية من أخطاء الجيل الأول وجعله يستمر وينتشر عالميا ؟

* نشر الجزء الثالث بجريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 4 غشت 2006

البنوك الإسلامية، 2/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

البنوك الإسلامية
2/10 
عبد الواحد بنعضرا


3ـ نمط الإنتاج


لم نسمع في يوم من الأيام عن نمط إنتاج ديني أبدا، لا نمط إنتاج مسيحي ولا نمط إنتاج يهودي ولا نمط إنتاج بوذي، فهل يمكن أن نتحدث عن وجود نمط إنتاج إسلامي حتى يجوز لنا الحديث عن مذهب اقتصاد إسلامي أو عن اقتصاد إسلامي ؟ إن المتصفح لكتابات الخطاب الديني يكاد لا يعثر إلا قليلا على كلمة «إنتاج» بَلْهَ أن يعثر على عبارة «نمط إنتاج» بل إن الطابع الغالب هو كلمة «توزيع» سواء في الفقه القديم أو حتى الحديث، وبمعنى آخر أن المسلمين طيلة الحقب السابقة والحالية كانوا خاضعين لنمط الإنتاج - وهو ذو طبيعة مادية واقعية وليس مثاليا أو أخلاقيا- الموجود سواء كان رأسماليا أو غير رأسمالي... وكان دور الفقهاء هو تبرير التعاملات في ظل نمط الإنتاج القائم. وبالتالي فالبنوك الإسلامية اليوم ما هي إلا شكل من أشكال البنوك التقليدية وتنويعة عليها، وبأن الاقتصاد الإسلامي ما هو إلا تنويعة وشكل من أشكال النظام الرأسمالي يتلبس بلبوس الدين، وهذا ما سنراه لاحقا.
لقد كان لظهور عبارة «الاقتصاد الإسلامي» شق سياسي وأدلوجي وتجاري، أما الشق الأدلوجي فيتجلى في تكريس أن الإسلام شمولي يشمل كل القطاعات والميادين من السياسة إلى الطب إلى الاقتصاد وهلم جرا وعدّاً وبتكريس تزييف الوعي أيضا عبر اعتبار كل الصراعات هي صراعات دينية أو حضارية بالتغطية على نظرية «صراع الطبقات» -يجب استحضار الفترة التي ظهر فيها مفهوم الاقتصاد الإسلامي- وهذا ما يجرنا إلى الشق السياسي والذي يتجلى من جانب في الصراع بين القوى اليسارية والقوى الدينية وفي جانب آخر في صراع الكتلتين السوفياتية والأمريكية وما كان له من انعكاس في الخليج ومصر من دعم للأدلوجة الدينية من أجل مواجهة الأدلوجة الاشتراكية، ويلتقي هذا الشق السياسي بهذا الأدلوجي -كما هو في العادة غالبا- عندما يسعى الخطاب الديني للتمايز بين المنظومتين «الغربيتين» بخلق نظام أصيل شرقي في مجتمعاته : «فالرأسمالية فيها كالاشتراكية، (مثلا أفغانستان)، غريبة عليها، غربية، محدثة، إنها بالعكس «تقليدية»، كما ينعتها الغرب صاحب الحداثة، أي أصلية، وأصالتها أن تكون إسلامية، لذا كان الإسلام في هذا الصراع الطبيعي المحتدم في حقل الفكر مدعوا إلى أن يكون له اقتصاده المختلف عن اقتصاد الغرب بوجهيه الرأسمالي والاشتراكي، واختلاف الاقتصادين مستخلص، بدوره، من اختلاف الجوهرين : جوهر الإسلام وجوهر الغرب ..». (مهدي عامل، نقد الفكر اليومي، دار الفارابي، بيروت، 1988، ص. 181).
فكما لاحظ مهدي عامل فإن الخطاب الديني يسعى إلى تكريس ثنائية الذات والآخر/الإسلام والغرب، فجوهر الإسلام ثابت لا يتغير في الماضي كما في الحاضر وجوهر الغرب ثابت هو نفسه في الحاضر كما في الماضي، رأسماليا كان أو اشتراكيا أو إقطاعيا، والصراع الموجود اليوم هو استمرار للصراع في الماضي بين الجوهر الثابت للإسلام والجوهر الثابت للغرب، إنه صراع بين جوهر الذات وجوهر الآخر، وطبيعي أن يكون هذا الخطاب موجها للتشويش على أي تحليل علمي ومادي وواقعي لمجتمعات الدول «الإسلامية» لفائدة ثنائية زائفة تجعل من الأخلاق نوعين أخلاق إسلامية وأخلاق غربية، وعلم إسلامي وعلم غربي وطبعا وهذا في صلب موضوعنا اقتصاد غربي واقتصاد إسلامي.


4ـ اقتصاد الغزو والريع

حسب تحليل المادية التاريخية فإن نمط الإنتاج الذي عرفته المناطق الأخرى خارج أوربا - ومن بينها الدول «الإسلامية»- هو ما يعرف بـ «نمط الإنتاج الأسيوي»، يقول إيف لاكوست : «وبالمقابل، فإن الحالة الاقتصادية والاجتماعية، في معظم البلدان الأخرى، قد بقيت مطبوعة خلال مراحل جد طويلة، بأشكال مختلفة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، تتعلق إجمالا بنمط إنتاج واحد، هو الذي كرسه ماركس باسم «نمط الإنتاج الأسيوي»، ويتميز هذا النمط بوجود طبقة أصبحت قادرة على تملك فوائض الإنتاج، واستثمار السكان، بدون أن تمتلك بشكل خاص، القوى المنتجة التي بقيت في الأساس، بين أيدي الجماعات القروية، أو القبلية. إن عدم التملك هذا لوسائل الإنتاج قد خفف نسبيا، التناقضات الداخلية بحيث إن الصراعات الطبقية لم تستطع أن تنتظم بُنًى ولا تتطور بقوة ووضوح على نحو ما حصل في أوربا، ولهذا السبب بالذات كان التطور السالف في مجمل العالم، مبهما، وبطيئا بنوع خاص عما كان في أوربا. إن تحليل هذه المجتمعات الخدرة، الخامدة، يؤكد تماما فكرة ماركس العظيمة القائلة بأن صراع الطبقات هو محرك التاريخ». (إيف لاكوست، العلامة ابن خلدون، ترجمة ميشال سليمان، دار ابن خلدون، بيروت، 1974، ص. 11-10).
ويقود هذا التحليل إلى أن السبب في عدم تحقق ثورة صناعية وتطور اقتصادي في الدول الأخرى -غير الأوربية- هو عدم تكون طبقة بورجوازية تمتلك وسائل الإنتاج قادرة من أجل مصلحتها على تحقيق تحولات بنيوية أساسية وتطوير آلياتها. وقد يأتينا الاعتراض هنا بأن مفهوم نمط الإنتاج مقولة ماركسية وأن دول المنطقة أو الدول «الإسلامية» تستعصي على تفسيرات المادية التاريخية، وأن بإمكاننا الحديث عن اقتصاد إسلامي دون تحديد نمط إنتاجه. إن البحث عن ماهية هذا الاقتصاد طوال 14 قرنا ستبين لنا أن الاقتصاد الذي كان سائدا هو اقتصاد «الغزو»، وهذا ما يحيلنا طبعا إلى نظرية ابن خلدون حول العصبية والدولية. في هذا الإطار يقول الجابري : «إن التاريخ يؤكد أن ثروة الدولة الإسلامية، الثروة التي أقام عليها العرب دولتهم وحضارتهم كانت معظمها تتكون من موارد حربية، ولعل مما له دلالة خاصة في هذا الصدد أن كتب الفقه تحصر موارد الدولة، أو مصادر ميزانيتها في الفيء، الغنائم، الجزية، الخراج، العشور، إلخ. وهي تعطي أهمية خاصة، لاَ لِاستثمارها، فذلك ينعدم الاهتمام به، بل تهتم أولا وأخيرا بكيفية توزيعها. إن الأموال كانت تجمع لتستهلك، لا لتستثمر، إن اقتصاد الغزو ثروة جاهزة تؤخذ لتوزع على المحاربين ورجال الدولة، إنه اقتصاد دولة بمعنى أنه ثروة تتصرف فيها الجماعة الحاكمة». (محمد عابد الجابري، العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ط. الثانية، 1979، ص. 409).
إنه اقتصاد رخو يقام على ثروة تأتي لتذهب وليست ثروة إنتاجية قابلة للنمو : «إن الإسلام سواء كان كأوامر ونواه، أو كتطبيق تاريخي، لم يكن يفتح الباب بسهولة أمام «الاقتصاد الحر»، الاقتصاد المستقيل عن تدخل الدولة، الخاضع لديالكتيك العمليات الداخلية، والنمو الذاتي. لقد كان الاقتصاد في جملته اقتصاد دولة، اقتصاد الخليفة وأهل السلطة والنفوذ». (نفسه، ص. 423).
وسواء أخذنا بالتحليل المادي التاريخي الماركسي أو بنظرية العصبية الخلدونية، فإننا نجد أنفسنا أمام اقتصاد تتصرف فيه الجماعة الحاكمة، اقتصاد الغزو والريع. فهل نظام الأبناك الموجود اليوم -بكافة أنواعه- له أية علاقة باقتصاد الريع هذا ؟ أم أن هي أبناك وليدة نظام رأسمالي مهما تزيا بعضها بزي ديني، وهذا هو ما ينقلنا إلى الشق التجاري من عبارة الاقتصاد الإسلامي والذي يحيلنا إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته حركة الإخوان المسلمين في ظهور هذه الأبناك الموسومة بالإسلامية ؟

*نشر الجزء الثاني بجريدة الأحداث المغربية يوم الخميس 3 غشت 2006