‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرج فوده. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرج فوده. إظهار كافة الرسائل

السبت، 2 أغسطس 2014

فرج فودة:الفن والإبداع في مواجهة طيور الظلام، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فرج فودة:الفن والإبداع في مواجهة طيور الظلام
عبد الواحد بنعضرا
سبق أن نبهت، ذات مقال، إلى أن الدين عندما يكون تجربة جماعية ويفرض على الفرد أن يذوب به مع الجماعة، يتحول إلى أدلوجة سياسية تبتغي الوصول إلى هدف معين، وعليه فإما أن يكون الإنسان مقتنعا بهذا الدين المؤدلج فيصير متطرفا... بالقوة، وإذا ما توفرت الظروف الموضوعية صار كذلك بالفعل.. أو انتهازيا وصوليا إن كان لايرى في هذا الدين إلا ركوبة ومطية للحصول على الغنيمة كما تفعل الحركات الدينية،(انظر(ي) مقالي الموسوم بـ: الدين والتحضر، جريدة الأحداث المغربية، عدد 28 يونيو 2005)، وتسييس الدين يحُول دون أن يعيشه الإنسان كتجربة فردية، إذ أن جماعات وأحزاب الإسلام السياسي، معنية بدرجة أكبر باستثمار الدين للوصول للسلطة أكثر من الدين نفسه، ولهذا تنزعج من كل النزعات الفردانية، ولأن هذه النزعات تتجلى بشكل أكبر في الإبداع والفن، فإن الخطاب الديني المعاصر لم يألُ جهدا في شن حرب على مواطن الفن والتعبير،  يقول أحدهم:" (...) لهذه الاعتبارات كلها كان اقتناء الجهاز التلفزيوني محرما لما يصاحب هذه البرامج الترفيهية من معازف وموسيقى، وغناء ماجن، ورقصات فاجرة، كان النظر لهذه البرامج محرما كذلك لما لها من خطر في تقويض دعائم التربية والأخلاق" (عبد الله ناصح علوان، حكم الإسلام في وسائل الإعلام، ص، 10 -11). وعمل بالمقابل على اعتبار كل ما يرتبط بالفن والتعبير مجرد وسائل للإباحية والرذيلة وغرضا جنسيا ! فخطورة الفن والإبداع على مصالح تيارات الإسلام السياسي تنبع من كون: "الفن على أساس أنه ممارسة إبداعية تتوخى الإتيان بصورة أو حالة أو رسم أو تخطيط وعلى غير مثال سبق. ومن هنا مفهوم الإبداع على أساس أنه خلق ينبجس من داخل النفس البشرية من دون وسيط نصي أو عقدي أو أيديولوجي. لذا يفترض في الفنان الأصيل إن هو أراد أن يأتي بصورة أو فكرة أو تخطيط أن يتخلص من المعتقدات والعادات والطقوس المجتمعية التي يرزح تحتها كثيرون حتى يصدر إبداعه صافيا غير مشوب بأعمال من سبقوه"(موليم العروسي، باريس من النهضة إلى ما بعد الحداثة.. الجمال والفن بما هما معرفة، مجلة عالم الفكر، يناير- مارس 2010، ص. 147). إن الجانب الفردي في الفن والإبداع يساعد على الخروج من ثقافة القطيع إلى مسؤولية الأنا، إلى الاحتفاء بالاختلاف، إلى تكريس الحرية الفردية، حرية الإنسان أن يكون كما يشاء لا على مثال سابق ولا وفق نموذج يخطه فهم معين للنص ويفرضه على الآخرين. يبذل التيار الديني جهذا في تقليب الأوراق البالية علّه يعثر عمّا يؤيد به مذهبه في الفن، وقد يعمد إلى الآراء الشاذة فيجلو صدأها وينضو عنها ما تراكم عليها من غبار الزمن، وينفخ فيها الروح، ساعيا إلى التضييق على الفن والإبداع، من رسم ونحت... ليعلن:  "النهي عن تصوير ما فيه روح في الثياب والجدران والورق وغيرها، سواء كان مرسوما أو مطبوعا أو محفورا أو منقوشا أو مصبوغا بقوالب أونحو ذلك" (محمد صالح المنجد، التنبيهات الجلية على كثير من المنهيات الشرعية، ص. 23). ولن يتورع أحدهم عن الإفتاء بتحريم فن الكاريكاتير، لأنه في نظره: "يعتبر إذاية لصاحب الصورة وإساءة له وإضحاكا للناس منه، لأنه سخرية واستهزاء بصاحب الصورة" (عبد الباري الزمزمي، سؤال وجواب في حياة المسلم، سلسلة الفتاوي، الجزء الخامس، ص. 189). بل إن الموقف من الفن سينزلق عند البعض لدرجة أن يرى في موسيقى بيتهوفن مثيرا جنسيا، فـ: "لا يجد حرجا في الإفتاء بأن سماع موسيقى بيتهوفن قبل النوم حرام، تاركا إيانا نضرب كفا بكف ونحن نتساءل عن علة هذا التحريم، وعن مكان هذا الإنسان الوهمي، الذي تتهيج غرائزه عند سماع بيتهوفن (...) وهل يا ترى تمتد فتواهم إلى كل ما هو متاح وصداح، فتنطلق القوافل الشعبية بحثا عن طيور الكناري لذبحها خوفا من الفتنة، وإلى خرير الجداول لطمرها تحسبا من الإثارة، وإلى أبواق السيارات لتدميرها تجنبا لمقدمات الزنى..." (فرج فودة، نكون أو لانكون، ص. 86-87). وفي ردّ على مقال لعبد الصبور شاهين حول رائعة تشايكوفسكي الموسيقية "بحيرة البجع" وحديثه عن الأفخاذ الفنية، علّق فرج فودة قائلا: "أستاذنا الجليل لا يندمج مع هذا كله، ولا ينفعل بهذا كله، ولا ينشغل بهذا كله، ولا يهتز لهذا كله، ولا يرى على الشاشة إلا أفخاذا في أفخاذ، ولا يشده إلا المشهد الفخاذ (أقصد الأخاذ)، ولا تؤثر فيه الموسيقى، فالفخذ أعلى صوتا، ولا يندمج مع الحركة فرجرجة الفخذ أشهى منظرا، ولا ينشغل بالأسطورة فالفخذ عنده أوضح ما في الصورة، ولا يهتز للإيقاع، لأنه مشغول بحركة الفخذ في الانخفاض والارتفاع... ما الذي جرى لبعض أساتذتنا الأفاضل، وكيف أصبح الفخذ يحظى منهم بهذا القدر من الاهتمام"(فرج فودة ومعاركه السياسية، ص. 288). لاتأسى حزنا عزيزي فودة أقول لك الذي جرى أن البعض قد استقرت عقولهم بين أفخاذهم، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى ابتداع "سروال إسلامي !" لممارسة الرياضة، ولا يستطيع الإنسان إلا أن يضحك.. ضحكا كالبكاء... يتنذر فودة من السروال الغريب، قائلا:"ولعلهم يردون علينا بأن السبب كامن فيما يثيره الفخذ من فتنة، وما يدفع إليه من إثارة، وهو أمر لو صح في عهد السلف، فإنه لا يصح في عصرنا حيث لانرى ما رآه السلف الأول، وحيث يكر اللاعبون ويفرون، دون أن ينبض لنا عرق، أو يهش لنا فؤاد، أو يفكه لنا قلب، أو تدغدغ لنا روح، ولا نحسب أن أحدا مدح لاعبا بسمنة فخذه، أو عيّره بنحولها، ولا نعتقد أن أحدا يمكنه أن يدعي أن اللاعب يكوينا بسهام الهوى إن كرّ، أو يُدمينا بنار الجوى إن فرّ" (نكون أو لانكون، ص. 11 ). ولندع حديث الأفخاذ الفنية ونرجع لحديث تحريم الإبداع والفن.. لا يتوقف الأمر عند الإفتاء بالتحريم، بل يتحول على أيدي بعض الشباب المشحون إلى التنفيذ وإطلاق الوعيد، فينطلق مسلسل تكسير المسارح، وآلات الموسيقى وتكفير الفنانين و تهديدهم في سلامة أجسادهم، لذا سيعمد فرج فودة إلى تحية الممثل عادل إمام، بمناسبة إصرار فرقة الفنانين المتحدين تقديم أعمالها المسرحية في أسيوط رغم ارتفاع حدة التطرف والهجوم على المسارح في هذه المدينة: "ويا عزيزي عادل، سألني العشرات كيف يتصلون بك وينقلون مشاعرهم إليك فكان ردي أنك مؤمن بأن ما فعلته أنت وأعضاء فرقتك العظماء، لا يزيد عن كونه واجبا عليكم في زمن عزّ فيه أداء الواجب، وحقا أديتموه للوطن، فحق للوطن أن يحييكم ويحميكم، ويشد على أياديكم، ويردد معي ما عنونت به المقال: كان درسا عظيما... يا إمام" (فرج فودة، نكون أو لانكون، ص. 137 ). 

*  نشر هذا المقال الأخير من مقالاتي المخلدة للذكرى 20 لاغتيال فرج فوده بجريدة الأحداث المغربية يوم الخميس 14 يونيو 2012

فرج فودة: بين تطبيق القانون المدني ودعاة تطبيق "الشريعة"، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فرج فودة: بين تطبيق القانون المدني ودعاة تطبيق "الشريعة"
عبد الواحد بنعضرا
الذين قتلوا فرج فودة كُثر؛ الذين نفذوا ليسوا إلا أداة في يد آخرين، هناك من خطّط، وهناك من موّن، هناك من بارك الجريمة، ومن قرّر، من برّر، ومن أسهم بصمته العاجز، أو زايد على الآخرين خوفا أو طمعا أو هما معا، وهناك من أفتى بهدر الدماء... يقول القرضاوي: "إن العلماني الذي يرفض " مبدأ" تحكيم الشريعة، من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، و هو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، و تزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم عليه القضاء بالردة، وجرّد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه "الجنسية الإسلامية"، و فرق بينه و بين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة، وبعد الوفاة " ( القرضاوي، الإسلام والعلمانية وجها لوجه، ص. 73 و 74 ). وفي غمرة الصراع المحموم ضد من يكشفون عوار قصد التيارات "الدينية" وخواء ادعائها، لم ينتبه الرجل أن كلامه هذا الذي يقطر دما مختلف تماما عما سبق أن قرره في مكان آخر، حين أعلن أن: "الإسلام قد يطلق على مجرد إعلان الشهادتين، وهما باب الدخول في الإسلام، فالكافر إنما يدخل في الإسلام، ويصبح في عداد المسلمين بمجرد نطقهما (...) وهذه الشهادة هي التي تعصم دم الإنسان و ماله " ( القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، ص. 79 ). وتناقض القرضاوي مفهوم، لأن حديثه  عن العلمانيين حديث دنيا لا حديث دين، وحديث سياسية لا حديث عقيدة، فهو هناك يهدر دماء خصوم سياسيين أكثر مما يفتي في الدين، وقد نبّه فرج فودة مرارا إلى خطورة إلباس آراء سياسية لبوسا دينيا، حيث يقول: "اجتهدوا كما تشاؤون، لكن لا تخلعوا على اجتهاداتكم قدسية دينية، وضعوا البرامج كما تريدون، لكن لاتلبسوها زيا دينيا نملكه جميعا، وندافع عنه جميعا، بل اخرجوا علينا كما تشاؤون، لكن ليس في ثياب حماة العقيدة، ولا تحت رايات الأبرار الأطهار، وواجهونا في ساحة السياسة بحديث السياسة، وحاورونا دون أن يرسخ في أذهانكم ولو للحظة أنكم الإسلام، وأنكم وحدكم المسلمون (...) وإذا كنتم تستهدفون قصورا في الجنة فهذا شأنكم، بيد أن القصر في الجنة لن  يغني عن مسكن اقتصادي لمحتاج، ولن يكون سبيل السكن الاقتصادي عذب الكلام، ولا إفشاء السلام، ولا التحليق مع الأحلام، بل إن سبيله الوحيد هو استعمال العقل، وإعمال المنطق، والاختيار بين البدائل..." (فرج فودة، الإرهاب، ص. 66-67). وقضية "تطبيق الشريعة، لا تخرج عن هذا الإطار، إذ: "أن الدعوة لتطبيق الشريعة تمثل دعوة لقلب نظام الحكم، لأنها تستبدل إطار الدولة المدنية، حيث الاحتكام إلى الدستور والقانون بإطار الدولة الدينية، حيث الاحتكام إلى هوى المفسرين للقرآن والسنة والمزايدين عليهما دون أن يقدموا لنا حتى الآن، برنامجا واضحا ومحددا للحكم، يكفل حرية الرأي والعقيدة، ويحترم إرادة الشعب، ويقيد سلطة الحاكم، ويكفل لجميع المواطنين المساواة في الحقوق والواجبات، ولا ينسف تراثهم التاريخي في الانتماء للوطن والذود عنه والولاء له" (فرج فودة، نكون أو لانكون، ص. 59 ). ففي ظل الصراع السياسي المحموم والتسابق للاستيلاء على السلطة، تعْمد التيارات "الدينية" إلى رفع شعار "تطبيق الشريعة" في وجه الخصوم السياسيين، مع  أن الشريعة في اللغة معناها هو الطريقة أو السبيل أو المنهج، ونتساءل أليس تحويل« الشريعة» من منهج إلى طقوس هو تحويلها إلى مظاهر، أو ليس ذلك معناه تسييسها؟(سبق أن تناولت هذا الموضوع في مقالي الموسوم ب: القرضاوي الذي يستثني قضايا المرأة من مقاصد الشريعة، جريدة الأحداث المغربية، عدد 13 ماي 2005)، في كتابه «أصول الشريعة» يقدم محمد سعيد العشماوي عرضا لتطور مصطلح الشريعة، فبعد أن عرض نصوصا وآيات من التوراة والقرآن،  تطرق لتطور مفهوم الشريعة مع ما قام به الفقهاء، فلم يعد يدل على معناه اللغوي الأصلي أي المنهج والسبيل والطريق، وهو أيضا المعنى الذي جاء في القرآن، ولكنه صار يعني الأحكام والقواعد، ويرى العشماوي أن هذا كان له نتائج وخيمة على المسلمين حيث يقول:"إن الذي أوجد الصراع في الروح الإسلامية ونشر القلق في المجتمع الإسلامي وبذر الصراع في الشخصية الإسلامية أن الفهم انحرف بلفظ الشريعة إلى غير معناه، فبينما هو يعني المنهج أو السبيل أو الطريق فقد صرفها إلى الأحكام والقواعد والنصوص التي تنشأ من المنهج وتصدر من السبيل وتخرج من الطريق، وبذلك ترك الأصل إلى الفرع واستبدل بالقالب ما ينتج عنه (...). وهكذا كان التحول والانتقال والتسرب من الحركة إلى السكون، ومن التغير إلى الثبات، ومن التقدم إلى الجمود. فالشريعة هي المنهاج الذي يهيمن على الأحكام ويطبعها بطابعها، وليست هي الأحكام بحال من الأحوال...» (محمد سعيد العشماوي، أصول الشريعة،  ص. 150).  بل إن تحويل الآراء السياسية إلى آراء في الدين، أشعلت الحرب بين المسلمين، بمجرد وفاة الرسول، بدءا بما سمي بفترة "الخلافة الراشدة": "وحسب القارئ أن يتأمل معنا فترة حكمهم، ويتعجب وهو يرى ثلاثين عاما، يتعاقب فيها أربعة خلفاء، يموت ثلاثة منهم بحد السيف أو الخنجر، واحد على يد غلام مجوسي وهو أمر مفجع، وواحد على يد الرعية وهو أمر مفجع ويفزع، وواحد على يد مسلم متطرف وهو أمر يفزع، ويقضي الخليفة فترة حكمه كلها ساعيا إلى التمكن من الحكم سدى، وإلى فرض ولايته على الدولة الإسلامية كلها دون جدوى، وينتهي به الأمر محصورا في الكوفة داعيا الله أن يبدله خيرا من قومه، وأن يبدل قومه أسوأ منه، ثم لعلنا ننزعج ونحن نكتشف أن الفترة على قصرها قد حفلت بالحروب الأهلية الكبرى، فقد بدأت بها، وانتهت بها، بدأت بحروب الردة في عهد أبي بكر، وانقضت سنواتها الخمس الأخيرة في سلسة من الحروب الأهلية أولها حرب الجمل بين كبار الصحابة، ثم  حرب صفين بين علي ومعاوية، ثم حرب النهروان بين على الخوارج عليه، ثم سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة بين جيوش علي وجيوش الخوارج" (فرج فودة، الحقيقة الغائبة، ص. 140-141).
وليس ببعيد نموذج السودان وكيف كان ما سموه "تطبيق الشريعة" وبالا على البلد وأهله (انظر تناول فرج فودة للموضوع في كتابه "قبل السقوط")، ولعل انقسام السودان نتيجة طبيعة لمقدمات غير طبيعية !

* نشر بجريدة الأحداث المغربية يوم الثلاثاء 12 يونيو 2012

فرج فودة:العقلانية في مواجهة التطرف والانغلاق، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فرج فودة:العقلانية في مواجهة التطرف والانغلاق
عبد الواحد بنعضرا
أن تكون لك الجرأة والشجاعة في استعمال عقلك بدون وصاية الآخرين، هذا هو فكر الأنوار كما يقول الفيلسوف كانط، فليس من السهل على الإنسان، الذي نشأ في ظل الخلط بين السياسية والدين، أن يسائل تلك "البديهيات" التي يرقد في أحضانها مطمئنا، خاصة إذا تعلق الأمر ببعض الأفكار التي  تُصور على أساس أنها صحيح الدين، والخروج عنها خروج عن الدين، فالتيار الديني يعمل جاهدا على تكفير أو تبديع استعمال العقل في الأمور الدينية، لأن ذلك كفيل بفضح من يستغلون الدين، وقمين بحرمانهم مما هم فيه يرفلون  من نعم ظاهرة وباطنة. يرّد فرج على أحدهم قائلا: "احمد الله يا شيخ الأزهر على العيش الهنئ، والطعام المرئ، واذكره واشكره كثيرا على تخلّف المسلمين، لأنه الحافظ لمنصبك (...) حفظك الله ورعاك، وأدام نعمته عليك، وأوسع على المسلمين كما أوسع عليك، ورزقهم كما رزقك، ونعمهم كما نعمك، وعافاهم وعافاك، إنه سميع مجيب الدعاء" (نكون أو لانكون، ص. 23). من هذا المنطلق وسعيا وراء تكميم العقول، يصرّ الخطاب الديني على الربط بين الإيمان وبين التقدم، يقول أحدهم: " إن الشعوب لا يمكن أن تنهض إلا بأحد أمرين.. إما بالعلم أي أن يصبح الشعب كله مثقفا متعلما واعيا(...) وهذا يحتاج منا إلى مئات السنين (...) وأما الطريق الأسرع والأكثر فعالية فهو العقيدة الدينية، فالعقيدة تشحذ الهمم، وتوقظ النيام من غفلتهم وبعث فيهم الرغبة في خدمة دينهم كل حسب موهبته وفي مجال عمله" (أحمد شوقي الفنجري، كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية، ص. 17) ! ما أفهمه من كلام الفنجري هو أننا إذا عجزنا عن التقدم فلنرجع إلى الماضي، وإذا لم نستطع الالتحاق بالركب فلنتشبث بالمؤخرة، وإذا لم نستطع صنع طائرة فلنركب الناقة ! كما يتم عمدا الربط بين الكوارث وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغياب الإيمان أو تراجعه، أو بين الاستغفار والتوبة وتساقط الأمطار، في الوقت الذي نحتاج فيه  ــ كما يرى فرج فودة ــ إلى تدبير هذه الأزمات "دون أن نهرب من مواجهة المشاكل بأهون الأساليب، وأقصد بها الإحالة إلى الإرادة الإلهية (...) ولنا في عام الرمادة أسوة، وفي طاعون عمواس أسوة، وكلاهما حدثا في عهد عمر[ا بن الخطاب]، وعمر هو عمر" (قبل السقوط، ص. 18). وفرج فودة هنا يضع نموذجا لكوارث وقعت في عصر عمر أي العصر الذي يطلقون عليه الفترة الراشدة، فكيف يستقيم، والحال كذلك، الربط بين الكوارث وتراجع الإيمان !؟  والعبث بالعقول يصل مداه عندما تأخذ جوقة العجز العلمي والشلل العقلي في التطبيل والتصفيق لما يسمونه زورا وبهتانا "الإعجاز العلمي"، يدعو أحد الإعجازيين/العاجزين عن البحث العلمي إلى ضرورة  "تجاوز قراءتنا الحالية للقرآن الكريم، التي كانت تبحث في نصوص القرآن والسنة لتأكيد النظريات العلمية الغربية، بل لا بد أن تسعى إلى استخراج حقائق علمية غير مسبوقة"(جريدة التجديد، العدد 885). لا داعي للاستغراب، فكما قلنا أعلاه محاربة استعمال العقل وسيلة للاغتناء من أسهل الطرق وأيسرها تعبيدا، ولا حاجة لنا بالمختبرات والتجارب، يكفي بعضا من التمتمات والتعاويذ ومبخرة وقليلا من الصندل والعود، لكي نخرج لساننا للغرب ومنجزاته ! وسيظهر عندنا " طب إسلامي وذاك طب نبوي، وهذا علم القوارير وذلك علم الأحاجي، وهذا القرآن يشير إلى أحدث مجالات الأبحاث وهو مجال الذرة، متناسين أننا نحن الذين ترجمنا اللفظ الأجنبي Atom  إلى نظيره العربي "الذرة" وكان ممكنا أن نسميها باسم آخر، وليكن المهموش مثلا، بيد أننا كما تعودنا في دراستنا الأولية نكتب سطرا ونترك سطرا، ونذكر أشياء ونتناسى أشياء..." (فرج فودة، نكون أو لا نكون، ص. 141). وإمعانا في تسفيه العقل، يتم نعت الحضارة الغربية بكونها حضارة الشذوذ وأن ما وصلته حطب ليل، وأن الآخرة أبقى، هي الردة الحضارية تتلبس بلبوس الدين: " هم يهاجمون الحضارة الحديثة باستمرار، ويصورون الحضارة الغربية على أنها حضارة الدعارة والشذوذ الجنسي والإيدز (...) إن احترام حضارة العصر يفقدهم سلاحا ماضيا في أيديهم، ومن حق الأجيال المعاصرة أن تعرف كيف تطورت الحضارة من نيوتن حتى غزو الفضاء في برامج شديدة الجاذبية.. وكيف تطور الفكر الإنساني منذ أرسطو حتى وصل إلى الديمقراطية وميثاق حقوق الإنسان(...) وكيف تطور الطب حتى تم القضاء على الكثير من الأوبئة التي كانت تحصد الملايين..." (فرج فودة، النذير، ص. 56 – 57). مقابل ذلك يتم إغراق السوق بفتاوي تتنكب لروح العصر، من حيث همومه وقضاياه، وتتعمد إدخال الناس في متاهات وهم يكتوون بلهيب الاستبداد وغلاء المعيشة وانسداد الأفق، يخرج البعض ليحدث الناس عن جواز إرضاع الكبير، أو ممارسة الجنس مع جثة ميتة، أو حوار عن الممارسة الجنسية في الجنة؛ يحكي فرج فودة: "الأستاذ جلال كشك يؤكد أن المسلمين في الجنة سوف يكونون في حالة "انتصاب" دائم، والفقهاء لا يؤكدون ولا ينفون، وإن كانوا يتشككون في "الديمومة" والأستاذ كشك يؤكد أن غلمان الجنة سوف (...) يلبسون الأساور والأقراط، معنى هذا أنهم يكونون من حظ ونصيب ذكور الجنة، حيث يستمتعون بهم كما يشاؤون، والعلماء يتشككون في ذلك. هذه هي هموم المسلمين إذن في نهاية القرن العشرين... الانتصاب الدائم واللواط بالغلمان، في الجنة إن شاء الله... أكتب هذا وأنا أشعر بالحزن والأسى، وأتساءل عن رأي غير المسلمين في قوم هذه مشكلاتهم، وتلك قضاياهم... أكتب هذا لكي أذكر الطرفين بأن العالم منشغل حولنا باختراق الفضاء والهندسة الوراثية وإعجاز الكمبيوتر. يا حسرة على الإسلام والمسلمين... ويا حسرة على الوقت الضائع والجهد الذي لا طائل منه، والقضايا المخجلة والعلم الذي لا ينفع" (حتى لا يكون كلاما في الهواء، ص. 199 - 200). ولأن السهم إذا انطلق لا يرجع، فسيصل العبث مداه حين يُحرّم البعض أكل القرع والباذنجان، لماذا؟ يقول فودة: "بلغني أن بعض أعضاء الجماعات الظلامية في "سمالوط" يحرمون على أنفسهم أكل القرع والباذنجان، وعندما سألت عن السبب، كانت الإجابة أغرب من الخيال.. السبب الذي يستندون إليه هو أن القرع والباذنجان يتم حشوهما، والحشو يقتضي إدخال الأرز بالأصبع في حبة القرع أو الباذنجان، وأسلوب الحشو بهذه الطريقة يحوي رمزا جنسيا فاضحا، لأنهم يخشون على نسائهم لو فعلت ذلك من الفتنة فقد حرموا على أنفسهم أكل القرع والباذنجان، أخذا بالأحوط، كارثة والله العظيم" (فرج فودة ومعاركه السياسية، ص.207). لعل هذه الفتاوى والآراء هو ما دعا فرج فودة للاستشهاد بحديث معاذ بن جبل حين ولي على اليمن، مستخلصا منه سعادة الرسول بإعمال العقل (فرج فودة، نكون أو لا نكون، ص. 138- 139). كتب فرج فودة يقول: "إن ما أكتبه في هذا الكتاب شديد الأهمية في تقديري، لأنه يعكس واقع المعارك الفكرية التي نعيشها، وهو سجل هام للأجيال القادمة، أكثر بكثير من أهميته لجيلنا، لأنه وثيقة شرف لجيل آباءهم، ولعلهم لن يصدقوا أننا كتبناه ونحن غارقون في اتهامات التكفير، ومحاطون بسيوف الإرهاب والتهديد، ويقينا سوف يكتب البعض من الأجيال القادمة ما هو أجرأ، وأكثر استنارة، لكنه سوف يصدر في مناخ أخر، أكثر حرية وانطلاقا وتفتحا، ولعله من حقنا عليهم أن نذكرهم أنهم مدينون لنا بهذا المناخ، وسوف يكتشفون عندما يقلّبون أوراقنا ونحن ذكرى ، أننا دفعنا الثمن ... " (نفسه ، ص. 7 ).

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الأربعاء 13 يوينو  2012

فرج فودة: الدولة المدنية في مواجهة "وهم" الخلافة السعيدة، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فرج فودة:
الدولة المدنية في مواجهة "وهم" الخلافة السعيدة
عبد الواحد بنعضرا
هناك، حيث الخليفة تحفّ به ثلة من خيرة الفقهاء يتدارسون قضايا الدين، والخليفة ما بين مطرق يستمع لحديثهم الصافي الذي يترقرق عذوبة ويعذوذب رقة وهو يتهادى إلى مسامع الحاضرين، الذين يزيدهم بياض ثيابهم نقاء وطهارة ! أو هو يكفكف عَبراته تخشعا واتعاضا، أو هو يكْرع من معين هذا الجمع المبارك، وفي كل أحواله فسيماء التقوى على محياه بارزة، وبعد هذا كله فهو لا يقطع أمرا دون الرجوع إلى مشورتهم والأخذ بسديد آرائهم في الدين والدنيا ! ولا بأس حتى تكتمل الصورة، أن يكرّ الخليفة على أهل بلد ما ويجلب عليهم بخيله ورجله... وبعد هذا كله، أيضا، الكل يعيش في تقوى ورغد عيش وهناء بال ! هناك، إذن، في مسلسل تلفزيوني أو مخيلة بعضهم؛ تستقر هذه الصورة وتبيض وتعشش وتفرّخ  أوهاما عند بعض الشباب، الذي يسعون لتسريع إقامتها على الأرض، وإن تعذّر سعوا لإقامتها في اللازمكان !  وقد يفوت البعض، والحالة هذه، أن يتساءل عن مدى تماسك هذه الصورة وانسجامها؟ ثم مدى تطابقها أو بُعدها عن الصورة الأخرى حيث تقطع الرؤوس وتجزّ فيها الأعناق باسم الخلافة وطاعة ولي الأمر...مثيل ذلك  ما رواه الطبري  عما فعله المكتفي بمعارضيه سنة 191هـ وكيف قطع أوصالهم فوق دكة: "كان يؤخذ الرجل فيبطح على وجهه فيقطع يمنى يديه ويحلق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم يقطع رجله اليسرى، ثم يسرى يديه، ثم يمنى رجليه، ويرمى بما قطع منه إلى أسفل، ثم يقعد، فيمد رأسه، فيضرب عنقه، ويرمى برأسه وجثته إلى أسفل (...) ثم قدم القرمطي فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه، ورجلاه وكوي فغشي عليه، ثم أخذ خشب فأضرمت فيه النار  ووضع في خواصره وبطنه، فجعل يفتح عينيه ويغمضها، فلما خافوا أن يموت ضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وكبر من على الدكة، وكبر سائر الناس..." (فرج فودة ومعاركه السياسية، ص. 193- 194). ويتسائل فرج فودة عن نتيجة الصورة التي يرسمها الإعلام والتعليم عن "الخلافة" فيقول: "النتيجة أن يرتفع في مجلس الشعب صوت بعض النواب... يرددون في طرب وطرافة، نريد الخلافة، نريد الخلافة، وأن يعيش بعض الشباب في وهم الماضي المزيف، فينادي أحدهم الآخر بقوله، تعالى يا عنبسة فيأتيه الرد: لبيك يا سموأل، فإذا سمع أحدهما أوكلاهما حديثا عن العلم أو التقدم أو الحضارة فر ك عينيه في رقة حتى لا تزول من فوقهما طبقات كحل الاثمد، وغمغم في ضيق وتبرم، بخ بخ ليس بيني وبين الجنة إلا القضاء على هذا كله. والنتيجة؟ النتيجة أن يقْدم طالب في نهائي كلية الطب على محاولة تفجير سيارة لاغتيال وزير الداخلية كان الله في عون جيلنا وبلادنا ومستقبلنا من شر جيل جنى عليه التعليم والإعلام" (نفسه، ص. 182-183). هؤلاء الشباب الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا بترويع الآمنين وقتل المدنيين محظوظون جدا، ففي جميع الحالات لن تقطع أطرافهم من خلاف ولن تسمل أعينهم ولن تعلق رؤوسهم على أبواب المدن، ومهما كان الحكم فلن يصل إلى ما يجب أن يكون في الدولة الدينية، محظوظون جدا إذ أنهم يعيشون في ظل دولة مدنية، وإلا كانت طبقت عليهم أحكام الحرابة أو أحكام الخروج على ولي الأمر حسب ما يقتضيه وجود نظام الحكم الذين يدعون إليه، حيث لا معنى للحديث عن المعارضة، فإما أن تكون لك سلطة فتكون، أولا فلا تكون، فليس هناك ما يسمى معارضة، لأن معارضة الحكم معناها – في دولة الخلافة ــ خروج عن طاعة ولي الأمر وبالتالي كفر ومروق عن الدين وانسلاخ من جلد الأمة...: "هي الحضارة، وهي الدولة المدنية التي يرفضها الصغار المغرّر بهم، وهو الحظ الذي شاء لهم أن يعاقبوا في ظل القانون، وليس فوق الدكة... ألم أقل لكم أنهم لم يقرؤوا ولو قرأوا وفهموا لاتعظوا، ولو علموا أن ما يدعون إليه سوف ينتهي بمهرجان الدكة لترددوا كثيرا"(نفسه، ص. 194-195).
يحكي فرج فودة في كتابه "حوار حول العلمانية" ما يلي: "عندما رشح أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد نفسه لعضوية البرلمان، تفتق ذهن منافسه عن حيلة طريفة، فقد أخذ يجوب القرى والكفور معلنا أن أحمد لطفي السيد – والعياذ بالله – ديمقراطي. ولأن الجهل بهذه المصطلحات كان سائدا، فقد أخذ المستعمون يرددون وراءه عبارات من نوع – أعوذ بالله، أستغفر الله – بينما انبرى أنصار لطفي السيد لإنكار الأمر، مؤكدين أنه من أسرة مؤمنة لم يعرف عنها خروج على العقيدة أو انحراف عن الملة. وكان موقف المدافعين عن لطفي السيد عصيبا وضعيفا أمام عبارات المنافس الحاسمة: لقد سمعته بأذني يردد ذلك، وأقسم بالله أنني لو سمعت هذا من غيره عنه لأنكرته، وها أنذا أعرض الأمر عليكم، فإن كنتم تريدون ترك الإسلام واعتناق الديموقراطية فانتخبوه، هذا شأنكم وقد أبلغت، اللهم فاشهد. حدث هذا قبل أيام من عقد أحمد لطفي السيد لمؤتمر شعبي في الدائرة، ولغيابه في القاهرة، فإن شيئا من حديث المنافس لم يصل إليه، وفي اليوم الموعود، احتشدت الجموع، واختصر أحمد لطفي السيد حديثه معلنا ترحيبه بتلقي الأسئلة، التي دارت جميعها حول مضمون واحد هو: هل صحيح ما يشاع عن أنك ديموقراطي. وبهدوء العلماء، ووقار الأساتذة، ردّ أحمد لطفي السيد: نعم، أنا ديمقراطي، وسأظل مؤمنا بالديمقراطية حتى النهاية. وبقية القصة معروفة، وضحايا القصة معروفون، بل إن شئت الدقة معروفان، فقد كانا بالتحديد: السرادق الذي احترق، وتأمين الترشيح الذي لم يسترد. حدث هذا في العشرينات من هذا القرن [القرن 20]، وأصبح ناذرة من نواذر الحياة السياسية في مصر، خاصة بعد أن أصبحت الديمقراطية مطلبا شعبيا" (حوار حول العلمانية، ص. 13- 14). ولعل الدولة المدنية العلمانية أن تصبح كذلك في قابل الأيام مطلبا شعبيا، رغم أن ما يحدث عندما يتعلق الأمر بالعلمانية شبيه بما حدث أيام لطفي السيد ! 

* نشر هذا المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الاثنين 11 يونيو 2012


الجمعة، 1 أغسطس 2014

فرج فودة ضد الإرهاب بمناسبة الذكرى 20 لاغتياله، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



فرج فودة ضد الإرهاب
بمناسبة الذكرى 20 لاغتياله
عبد الواحد بنعضرا
من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا عليه، فما بدلوا تبديلا، الكاتب الذي شهر القلم سيفا بتارا، وألقى كلمته جهارا، وواجه الإرهاب ليلا ونهارا، فرج فودة... في ختام المناظرة الشهيرة (بمعرض الكتاب في 8 يناير 1992) عبّر عن سعادته قائلا: "أنا سعيد بمبدأ ربما تقرّر في هذه المناظرة، وهو أن الحوار هو الحلّ وصدّقوني إن كثيرا من القضايا قابلة للحوار. وأرجو أن يؤمن الجميع بشيء، أنه لا يوجد أحد على صواب مطلق، والآخر على خطأ مطلق إنما هي رؤى (...) لكن ثقوا أنه مع الحوار سوف تكتشفون أن المسألة   ليست إسلاما وعداء للإسلام، لا... بل هي رؤية لدولة دينية لم يتطوع أصحاب دعوتها حتى الآن، وأنا ما زلت مصرا على تقديم ما يسمونه بالأيديولوجية السياسية لها التي هي البرنامج السياسي" (مصر بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية، ص. 102). في الجهة الأخرى، عاتب عبد الصبور شاهين "الشيوخ" الذين جلسوا مع فرج فودة للنقاش قائلا: "أنا آسف جدا لوجود مثل هذه الفئة المقزّزة التي تنطق باسم العلمانية... فهي فئة بلا جذور وبلا فكر وبلا لون وأن كان لها رائحة فهي رائحة نتنة لا تنبت إلا خبثا ونكدا. وأنا آسف أيضا لتورط مشايخنا الأجلاء في المناظرة مع هذه الفرقة الغوغائية" (نفسه، ص. 123)، رأي شاهين هذا تقاسمته معه ثلة أخرى ممن تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ! طبعا شيطنة الآخر المخالف مقدمة لإقصائه، وبالتالي ضوء أخضر لاغتياله معنويا ثم تصفيته جسديا، ولا يعزب عن بالنا ما قاله يوسف القرضاوي، الذي أعلن أن:"الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها: الإلحاد والمروق من الإسلام" (القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، ص. 113). وفي غمرة الواقعة، أيضا، نسي القوم ما يتشدقون به من حديث عن فضيلة الحوار وحسن الجدال،  وما يدندنون به من وسطية واعتدال؛ يقول نصر حامد أبو زيد : «وهكذا فالخطاب الديني حين يزعم امتلاكه وحده للحقيقة لا يقبل من الخلاف في الرأي إلا ما كان في الجزئيات والتفاصيل، وهنا يبدو تسامحه واتساع صدره واضحا ومثيرا للإعجاب، يتسع للتشدد والتنطع، بل وللتطرف، ولكن الخلاف إذا تجاوز السطح إلى الأعماق والجذور احتمى الخطاب الديني بدعوى الحقيقة المطلقة الشاملة التي يمثلها، ولجأ إلى لغة الحسم واليقين والقطع، وهنا يذوب الغشاء الوهمي الذي يتصور البعض أنه يفصل بين الاعتدال والتطرف». (نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، ص. 45). فضلا عن هذا، فإن كلام عبد الصبور شاهين يثير التساؤل التالي: أين غابت النبرة الواثقة، نبرة الانتصار، وعوضا عنها ألفينا نبرة انكسار؟ ما الذي فعله فرج فودة بالقوم حتى يخرج منهم من يتأسى على المناظرة والمشتركين فيها، فبقدر سعادة فرج فودة بالحوار، نجد شاهين يتقزز، ما أبعد المسافة بين الرجلين، وما أضيق صدر الأخير !
من النقط التي أثارها فرج فودة في هذه المناظرة قضية البرنامج السياسي ومسألة الخلافة، حيث عقّب قائلا: "ما تزال الحجة قائمة وما تزال الأسئلة حائرة سألناكم عن البرنامج السياسي أو الإيديولوجية التفصيلية فاعترفتم بأنها لم توضع(...) أيضا ألقينا إليكم بحجة التاريخ وسمعنا أستاذنا الجليل(...) محمد الغزالي (...) قال: منذ ألف وثلاثمائة عام بعد الخلافة الراشدة كانت فترة فقدت فيها صفة الرشد، وقال لا يضر حتى إذا كان الحاكم مغتصبا يُغفر له أنه أقام شرع الله (...) 1300 عام وتعترفون معنا أنه لم يكن خلالهم الحكم الذي ترون أنه نموذج، فهذه حجة التاريخ (...) فهل مطلوب من الشعوب أن تسير بغير هدى واضح..." (مصر بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية، ص. 86-87). لم يسكتوه بالقلم أو اللسان، فقرروا إخراسه بالرصاص، فعلا كما قلت يا فودة:"أقلام الشرفاء لا تخاف، واللجوء إلى القتل إعلان لإفلاس العقل، والذي يحتمي بالمدفع في حواره جبان، والجبناء لا يخشاهم إلا الجبناء، والشجعان وحدهم يرثون الأرض، والرحماء وحدهم يبنون المستقبل، وفي البدء كانت الكلمة وفي الختام تكون، وإذا كان مطلقو الرصاص قد ارتكبوا جرما، فإن من يزايدون عليهم في الأحزاب السياسية والصحف الدينية يرتكبون جرما أكبر، ومن يخافون منهم اليوم يرتكبون جرما أكبر وأكبر" (نكون أو لانكون، ص. 71 ). فرد أعزل ،إلا من قلمه، يعجزون عن مواجهته، لماذا؟ لأنه كان يخاطب العقل ويخاطب في الإنسان إنسانيته، أما خطابهم فيتوجه للغرائز، للاعقل، لتحريك عدوانية الإنسان ضد؟ وضد؟... وضد فرج فودة "فاليوم الذي لايصلني فيه تهديد منهم (عمر ضايع يحسبوه الناس علي) كما تقول أم كلثوم، والصباح الذي لا تكتحل عيناي فيه بهجوم من تياراتهم دليل قصور في سعيي وتقصير في جهدي" (فرج فودة، الإرهاب، ص. 11). في 8 يونيو من نفس العام (1992) نفذوا جريمتهم على يدي أميين لم يقرؤوا حرفا واحدا للرجل؛ هي "العقول المستقيلة"، لا تفكر، يقرّر لها الآخرون ويرسمون لها الطريق، وفي غيّهم هم يعمهون ! : "ويا أيها القارئ بعد زمان طويل، إقرأ لنا وتعلم كيف يكون الإنسان موقفا، وكيف نحتنا عصر تنوير جديد بأقلامنا، وكيف كانت الكلمات أقوى من الطلقات، وافهم معنا ما فهمناه من حكمة الله العلي القدير، حين شاء أن تكون أولى كلماته في الإنجيل "في البدء كانت الكلمة" وفي القرآن "اقرأ". أيها القارئ بعد زمان طويل... اقرأ..." (فرج فودة، نكون أو لانكون، ص. 7).

* نشر المقال في جريدة الأحداث المغربية في عدد السبت/الأحد 9 - 10 يونيو 2012