‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفكر النقدي والتعليم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفكر النقدي والتعليم. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 28 يناير 2015

فقه التخلف، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

فقه التخلف
عبد الواحد بنعضرا

1-   ممارسة السلطة عبر الجنس: لا أعني بفقه التخلف، جمود الفقه وتخلفه، فقد سبق أن تحدثت عن هذا عند تناول فقه الأزمة (الأحداث المغربية 19 نونبر 2003) وقلتُ أن النص ثابت وبما هو كذلك فهو محدود وأقصى ما فعلوه هو التأويل ووضع الأحاديث، وكلاهما قد استنفذ نفسه، ففي الأزمة حيث تجتمع المتناقضات وحيث يتراوح المؤشر بين التقدم والتخلف، بين الحداثة والرجعية... يمكن لفقيه أن يأخذ رأيا بالتحريم حسب المرحلة، ويأخذ رأيا بالتحليل حسب مرحلة أخرى، وفقهاء الأزمة في هذا تياران فواحد تابع للنظام الحاكم يبرّر له قراراته، وتيار آخر أشد خطرا هو ذاك الذي يقوده يوسف القرضاوي ومن وراءه، حيث ينحنون للعاصفة حتى تمرّ وأعينهم على الهدف البعيد إقامة الدولة الدينية والعودة إلى الفتاوي التي يحنّون إليها كما يحنون إلى قطع الأيادي والأطراف من خلاف... وهو تيار له فروع في العالم وطبعا له أصحابه في المغرب أيضا...
أعني إذن أن كل ظرف ينتج فقهه، فالأزمة تنتج فقهها، والتخلف ينتج فقهه، كما أن التطور ينتج ثقافته التي من أول مبادئها حرية التعبير.
وأركّز هنا على أبرز فقهاء التخلف فقهاء السعودية والملحقين بهم، وكما أن لفقه الأزمة خصائصه، فكذلك فقه التخلف فمنها ما يشترك به مع الفقه الآخر وخاصة تزييف الوعي عبر اختزال كل شيء في الدين، بل إن فقه الأزمة يتقاطع مع فقه التخلف أحيانا إن صعودا وإن  نزولا ــ لو تحولت الدولة إلى تيوقراطية ــ. وسأتناول أهم خصائص هذا الفقه وأولها: "ممارسة السلطة عبر الجنس".
وإذا كان الحديث عن ممارسة السياسة في الدين ممكنا عند بعض الحركات المعارضة التي مرّت قديما، فإن الأمر يختلف اختلافا كليا بالنسبة لفقهاء التخلف في السعودية، ولا يجهل أحد هذه الحرب الضروس التي يشنها هؤلاء الفقهاء بلا هوادة على كل ما يرتبط بالمرأة. ومن المعروف أن أي حركة إصلاحية تريد التغيير تبدأ أول ما تبدأ بالحديث عن الحريات وخاصة فيما يتعلق بوضعية المرأة، ووأْداً لهذه المحاولات في مهدها لجأ ويلجأ فقهاء السعودية إلى اختزال المرأة في موضوع جنسي، وجعل كل ما يرتبط بالتغيير مجرد وسائل للإباحية والرذيلة وغرضا جنسيا، وسيرددون ما نطق به ابن القيم عن الغناء بأنه رقية اللواط والزنا وسيركبون على الموضوع الجنسي (المرأة/ الغناء/...) لمحاربة أهم وسيلة للتعبير، وهي الإعلام، وهكذا سنجد مثل هذه الفتاوى:
"ما دام التلفزيون اليوم يرمي في أكثر برامجه إلى إهدار الشرف، ويوجه نحو الفساد والإباحية، ويشجع على السفور والاختلاط فإن اقتناءه، والاستماع إلى برامجه، والنظر إلى مشاهده، يُعد من أكبر الحرام، وأعظم الإثم" (عبد الله ناصح علوان، حكم الإسلام في وسائل الإعلام، دار السلام، ط. السادسة، 1986، ص. 9).
"وباعتبار أن الاستماع إلى الموسيقى والمعازف محرم بالنص (...) لهذه الاعتبارات كلها كان اقتناء الجهاز التلفزيوني محرما لما يصاحب هذه البرامج الترفيهية من معازف وموسيقى، وغناء ماجن، ورقصات فاجرة، كان النظر لهذه البرامج محرما كذلك لما لها من خطر في تقويض دعائم التربية والأخلاق" (نفسه، ص. 10-11).
وللصحافة طبعا نصيب: "... بل أصبحنا نسمع عن مجلات ليس لها من غاية سوى الدعوة إلى الإباحية الفاجرة، والوجودية الداعرة، والإلحادية الكافرة... حتى ينزلق الشباب والشابات في متاهات الرذيلة ويتخبطوا في أوحال الفاحشة، ويسقطوا في مهاوى الإلحاد. ومن وراء هذه الصحف قيادات يهودية وماسونية واستعمارية وشيوعية وصليبية" (نفسه، ص. 32).
وطبعا لا يوجد شيء اسمه فن أو تمثيل ، وإن وُجد فبهذه الشروط: "ألا يظهر في التمثيل نساء ورجال، أو نساء يراهن رجال، لكون الإسلام يحرّم السفور والاختلاط والخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها..." (نفسه، ص. 47).
يتحول كل شيء إلى موضوع جنسي تجب محاربة من يدعون إليه. يمارس الأمراء إذن سلطتهم بواسطة الفقهاء عن طريق الجنس، وللمفارقة، هذا في الوقت الذي لا يُسمعُ لهؤلاء الفقهاء همس، ولا يشير لهم بنان وتنبس لهم شفة إلى ما يفعله أمراؤهم من فضائح في أوروبا وغيرها، ويسكتون عمن بلغ إسرافهم ملايين الدولارات في ليالي القمار وفيما يعرفه الجميع.
بينما تجد صوتهم مرتفعا في أمور لا تعيد حقوقا لأحد، ولا تنصف مظلوما ولا مهضوما، ويصبح أي كلام عن حقوق الإنسان والحريات وتوزيع الثروات عبثا، ويصل بهم الأمر إلى إخراج فتاوي إن لم تكن هي الإرهاب، فماذا يمكن أن نسمي الإرهاب، انظر مثلا فتوى ابن العثيمين حول من له أهل لا يصلّون:
"إذا كان هؤلاء الأهل لا يصلّون أبدا فإنهم كفار، مرتدون، خارجون عن الإسلام ولا يجوز أن يسكن معهم ولكن يجب عليه أن يدعوهم ويلح عليهم ويكرر لعل الله يهديهم لأن تارك الصلاة كافر والعياذ بالله" (أسئلة مهمة، ط. الثانية، 1407هـ، ص. 11).
ويترتب عن هذا الحكم أمور منها حسب ابن العثيمين: "أنه [تارك الصلاة] إذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، فماذا نصنع به؟ نخرج به إلى الصحراء ونحفر له وندفنه بثيابه لأنه لا حرمة له" (نفسه، ص. 13).
أعلم عزيزي القارئ أن عينيك جاحظتان لا تغادران إلا بصعوبة هذا الكلام، فكيف يسكت الأمراء على مثل هذه الأفكار الملغمة، وعلى فقهاء لا ينتجون أي شيء، ويعيشون في عطالة فكرية دائمة، ولا يقف الأمر بأنهم لا نفع لهم، بل إن ضررهم كان بالغا وهم يصنعون ويخلقون قنابل بشرية، فيغدق عليهم الأمراء بأغلفة مالية كبيرة، وبإنعامات عديدة، ولكنه المثل البدوي الذي يحفظونه جميعا أمراء وفقهاء، والذي يقول اشهد لي بعنزة أشهد لك بجمل، وقد شهد الأمراء للفقهاء بعنزة فشهدوا لهم بجمل في سنامه بترول.

2-   الأخذ بأشد الآراء بداوة: هكذا يشتغل فقهاء السعودية ويشغلون الناس في فتاوي لا طائل وراءها سوى هدر الطاقة وجر الجميع إلى معارك وهمية من قبيل إسبال الإزار وحف الشارب وإعفاء اللحي، و "النهي عن تصوير ما فيه روح في الثياب والجدران والورق وغيرها، سواء كان مرسوما أو مطبوعا أو محفورا أو منقوشا أو مصبوغا بقوالب ونحو ذلك، وإن كان لابد فاعل فليصنع الشجر وما لا روح فيه" (محمد صالح المنجد، التنبيهات الجلية على كثير من المنهيات الشرعية، دار القاسم، الرياض، 1419هـ، ص. 23).
كذلك من الأمور "الهامة": "النهي عن الاستنجاء بالعظم، لأنه زاد إخواننا من الجن وعن الاستنجاء بالروث لأنه علف لدوابهم" (نفسه، ص. 10).
من يقرأ مثل هذا الكلام، ويرى أيضا معركتهم العظيمة "معركة الذباب" حيث يروون عن أبي هريرة أنه إذا سقطت ذبابة في إناء فيجب غمسها جيدا قبل شرب ما فيه، وإذا سقطت فأرة في السمن فحسب أبي هريرة أيضا إذا كان السمن جامدا طُرِح محل سقوط الفأرة واكل الباقي، قلتُ من ينظر إلى كل هذا سيظن أن العرب قد خرجوا للتو من كهف أشد إظلاما من الليلة الظلماء ما زالوا في صراع مع الهوام والقمل، وأدواتهم بدائية: حجر وعظم.
هذا، إذن، مجتمع البداوة والصحراء ينطق، وتأمل هذا الكلام: "النهي عن النوم في بطن الوادي ومجرى السيل" (نفسه، ص. 26). أرأيت؟ فقه بدوي غارق في البداوة، وإذا كان المقصود بهذا الكلام من لا يجد مأوى أو دارا ينام فيها ويحتمي بها، فأعتقد أن الذي يصل به الأمر إلى هذا الحد فإنه لا ينتظر مثل هذه الفتوى، بل يترقب شيئا آخر، وسيأتيه الرد، ولكنه بشيء آخر: انظر: "والنهي أن ينظر الإنسان إلى من هو فوقه في أمور الدنيا، بل ينظر إلى من هو أسفل منه حتى يعرف نعمة الله عليه فلا يزدريها" (نفسه، ص. 30).
فطوبى لأمرائهم بطول تمتع بدون حسيب ولا رقيب. هذا ومن منا لا يذكر تلك الفتوى العلمية البدوية التي أصدرها ابن باز تحت عنوان: " الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض"، ومما جاء فيها: "فلقد "فلقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرّسين في هذا العصر أن الأرض تدور، والشمس ثابتة، وراج هذا على كثير من الألسن، وكثر السؤال عنه، فرأيت من الواجب أن أكتب في هذا كلمة موجزة ترشد القارئ إلى أدلة بطلان هذا القول ومعرفة الحق في هذه المسألة، فأقول قد دلّ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع علماء الإسلام، والواقع المشاهد على أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله سبحانه وتعالى، وأن الأرض ثابتة قارة قد بسطها الله لعباده وجعلها لهم فراشا ومهدا وأرساها لئلا تميد بهم..." (مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ط. الثانية، 1402هـ، ص. 21).

3-   حدثني عبد الجبار نيازي قال: مرت دبابة وأنا أرى على مجاهد اسمه (غلام محيي الدين) وبقي حيا: من الخصائص الأخرى التي يتميز بها فقه التخلف هو الإغراق في الخرافة، فإضافة إلى ما يشترك به مع فقه الأزمة من أمور المسيح الدجال وحوارات مع الجن والمهدي المنتظر، هناك أشياء أخرى مثلا: "النهي عن إخراج الصبيان خارج البيت عند غروب الشمس حتى يشتد السواد لأنها ساعة تنتشر فيها الشياطين" (محمد صالح المنجد، م.س، ص. 31).
والنهي "عن ترك اللقمة إذا سقطت، بل يزيل عنها الأذى ولا يدعها للشيطان" (نفسه، ص. 25).
ومن الملحقين بفقهاء السعودية نجد أحدهم يسمى الدكتور عبد الله عزام، يؤلف كتابا اسمه "آيات الرحمان في جهاد الأفغان" فماذا نجد في هذا الكتاب/الأكتوبة؟ أشياء تستغرب كيف تجد لها في هذا الزمن موضع قدم ومكانا تحت الشمس، وحتى لا أطيل على القارئ العزيز أقتبس منه بعض فقرات فهو مليء بهذه الفقرات وأكثر، فمما جاء فيه: "حدثني جلال حقاني: أعطيت مجاهدا يضع رصاصات ونزل المعركة وأطلق رصاصا كثيرا ولم تنقص الرصاصات وعاد بها" (الناشر المجتمع، جدة، ط. الخامسة، 1985، ص. 108).
"حدثني عمر حنيف قال: لقد جاءت الأفاعي مرارا تبيت مع المجاهدين في فراشهم ومنذ أربع سنوات لم تلدغ أفعى مجاهدا على كثرتها" (نفسه، ص. 110).
وفي مكان آخر: "حدثني عبد المنان فقال: كنا ثلاثة آلاف مجاهد في مركزنا فجاءت الطائرات وألقت علينا ثلاثمائة قذيفة نابالم فلم تنفجر ولا واحدة ونقلناها جميعا إلى كؤته (بلد باكستاني فيه مجاهدون)" (نفسه، ص. 111).
"حدثني جلال الدين: لقد رأيت الكثير من المجاهدين معي يخرجون من المعركة وألبستهم مخرقة من الرصاص ولكن لم يدخل جسدهم رصاصة واحدة" (نفسه، 111).
أما الذين يموتون منهم ــ لا أعرف كيف يموتون والرصاص لا يخترق أجسادهم ــ فإن هؤلاء الشهداء لا تتغير جثثهم، بل تنبعث منهم رائحة طيبة: "حدثني محمد شيرين: استشهد معنا أربعة مجاهدين في مكان اسمه بوت وردك. وبعد أربعة أشهر وجدنا لهم رائحة عطرية كالمسك تنبعث منهم" (نفسه، ص. 125).
وهكذا الكتاب/الأكتوبة شأنه شأن باقي الأفكار البدائية التي يصدرها فقه التخلف لغاية في نفس الأمراء من جهة، وفي نفس من لا يريد لهذه الشعوب أن تفيق من نومها العميق.
ومثل هذه الكتب يتأسف عليها أولئك الذين أعرفهم وتعرفهم عزيزي القارئ أنها كانت غائبة عن معرض الكتاب الأخير. وعندما تسمع إقبالا على "الكتب الدينية" فقد عرفت عبر هذا المقال عينة منها، وتعلم لماذا يتأسفون أن حضرت دار نشر واحدة سعودية إلى جانب الجناح السعودي الرسمي !!! فهم لا يكفيهم إلا أن تغرق البلاد في هذا المستنقع الآسن، ولتعلم أنه لا فرق بين فقه الأزمة وفقه التخلف إلا من حيث المرحلة أي الدرجة أما في العمق فإنه فكر يصدر عن منبع واحد، ولذا لا تستغرب أن ترى فتاوى فقهاء التخلف تنتشر في الكويت ومصر، والمغرب... ولتصبح المعركة أكبر من معركة الذباب إنها اليوم ملحمة الذباب والحجاب.


* نشر بجريدة الأحداث المغربية عدد الأربعاء 3 مارس 2004  

الاثنين، 26 يناير 2015

طوفان العقول وزلزالها، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

ملاحظة:  نشرت هذا المقال، والذي كتبته إلى جانب مقالات أخرى، في سياق توظيف جريدة التجديد وحزب العدالة والتنمية للتسونامي الذي عرفه جنوب شرق آسيا، جاعلة مما وقع علامة على غضب من الله وأن ما أصاب القوم عقاب إلهي. تناولت في هذا المقال الطوفان من جوانب متعددة.. ونبهت إلى أن عدم الربط بين الظواهر وأسبابها الطبيعية يسمح بالتنصل من المسؤولية حتى من قِبل مرتكبي الأعمال الإرهابية، بدعوى أن لا فاعل على الحقيقة إلا الله 

طوفان العقول وزلزالها
عبد الواحد بنعضرا
هبت العاصفة كلها دفعة واحدة
ومعها انداحت سيول الطوفان فوق

[وجه الأرض]
ولسبعة أيام وسبع ليال
غمرت سيول الأمطار وجه الأرض
ودفعت العواصف المركب العملاق فوق
المياه العظيمة
(من نص سومري)


1-   توطئة:
بعد حديثه ونقاشه للطوفان السومري والطوفان البابلي والتوراتي، أبرز فراس السواح أن هذه القصص قد لعبت في العهود القديمة ما لعبته المأساة على المسرح في العالم الكلاسيكي فيما بعد، أي بمثابة تطهير للمشاعر وتنفيس لكل أنواع العنف، ثم قال: "وفي نطاق التفسير التاريخي والإيتولوجي، ربما كانت هذه الأساطير تبريرا وتعليلا، لكوارث حقيقية حلّت بالإنسان، وحار في أسبابها ودواعيها وأغراضها، فجاءت الأسطورة تروي تساؤلاته فهذه الأسطورة سومرية تعزو دمارا حلّ بالبلاد إلى انتقام الآلهة أنانا من بستاني اغتصبها، وهذه أسطورة بابلية تعزو العواصف التي اجتاحت البلاد طولا وعرضا، إلى غضب إله العاصفة إنليل، وأخرى تعزو انتشار المرض الفتاك إلى إله الطاعون إيرا الذي يستفيق من كسله بين الآونة والأخرى ليمارس مهامه في نشر الأوبئة والأمراض السارية" (فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة للنشر، بيروت، 1980، ص. 156).

2-   روية انثربولوجية:
حاول الإنسان منذ القدم تفسير نشأة الزلازل وأسباب حدوثها ليهتدي إلى معرفة القوى المتسببة في تدمير منشآته فوق سطح الأرض، وكان الإنسان في بداية العصور التاريخية يعتقد بأن الأرض مثبتة فوق حيوان ضخم، ونتيجة لتحرك جسم هذا الحيوان ببطء تحدث الهزات الزلزالية في الأرض، فكان اليابانيون يعتقدونه عنكبوتا ضخما يحمل الأرض بين طيات نسيجه، وظنه الصينيون حوتا ضخما، كما اعتقدت جماعات اللاماس (Lamas) في منغوليا بأن الله بعد أن خلق الأرض ثبتها فوق ظهر ضفدعة عظيمة الحجم، وفي كل مرة عندما تحرك الضفدعة رأسيها أو قدميها تتعرض الأرض لحدوث الهزات الزلزالية، بينما كان الهنود يعتقدون الأرض محمولة على ظهر سلحفاة هائلة الحجم، وفي القبائل الأمريكية أنها محمولة على ظهر ثعبان كبير، أو على ظهر فيل بالنسبة لقبائل جنوبي شرقي آسيا..
إن ارتباط الفيضانات الكبيرة والتيارات البحرية الشديدة مع زلازل عنيفة في قاع المحيط هو الذي دفع بعض الجيوفيزيائيين إلى الاعتقاد بأن الفيضانات التي ضربت بلاد الرافدين قديما استمدت قوتها من زلزال عنيف وقع بالخليج الفارسي، وقد كان الدمار مَهُولا فأنطقت الخيال بحكايات وقصص الطوفان. في هذا الإطار يقول فاضل علي عبد الواحد: "وهذه الظاهرة الطبيعية المروعة التي لم يستطع الإنسان في وادي الرافدين السيطرة عليها بوسائله المتوفرة آنذاك، كانت في نظر الفرد، مثل غيرها من الظواهر الطبيعية الأخرى، سرّا من أسرار الآلهة وسلاحا من أسلحتها. ولهذا فقد احتل الطوفان حيزا مهمّا في معتقدات سكان وادي الرافدين وتآليفهم، ولنا أن نفترض أن واحدا من تلك الفيضانات العظيمة في بلاد سومر، التي ربما حدثت في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، بقي صداه في ذاكرة الأجيال لشدة هوله وبسبب ما ألحق بالناس والبلاد من دمار، بحث اتخذ منه المؤرخون القدامى أنفسهم نقطة لتاريخ الحوادث..." (يوسف حبي، الإنسان في أدب وادي الرافدين، منشورات دار الجاحظ، بغداد، 1980، ص. 37 و38).
وقد كان للحفريات التي قام بها الباحث Leonard Woolley في مدينة أور (Ur) تدعيما للرأي القائل بقوة الفيضان الذي أصاب بلاد الرافدين: "وهو يتابع بانتظام حفرياته، وجد تحت القبور، على بعد 12 مترا من العمق طبقة من الطين صافية (خالية من الأواني الخزفية أو الحصى) يبلغ سمكها ليس أقل من مترين ونصف. إن وجود هذا الطمي الطبيعي لا يتيح لنا إلا إمكانية تفسير واحد يهمّ العالم الجيولوجي أكثر مما يهمّ عالم الأثريات، لقد كانت بلاد سومر من قبل مسرحا لفيضان كارثي..."
(C. W. Ceram, Des Dieux, des tombeaux, des savants, éd. Plon/L.P., Paris, 1974, p. 382)  
بقيت ملاحظة بخصوص الآراء التي حاولت أن تلقي بحجر في بركة المعتقدات القديمة لتحركها، وكان أحدها هو ما اعتقده أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد بأن نشأة الزلازل ترجع إلى تسرب الغاز والهواء من باطن الأرض عبر الشقوق والفتحات الصخرية...

3-   تعريف علمي:
أــ الزلازل: عبارة عن هزات سريعة وقصيرة المدى تتعرض لها قشرة الأرض خلال فترات متقطعة نتيجة للاضطرابات الباطنية. ويعظم حدوث مثل هذه الهزات مع الثورانات البركانية العنيفة أو مع حركة التصدع العظمى، وعند احتكاك الصخور بشدة على طول أسطح الصدوع، وقد تهتز أجزاء قشرة الأرض بشدة بحيث يشعر بها الإنسان في حين أن هناك آلافا من الهزات الضعيفة قصيرة المدى لا تسجلها سوى أجهزة الرصد السيسموغرافية الدقيقة، وتتميز بداية حدوث الهزات الزلزالية بضعفها ثم بمرور ثوان قليلة جدا تنبعث الهزات العنيفة وبمضي ثوان أخرى تتناقص قوة الهزات إلى أن تتلاشى نهائيا...
ب ــ التسونامي: عندما تحدث الزلازل في قاع المحيط قد ينجم عن ذلك حدوث اضطرابات عنيفة في مياه المحيط وتتخذ شكل أمواج عالية تعرف في اليابان باسم أمواج التسنامي (Tsunami)، وأول علامة لبدء حدوث الموجات البحرية انسحاب المياه بشدة من الشاطئ نحو البحر، ثم بعد بضعة دقائق ترتد الأمواج ثانية إلى خط الساحل بقوة وعنف على شكل موجات بحرية عالية جدا، وينجم عنها تدمير المنشآت العمرانية على خط الساحل، بل وخروج المياه إلى اليابس وتجمعها أحيانا على شكل بحيرات ساحلية.
ومن أظهر أمثلة أمواج التسنامي تلك التي تحدث على سواحل جزر اليابان وجزر هاواي، ويبلغ عدد أمواج التسنامي التي تعرضت لها جزيرة هاواي منذ اكتشافها عام 1778 حتى الوقت الحاضر نحو ثلاثين موجة بحرية زلزالية كبرى، وفي أول أبريل عام 1946 حدث زلزال عنيف في جزيرة أنيمك (Unimak)... وبعد مضي 4 ساعات و 34 دقيقة وصلت مقدمات أمواج أمواج التسنامي إلى جزيرة هاواي، وذلك بعد أن عبرت الموجات الزلزالية البحرية نحو 2240 ميل، أي بسرعة 490 ميل في الساعة، وقد تراوح ارتفاع الموجات البحرية التي اصطدمت بسواحل جزر هاواي من 35 و45 قدم.
(حسن أحمد أبو العينين، كوكب الأرض: ظواهره التضاريسية الكبرى، دار النهضة العربية، بيروت، 1970).

4-   تحليل الخطاب الديني:

 في كتابه "تهافت الفلاسفة" يعلن الغزالي انتفاء العلاقات السببية وعدم الاقتران بين النتائج والمقدمات وبين الأسباب والمسببات معتبرا أن: "الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا (...) والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالا واحدا وهو الاحتراق في القطن مثلا مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ونجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار" (أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، بيروت، 1962، ص. 195).
وقد دفع الرجلَ إلى مثل هذا الكلام رغبته في إنكار "الفعل الطبيعي" لأن وصف الطبيعة بأنها فاعلة تعبير متناقض من منظور الغزالي والذي يرى بأن الله هو الفاعل على الحقيقة، فعندما تحرق النار فليست النار هي الفاعلة بل على المجاز، وكذلك السكين لا تقطع، فالفاعل في كل هذا هو الله، هذه الفلسفة هي التي ما زالت وإلى اليوم، تؤسس منظور المسلمين للعالم والظواهر المحيطة بهم. فالغزالي يشكل نقطة مهمة في مسار التاريخ، فيه تجمعت الثقافة الرسمية السابقة ومنه انطلقت في اتجاه تأطير الأجيال اللاحقة. وطبيعي أن نجد في مجتمعاتنا أقل درجة الإحساس بالمسؤولية، فعندما يقتل أحد شخصا ما فإنما قتله على المجاز، فالفاعل إذن هو الله، وعندما تفجر جماعة ما إحدى المنشآت فإن "الله" هو الفاعل أيضا، هكذا يتم إهدار قوانين الثواب والعقاب في السلوك الاجتماعي. وحين تقع الزلازل والبراكين والفيضانات وتسبب من الكوارث ما تسبب فإن رد أسبابها الطبيعية للإرادة الإلهية في العقاب أو الابتلاء هو إعفاء المسؤولين عن تحويل الكارثة إلى دمار شامل سواء بالغش في المباني أو التصاميم... من المحاسبة، ولا نحتاج إلى كثير عناء كي نتذكر أيضا ما كانت قد قامت به الدولة الأموية من تكريس نظرية الجبر التي تسند كل ما يقع في العالم إلى قدرة الله من أجل تبرير أعمالها... هذا ما سماه نصر حامد أبو زيد بآلية: "ردّ الظواهر إلى مبدأ واحد"، في دراسته بعنوان: "الخطاب الديني المعاصر: آلياته ومنطلقاته الفكرية (ضمن "قضايا فكرية" 1989، وهي الدراسة التي جعلها أبو زيد الفصل الأول من كتابه الموسوم بـ: "نقد الخطاب الديني). بفضل هذه الآلية أيضا يتم إيهام الكثيرين بأن شركات توظيف الأموال الإسلامية ستحقق أرباحا خيالية ليست تبعا لقوانين السوق بل باليمن والبركة والتقوى. وإذا علمنا أن عبد الصبور شاهين كان وكيلا لإحدى هذه الشركات ــ شركة الريان ــ فهمنا لماذا قام الشيخ بحملته التكفيرية لنصر حامد أبي زيد، وأدركنا لمَ يكره شاهين والقرضاوي... العلمانية؟ يقول أبو زيد: "لذلك نرى أن معاداة العلمانية في الخطاب الديني المعاصر ــ وهذا ما شرحناه في "نقد الخطاب الديني": يرتد في أحد جوانبه إلى أنها تسلبه إحدى آليات الأساسية في التأثير (ونقصد ردّ الظواهر إلى مبدأ واحد)، ويرتد ــ في جانب آخر ــ إلى أنها تجرده من "السلطة المقدسة" التي يدّعيها لنفسه حين يزعم امتلاكه للحقيقة الكاملة، ورغم استنكار الخطاب الديني لموقف رجال الكنيسة في بدايات عصر النهضة فإنه يقترف الخطيئة نفسها حين ينادي بأسلمة العلوم والآداب والفنون، ويجعل من ذاته مرجعية شاملة تكرر موقف الكنيسة الذي يستنكره نظريا" (نصر حامد أبو زيد، التفكير في زمن التكفير، سينا للنشر، القاهرة، 1995، ص. 83).

5ــ ردود سريعة:
إذا زلزلت العقول زلزالها وأخرجت من خطلها وألقت بعجرها وبجرها فارتقب فسادا يعيث فيما حولها وفتنة ليس لها لا ما قبلها ولا ما بعدها، وهيهات هيهات أن يسكت الشرفاء لما يكيده الجبناء هيهات، فما هو فات قد فات وما هو آت ينذرهم بالويلات، وتحدث متحدثهم ونطق بما تكنه صدورهم بأن الأمر عقاب يتخفون وراء النصوص كاللصوص ليسرقوا الأحلام ويفسدوا الأفهام، فهلا أخبرنا دعيّهم هل كان طاعون عمواس وعام الرِمادة وقد حدثا في عهد عمر بن الخطاب واغتيال الخلفاء عمر وعثمان وعلي عقابا وغضبا من عند الله؟ ونطق أحدهم ضلالا وفاه خبلا بأنها إحدى ثلاث إما عقاب أو ابتلاء أو عبرة؟ وهل في الرياضة إلا انتصار أو هزيمة أو تعادل ! ويُروى ــ والعهدة على الراوي أن أحدهم هذا عالم جيولوجي قادم من عاصمة الضباب وهو ذو أصل مصري دفعه عجزه في ميدانه العلمي إلى الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة خصوصا إذا اقترن العجز بالغنيمة والسمنة وبالراحة والتخمة، فما ندري هل تعلّم هذا في لندنستان أم في أفغانستان؟ يُحكى أن حاكما في عهد جحا خصص جائزة مهمة لمن يعلّم حماره القراءة أما إذا فشل المرشح لذلك فجزاؤه القتل، ولم يجرؤ أحد على التصدي لهذه المهمة سوى جحا والذي اشترط مدة عشر سنوات لتحقيق ذلك فوافق الحاكم، فسُئل في ذلك فقال جحا لسائليه: في هذه المدة إما أن يموت الحاكم فأنجو من عقابه، وإما أن يموت الحمار فاُعذر في أمره، وإما أموت أنا فأكون قد عشت أياما هنيئة بجوار الحاكم.
ومزيدا من التوضيح ردّا على الذين يكفّرون من وراء النصوص بالتلميح وتارة بالتصريح، هذه فتوى ابن باز حول ثبات الأرض وجريان الشمس: "فلقد "فلقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرّسين في هذا العصر أن الأرض تدور، والشمس ثابتة، وراج هذا على كثير من الألسن، وكثر السؤال عنه، فرأيت من الواجب أن أكتب في هذا كلمة موجزة ترشد القارئ إلى أدلة بطلان هذا القول ومعرفة الحق في هذه المسألة، فأقول قد دلّ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع علماء الإسلام، والواقع المشاهد على أن الشمس جارية في فلكها كما سخرها الله سبحانه وتعالى، وأن الأرض ثابتة قارة قد بسطها الله لعباده وجعلها لهم فراشا ومهدا وأرساها لئلا تميد بهم، قال الله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السماء كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم) (...) فهذه الآيات الكريمات دلائل قاطعة، وبراهين ساطعة على أن الشمس جارية لا ثابتة، وأن الأرض قارة ساكنة كما أرساها الله بالجبال الرواسي ومدّها لعباده وبسطها لهم وجعلها فراشا" (ابن باز، الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود إلى الكواكب وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ط. الثانية، 1402هـ، ص. 21- 22).
فإما أن يأخذوا البضاعة كاملة وإما أن ينكصوا على أعقابهم، فا هو ابن باز مثلهم قد تخفى وراء النصوص لإفحام الخصوم (خصوم البداوة والتخلف) وتكفير حملة النور !! فالكرة الآن عندهم...

6- ختام
أين تأخذوننا  بلغْوكم؟ هل تعلمون أن مصادر العيش فوق الأرض قد ضاقت وقصرت عن حاجيات سكان البسيطة؟ والشمس ذاتها مزود الأرض بالحرارة، لا تتوفر إلا على 35 % من كتلتها على شكل هيدروجين، مع العلم أن اندماج أربع ذرات هيدروجين تحت الضغط الشديد والحرارة المرتفعة يتحول إلى ذرة هيليوم وتنطلق معه طاقة كبيرة هي التي تشكل نور الشمس، وقد تحدث الكارثة ! إن الأبحاث الجارية حول الكواكب الأخرى (مارس، زحل...) ليست من قبيل العبث، ولكنه التحسب لظرف قد تقع فيه الكارثة، سواء بتطوير إمكانيات الأرض أو البحث عن موطن آخر لسكان الأرض في المستقبل...

قد حُق للدنيا أن تسعد إذ أن الفكر المنتشر في العالم، هو الفكر الحداثي، إذ لو كان فكركم منتشرا لظللنا نركب الجِمال ونستظل بالخيام، ولو حلت الكارثة لقلتَ عن الإنسانية السلام !! فماذا ننتظر من إنسان يستمرئ العجز ومن شباب لا يقيم للقوانين السببية الأوزان إلا أن يهرب إلى الكهوف وشعاب الجبال، ولا عجب إذا وجدنا أحدهم تخط يده ما يلي: "وبعد، فإذا كانت هنالك، فعلا، مجموعة اجتهدت في مواجهة الواقع بهجرة إلى الجبال والشعاب، أو اجتهدت فيما تلبس وتظهر فيه، فإن من الضروري احترام موقفها واجتهاداتها (...) أما من ناحية أخرى فإن الإشارة إلى تكحيل العينين واستخدام السواك والتسمي بأسماء السلف الصالح (...) ثم من قال إن ممارسة ذلك يتنافى والعصر، إذ يمكنك أن تكحل عينيك وتقود طائرة نفاثة" (منير شفيق، بين النهوض والسقوط، دار البراق، تونس، والناشر للطباعة، بيروت، ط. الثانية، ص. 84).
وأَستأذنُ منير شفيق في تحيين عبارته تناغما مع المستجدات الحالية لكي تصبح: إذ يمكنك أن تكحّل عينيك وتقود طائرة نفاثة وتصطدم ببرجي مركز التجارة العالمي !!
لا تضحك من كلامهم عزيزي القارئ، ولكن... ولكن قهقه ثم تأمل جيدا..


*  نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية عدد الأربعاء 26 يناير 2005

الأربعاء، 21 يناير 2015

الإسلام الأرثوذوكسي الجديد، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

الإسلام الأرثوذوكسي الجديد




 
عبد الواحد بنعضرا


استطاعت الحركات السلفية أن تنجح في إيهام الشباب المسلم بإمكانية الوصول إلى الإسلام الصحيح عبر الرجوع مباشرة إلى الأصلين الرئيسيين عن طريقة قراءة "السلف" لهما. وليس هذا النجاح مرتبطا فقط بغياب الحس النقدي لدى هؤلاء الشباب، بل وبالأساس لأن العقل في البلاد العربية -الإسلامية لم يتحرر بعد، وخاصة، من الآليات التي عمل بها الفقيه، ولم يستطع كثير من المفكرين تغيير الفكرة، لأنهم في الأساس تباروا في نفس الساحة «السلفية».
 من المعلوم أنه في ظل الصراعات السياسية بين الأمويين (ثم العباسيين) وبين المعارضين (الشيعة والخوارج)، تبنت الدولة الحاكمة تفسيرا معينا للقرآن، ووضعت أحاديث تدعم بها مشروعية حكمها، وكانت النتيجة إسلاما رسميا، وشرعية رسمية، بالمقابل اعتبرت الدولة الحاكمة ما يقوله الشيعة والخوارج، وبقية المعارضين، مجرد بدعة وافتراء على الدين، ونشأ بالتالي ما يسمى بالإسلام الأرثوذوكسي. وهو أرثوذوكسي، لأن الفقهاء المعتمدين من طرف السلطة- كما يقول محمد أركون- أكدوا على إمكانية قراءة مطابقة لما أراد أن يقوله الله، ومعرفة التراث/السنة النبوية بشكل شامل من أجل استنباط جميع الأحكام التي ستكوّن الشريعة انطلاقا من هذين الأصلين القرآن والتراث-السنة- النبوية ... فعندما نقرأ لمحمد عزيز الحبابي بأن التصوف من بين الأسباب المهمة لاندحار الإسلام، وبأنه دخيل على الإسلام، وقد عمل التصوف على تغيير الروح الأصلية للإسلام واجتاح كل بنياته: فمعه بدأ المسلمون يتعاطون لكل أنواع القدرية والجبرية... وبالمقابل يدافع الحبابي عن السلفية باعتبارها الطريق إلى الاجتهاد.. نستشف إذن تحليلا بسيطا، وانتقائية بعيدة عن الشروط التاريخية لبروز تيار من التيارات!! وإذا تجاوزنا مسألة فكر دخيل أو أصيل باعتبار الإنسانية هي تداخل للحضارات والأفكار، فإن الصوفية في مبدئها، كانت تعبيرا عن حركة معارضة. في هذا الإطار يقول مهدي عامل، بأن الصوفية تنطلق من أن للنص ظاهرا وباطنا، يفرض أن على المؤمن، كي يكتمل إيمانه في الإسلام، أن يتجاوز الظاهر، الذي هو حيز الشرع، نحو الباطن، الذي هو حيز الحق.. ولهذا التمييز بين الشريعة والحق دلالة نظرية وسياسية كبيرة، فتحديد الشريعة بأنها ظاهر الحقيقة هو قول يستدعي بالضرورة التأويل، والتأويل ليس واحدا.. والتأويل الصوفي والإشراقي يحدد الشرع كعائق هو ظاهر يحول دون الوصول إلى باطن هو الحق، هكذا ينزع هذا التأويل على الشرع قدسيته، ويفرض ضرورة تخطيه كشرط لإدراك الحق في ذاته لا في ظاهره. إذ كانت غاية الإسلام هي الحق لا الشرع... (كتاب "نقد الفكر اليومي"). الصوفية كانت تسعى إذن لمواجهة استبداد النظام الحاكم عبر كشف زيف ادعائه بأن تفسيره للقرآن هو التفسير الصحيح.. قبل أن ينتبه الحاكمون ويعملوا بتلك الحكمة المعروفة: وداوها بالتي كانت هي الداء، ليشجعوا على بروز صوفية سلبية تعبر عن دروشة واعتزال ومسكنة لا تحرك للسلطة ساكنا ولا تزعزع لها قاطنا، بل وأصبحت تدافع عن مصالح الطبقة الحاكمة وإيديولوجيتها، كما فعل أبو حامد الغزالي في انتقاده للشيعة في كتابه "فضائح الباطنية"، والذي يعترف في مقدمته بأنه كتبه تنفيذا لأوامر الخليفة العباسي أحمد المستنصر بالله. عندما يقوم محمد عابد الجابري بالحديث عن العقل المستقيل-العرفاني بالنسبة للصوفية والشيعة، ألا يحق لنا أن نتساءل أين كانت هذه الاستقالة؟ عند الحركات المعارضة أم عند الجماهير؟ بالنسبة للجماهير فنعم، وإلى غاية اليوم!!.. أما بالنسبة للحركات المعارضة فهي استقالة عن منطق العقل الإسلامي الأرثوذوكسي أو ما يسميه الجابري بالعقل البياني، وبالتالي فهي طريقة لنزع الشرعية عن النظام الحاكم باسم إسلام أرثوذوسكي، يجد تبريره بواسطة عقل أرثوذوكسي.. لقد وصلنا اليوم تراث كبير، متناقض في جله، عاكسا الصراعات السياسية المتمثلة أيضا في ثرات «أرثوذوكسي» وآخر «بدعوي»، فتفاسير القرآن كثيرة ومختلفة، فتفسير الطبري مختلف عن تفسير الزمخشري مختلف عن تفسير ابن عربي، وصحيح البخاري عند السنة يقابله الكافي للشيخ الكليني عند الشيعة، وتاريخ الطبري يختلف عن تاريخ اليعقوبي.. والصوفية التي يجعلها الحبابي سببا لتراجع الإسلام والمسلمين، هي عند مهدي عامل حركة ثورية، تماما مثل التيارات الشيعية، وابن رشد الذي يرفعه الجابري على رأس البرهان والعقل، لا يرى فيه مهدي عامل سوى فكر رجعي شأنه في ذلك شأن المعتزلة باعتباره فكرا يعتمد على التأويل وبالتالي فهو يشتغل ضمن نفس المنطق العقلي للنظام الحاكم وليس من اختلاف بينهما إلا في حدود الدلالة اللفظية. والتاريخ الأرثوذوكسي يقابله تاريخ مسكوت عنه، ومثلما تماما، يكتفي البعض عند السنة بالتعليق على الخلافات بين الصحابة والمعارك التي سالت فيها دماء المسلمين بأن هذا نتيجة اجتهاد بين الصحابة، للمصيب عشرة أجور وللمخطئ أجر واحد... هناك من الشيعة من يعتبر هذه النزاعات هي مؤامرات لسلب عليّ حقه في الحكم وإخفاء لوصية النبي له بخلافته. وكما يعتبر البعض الحروب التي قام بها أبو بكر ضد القبائل العربية حروب ردة تبعا للتاريخ الأرثوذوكسي، فإن بعض النصوص قد تسمح للبعض باعتبارها حروبا من أجل فرض السلطة وتسميتها بالتالي حروب الصدقة. وبقدر ما قد رسخ في ذهن الكثيرين أن عبد الله بن سبأ هو المحرض على الثورة ضد عثمان بن عفان، وهو الرأي الذي تبناه مفكر مثل أحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" وبعده حسن إبراهيم حسن في كتابه "تاريخ الإسلام.." نجد طه حسين في كتابه "الفتنة الكبرى" يعتبر كثيرا مما قيل عن عبد الله بن سبأ هو مبالغة كبيرة، ويصل الأمر عند مرتضى العسكري إلى تأليف كتاب كبير من جزأين يصل فيه إلى عدم وجود هذا الرجل في الحقيقة والواقع، وأنه مجرد اختراع لراوية اسمه سيف التميمي من أجل تشويه الحركة المعارضة للأمويين عامة ولعثمان بن عفان خاصة.
إن الحضارة الحديثة قد أتاحت فرصة بروز علوم إنسانية جديدة أنثربولوجية ولسانية واجتماعية.. وظهور عقل كوني - ما بعد حداثي-  قادر على تفكيك كثير من الشيفرات وتحديد الشروط الموضوعية والتاريخية لبروز ظاهرة من الظواهر... وإذا كان همّ الكثيرين منا هو إبراز إسلام متنور عقلاني - نظرا للظروف العالمية - فإن هذا لا يجب أن يمر عبر خلق إسلام أرثوذوكسي جديد، وانتقاء حركة أو تيار من التيارات كممثل لهذا الإسلام الأرثوذوكسي "العقلاني"، وانتقاء نصوص بعينها، لأن هذا لن يحرك أي شيء لدى الجماهير، وسيبقى العقل لديها مستقيلا. وبما أن الساحة هي نفسها، فإن النصوص حمالة أوجه ويستطيع كل من يريد، أن يسقط عليها توجهاته وطموحاته سواء السلمية أو العنيفة!! إذا كانت المعركة التي خاضها كثير من المفكرين في البلاد العربية- الإسلامية تستهدف إقامة مجتمعات مدنية مبنية على العدالة وتوزيع الثروات واحترام حقوق الإنسان، فإن الإسقاطات الممارسة على الماضي كالشخصانية في الإسلام والديمقراطية أو الاشتراكية أو الليبرالية في الإسلام ستجعل المعركة في عمقها تأخذ طابع إيمان/كفر.. مادام العقل مغيبا لدى الجماهير التي تمشي تبعا لنفس المنطق، منطق الثنائيات.. وستزيد من عمق الأزمة أن توجد حركات معارضة تعتمد ما كان ذات يوم نقدا واحتجاجا وصار اليوم نوعا من الهلوسة والوسوسة أو الدروشة، إذْ ما كان بالأمس ثورة على التفسير الأورثوذوكسي لا يستطيع اليوم بنفس تلك الآليات أن يكون ما كانه في الماضي... وإذا كان المجال السياسي بالأمس منحصرا في الدين أي لا فرصة لممارسة السياسة إلا في الدين، فإن إمكانات الحاضر وبروز وعي جديد للإنسان بشروطه، يحدد للسياسة مجالا واضحا للممارسة، لا يختلط فيه الدين بالسياسة ولا يتداخلان.. إن الكثيرين يسقطون طموحاتهم على الماضي، فمن يريدها دولة دينية. يحكي بأن النبي كان قائدا روحيا وزمنيا، ومن يريدها دولة علمانية يروي أن النبي لم يكن قط قائد دولة، عبر انتقاء كليهما لنصوص معينة لتدعيم نظريته. بيد أن العقل الكوني- ما بعد الحداثي لن يقع في هذا الإسقاط، فهب أن النبي كان قائد دولة أيضا إضافة إلى مكانته الدينية، فهل هذا يعني إقامة دولة دينية اليوم، أبدا، فإذا كانت الشروط التاريخية تسمح بذلك في تلك الفترة، فإننا اليوم في زمن آخر والشروط تسمح بفصل السياسة عن الدين، بل إنه لم يكن ممكنا في ذلك الوقت إلا أن نرى ارتباطا للسياسة بالدين والقبلية، بل حتى الدين بالنسبة لكل قبيلة كان فرصة لها للتعالي بخصوصيتها بل ولهيمنة ممكنة على قبائل أخرى، وهذا دور الأنثروبولوجيا لكي تكشف عنه. وكذلك القول بأن الإسلام يختلف عن المسيحية باعتبار المسيح قد أعلن (اعط مال لله لله، وما لقيصر لقيصر)، فلتفادي الدوران في حلقة مفرغة يجب الرجوع إلى الشروط التاريخية لنشوء كل دين، فإن غياب سلطة مركزية في الجزيرة العربية إبان ظهور الإسلام، يختلف عن ظهور المسيحية في فلسطين التابعة للسلطة المركزية في روما، وبالتالي لم يكن بإمكان المسيح الحصول على سلطة زمنية ومع ذلك- كما يرى محمد أركون- فإن المسيح قد قام بعميلتين مهمتين: لقد تفادى المواجهة المباشرة مع السلطة السياسية لروما، ولكنه طرح ضمنيا مشكل شرعيتها لأنها غير مستمدة من السيادة الروحية العليا للإله الموحي في شخص المسيح، (Ouverture sur l’Islam)، فالأديان في خطوطها العريضة متشابهة، وكلها تنطلق مما يسميه مارسيل كوشي Marcel Gauchet بـ "دَيْن المعنى"  (La dette de sens)، وإن الدراسات المقارنة للأديان حاليا يمكنها من إبراز نقط الالتقاء بين الديانات فيما بينها وأيضا بينها وبين الحضارات القديمة البابلية والمصرية.. إن البعض يحاول سلب المرأة حقوقها عبر التأكيد أن هناك دراسات تبين أن هناك فروقا بين المرأة والرجل من حيث القوة أو من حيث الذكاء... بل لقد وصل الأمر بأحدهم إلى اعتبار: الضرب والهجر من الإعجاز العلمي في القرآن (مصطفى محمود، حوار مع صديقي الملحد)؟؟؟ فعوض الدوران حول تأويلات وتأويلات مضادة، يجب على الباحثات والباحثين مساعدة المرأة على الوعي بشرطها، وهنا يتدخل العقل بكل ما تتيحه الدراسات والعلوم الإنسانية الحديثة من كشف الظروف والشروط التاريخية، في ظل مجتمعات ذكورية بطريركية طبقية، التي أدت إلى ظهور أحكام متشددة نحو المرأة انعكست في كثير من الأفكار القديمة بل وحتى في الديانات، ومازالت تجد لها اليوم صدى لعدة أسباب يتلزم توضيحها أيضا!!... إن على المفكرين ألا يضيعوا هذه الفرصة من جديد، أمام الإمكانات العلمية الحديثة وأمام تغيير شروط الوعي، من أجل تحرير العقل من استبداد العقلية الفقهية الانتقائية، ومساعدة الجماهير على التخلص من وعيها المزيف...

*   نشر في جريدة "الأحداث" المغربية عدد الأربعاء 22 دجنبر 2004


الجمعة، 16 يناير 2015

هل مات ابن المقفع مرتين؟، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

هل مات ابن المقفع مرتين؟

عبد الواحد بنعضرا
فأدخل الطائر رأسه تحت جناحيه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دق عنقه ثم قال: يا عدو نفسه ترى الرأي للحمامة وتعلمها الحيلة لنفسها وتعجز عن ذلك لنفسك حتى يتمكن منك عدوك، ثم قتله فأكله. (عبد الله بن المقفع، كليلة ودمنه، باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين- وهو آخر الكتاب- طبعة دار القلم بيروت 1986).

 1- ابن المقفع أم مالك الحزين؟ لغاية ما جعل ابن المقفع آخر حكاية في كتابه كليلة ودمنة هي قصة حمامة كانت تحت تهديد الثعلب تضحي بفراخها له، ثم توقفت عن ذلك بواسطة حيلة نصحها بها مالك الحزين -وهو نوع من الطيور- فلما علم الثعلب منها بما فعله هذا الطائر احتال عليه ثم قتله!! هل كان ابن المقفع يعلم أن نهاية كل واعظ هي الموت، حتى لو كان موتا رمزيا فقط؟! نعم كم من المواعظ ماتت بموت أصحابها، وكم من الحكايات والقصص والأمثال عاشت بين الناس في وعيهم وفي لا وعيهم أيضا، بل كم من مرة يحسم فيها نقاش ما بذكر مثل من الأمثال، رب قائل يقول هذا طبيعي لأن مجتمعاتنا شفهية، أو أن الأمثال تمثل نوعا من سلطة الأسلاف؟ ولكن هذا لا ينفي أن المثل -خصوصا إذا كان مرفوقا بقصة- يشكل جمالية ذات وقع خاص حتى في المجتمعات ما بعد الشفهية أو الكتابية... لغاية ما إذن كان باب الحمامة والثعلب ومالك الحزين آخر كتاب كليلة ودمنة، ولسبب ما أيضا سيموت مالك الحزين ناصح الحمامة والعاجز عن إيجاد حيلة لنفسه، لم ينفعه نصحه إذن!! وقد كان للحمامة الناصح الأمين!! هل كان ابن المقفع يتصور نهايته البشعة، وهو الناصح الأمين في كتابيه (كليلة ودمنة) و(رسالة الصحابة).. أطرافه قطعت وشويت على النار أمام عينيه، مات في النهاية بعد عذاب فظيع، وختم قصة حياته كما ختم مالك الحزين كتاب كليلة ودمنة. نعم كان ابن المقفع واعظا سياسيا وليس دينيا، ولكنه الوعظ على أي حال...

2- الكاثرسيس  في تعريفه للمأساة يقول أرسطو: «فالمأساة إذن هي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقا لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات».(أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي،دار الثقافة بيروت ط الثانية 1973، ص. 18 ). وقد أثارت نظرية التطهير أو الكاثرسيس كثيرا من التأويلات والقراءات، ويمكننا الأخذ هنا بتلك القراءة التي ترى بأن بإمكان الذين يعانون من انفعالات ما أو انحراف ما أن يعالجوا أنفسهم بمشاهدة المآسي التي تثير مثل هذه الانفعالات... إلى ماذا يقودنا هذا؟ إذا كنا نعتبر الإنسان مجرد بوق وصدى للغة ما، فإن هذا سيجعلنا نحمل هراوة لا قلما وعصا غليظة يسيل مدادها وعظا ويقطر عنفا وزجرا... أما إذا كنا نعتبر الإنسان تناصا أو كتابا متحركا تتفاعل فيه مجموعة من الكتب! فإن أ ي نقد يوجه إليه يجب أن يشعره أنه نقد الند للند، وليس نقدا ينزل من عل إما يخضع له خانعا مقموعا وإما يرفضه متمردا على كل شيء... إن رواية Les jardins de lumière لأمين معلوف تؤثر فيمن هو مستعد -ذهنيا واجتماعيا وماديا -للتخلي عن التطرف والتعصب أكثر مما تفعله خطبة عصماء أو موعظة نجلاء من فم خطيب مفوه، كذلك الحال في مسرحية Le tartuffe لموليير بالنسبة لمن يريد أن يرى النفاق يمشي على رجلين ويأكل بيدين.. إن قيمة العمل الأدبي والفني تتجلى بالخصوص في تلك الحميمية التي يخلقها الراوي مع القارئ التي تفتح باب العقول والقلوب بدون استئذان فإذا ببطل العمل الأدبي والفني يتلبس بالقارئ، وإذا بهذا الأخير يتقمص دورا من الأدوار التي يتعاطف معها، يسير معها وينشغل بهمومها يسائلها وتسائله، وقد يرى وجهه في المرآة واضحا مكشوفا، وإذا بالنهاية تكون نوعا من التطهير؟! ما معنى هذا، أن يصبح كل عمل أدبي فني عبارة عن منشور سياسي أو عبارة عن موعظة؟ أبدا، إنه عمل يجب أن يخضع لعناصر جنسه الأدبي وأن تصل الرسالة بطريقة فنية، حتى المبدع الذي يرفض أن يكون عمله رسالة موجهة لأحد ما، فإن عمله نفسه رسالة جمالية وما أجملها من قيمة نشيعها بين شبابنا، قيمة الجمال هذه هي أبلغ مواجهة مع العنف مع الإنحطاط والابتذال.

 3- تحليل نفسي: لماذا المسلمون أكثر من غيرهم مهووسون بإلقاء الخطب على بعضهم البعض وكثيرا ما تحولت النصيحة إلى فضيحة، هل بيننا من هو كامل حتى يعطي لنفسه الحق في نصح الآخرين وقصفهم من برجه العالي بكلام قد يجرح أكثر مما يداوي ويشفي، ألا يؤشر هذا على انجراحات نفسية يعيشها سكان المنطقة، ألسنا في كثير من نصائحنا للآخرين نعبر أكثر على نقصنا وعلى أننا نسقط على الآخرين الصورة المثالية التي عجزنا عن الوصول إليها- لأن الإنسان سيبقى إنسانا-، وبالتالي إذا ما تركنا جانبا ماهو سياسي واقتصادي، أفلا تعبر كثرة مواعظ الفقهاء عن إنجراحاتهم النفسية بسبب ما سبق ذكره، وبسبب العجز أيضا، فالعطالة الفكرية والإنسحاب من الحضارة والنقص في المعرفة، والهروب عن العمل والمساهمة في التنمية ستدفع الفقهاء إلى مزيد من اللغو.. في حديثه عن الفقيه/ الشيخ والذي مازال يتقمص دور الكاهن، يقول على زيعور:« ولأنه امتص دور الكهل فهو لايشتغل. وبالتالي فهو لاينخرط في جذور المجتمع، يبقى بعيدا، يرى من الخارج مشكلات الآخر. يتصورها، لايشاطر، وقل أن يساهم. وفي تحليلي أن من أكبر دوافع أنشداده إلى الوراء كونه لايعيش الواقع أي أنه لايعمل، بل يعيش من تعب الآخرين. يعيش من الغير، ولذا يفكر في الأقدمين، في المكتوبات والمدونات، لافي العياني والحسي. إنه خارج الظروف، كأنه يتفرج(...) عصابه ذو علائق مع ربطه للدين بالموت، ومع ثقافته البعيدة المضبوطة، وحملاته على الجسد تغليبا للأخروي، وتشبثه رافضا النضج والتكيف». ( علي زيعور، التحليل النفسي للذات العربية، أنماطها السلوكية والأسطورية،دار الطليعة بيروت ط الثالثة1982، ص. 187 و 188) . ما يحتاجه شاب اليوم أو طفل اليوم، ذكرا كان أم أنثى، هي الثقافة وليس الوعظ، هو الفن وليس الزجر، هو الحوار وليس الردع، هو التساؤل وليس القمع!؟ وكثرة الوعظ اليوم ستلعب دورا خطيرا في تشويه المبنى والمعنى معا، إذ عندما يرتبط كل سلوك قويم بالثواب وكل فعل مشين بالعقاب لن يترك هذا عند الطفل مثلا سوى ربط للخير بالربح وللقبيح بالخسارة وهذا سيقود الطفل إلى سلوكات انتهازية بدل اتيان أفعال خيرة.. لوقام ابن المقفع من موته لقال للفقهاء اليوم لاتقتلوني مرتين!! فهل نستطيع اليوم أن نحترم الإنسان كإنسان ونهديه بدل الموعظة كتابا قصة كان أم رواية أم شعرا أم مسرحية، هل أن لنا أن نحتفي بالكتاب؟ وعندما أقول الكتاب أضيف للأصناف السالفة أيضا الكتاب العلمي والنقدي وكل نوع من الكتب قادر على أن يجعل من الإنسان إنسـانا لاصدى أو بوقا...

*  نشر بالأحداث المغربية عدد الاربعاء 23 فبراير 2005


الأحد، 10 أغسطس 2014

الدرس الفلسفي : هل تؤدي الفلسفة دورها الحقيقي ؟، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 

الدرس الفلسفي : هل تؤدي الفلسفة دورها الحقيقي ؟

عبد الواحد بنعضرا



يحكي سورين كيركغارد قصة رجل كان يتفرج على واجهات المحال التجارية بينما هو يسير في الشارع، يصل الرجل مرة إلى واجهة فيها لافتة كتب عليها "هنا تصنع الفلسفة"، بطريقة ما يعرف الرجل أن هذا ما يريده، يدخل إلى المحل وشعور من الأمل يملأ جوانحه، وعندئذ فقط يجد أن ذلك المكان هو محل لرسم لافتات المحال، وأن اللافتة وحدها هي المخصصة للبيع. أوردت هذه الحكاية التي يرويها هذا الفيلسوف، قبل أن يجري القلم بهذه الكلمة، لأنها تلخص حالة الفلسفة اليوم، وخاصة في مؤسساتنا التعليمية، المادة: "مادة الفلسفة" هذا نعم، ولكن المضمون لا علاقة له بالعنوان، فكما هو ملاحظ، فقد تحولت حصص هذه المادة إلى مواضيع في الدين والعقيدة، وبالتالي صارت ملحقة بمادة التربية الإسلامية وتابعة لها، وأول ما يصادفه أستاذ مادة الفلسفة في بداية السنة الدراسية السؤال التالي: هل الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد؟ ولن نعدم من يجيب تلاميذه بالنفي، وكأنه أصاب السؤال في مقتل ووأد الفخ في المهد، ومنهم من يذكر أسماء فلاسفة مسلمين كابن رشد وغيره... وهم بهذا يجعلون من الفلسفة مادة عقائدية، وطبعا هذا ليس من ضعف حجة الأساتذة في الجواب ولا من فـيالــة رأيهم، ولكنه في غالب الأحيان الرغبة في دفع المركب إلى شط الأمان وبأبخس الأثمان، ولكن الفخ قد نصب، والسهم قد انطلق من قوسه ولن يرجع، وستستمر الحصص كلها على هذه الشاكلة: نقاشات دينية ومواضيع دوغمائية، وبهذا تتحول الفلسفة إلى أجوبة جاهزة وتقريرية ويقينية وإلى مطلقات... وهذه هي ألد أعداء هذه المادة، فالأصل في الفلــسفة أنها تساؤلات مـتلاحقة وما يكاد الفيـلسوف يظن أنه وجد جوابا حتى يـلقاه سؤالا آخر، وفي هذا الإطار يقول الفـيلـسوف كارل ياسـبرز : "إن كـلمة فيلـسوف اليونانيـة (philosophos) مركـبة بالتـقابـل مع sophos، فالكـلـمة ( فيلسوف) تعني ذلك الذي يبحث عن المعرفة، في مقابل ذلك الذي يمتلك المعرفة ويدعى عالما، هذا المعنى مازال مستمرا إلى اليوم. إن جوهر الفلسفة هو البحث عن المعرفة وليس امتلاكها (...) إن الأسئلة في الفلسفة أكثر أهمية من الأجوبة ، كل إجابة تصير سؤالا جديدا"
 )Karl Jaspers, introduction à la philosophie, pp. 10 - 11).
 هذه هي الفلسفة، بحث مستمر وأسئلة تتلاحق، ولا وجود فيها للمطلق أو الجاهز، والتفكير الفلسفي هو تفكير تساؤلي إشكالي ونقدي، فالفلسفة تدفع صاحبها إلى التساؤل ونقد الأفكار أو ما يعبر عنه بروح النقد، وهنا تطرح إشكالية حقيقية ألا وهي تدريس مادة الفلسفة والتربية الإسلامية في مستوى واحد؛ إذ كيف لتلميذ أن يجمع بين المطلق و النسبي، بين مادة تجعل كل شيء مطلقا ومادة تجعل كل شيء نسبيا، أما عندما يقرأ التلميذ درسا في مادة التربية الإسلامية موضوعه الإعجاز العلمي في القرآن فهذا معناه إعلان خطل وبطلان المواد العلمية من فيزياء وكيمياء وعلوم طبيعية ورياضيات... إضافة إلى مادة الفلسفة، والمطلوب تقديم عقل التلميذ لاستقالته.. وهناك مبدأ في الميكانيكا الكلاسيكية يقول إن الجسم الذي يخضع لقوتين لهما نفس الشدة ومنحيان متعاكسان يبقى ساكنا و جامدا في مكانه، ولربما هذا يفسر لنا لماذا العقل لدينا جامد وثابت أو بالأحرى مستقيل، وعلى ذكر المواد العلمية أتساءل لماذا لا يطرح نفس المشكل؟ لماذا لا يتجرأ التلاميذ على مناقشات دينية أثناء حصصها؟ فتتحول هذه المواد أيضا إلى ملحقات لمادة التربية الإسلامية؟ مع أن هذه المواد لو فتحت فيها مثل هذه النقاشات لما عرفت لها النهاية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تصور الكون في الفيزياء ومفهوم الزمكان النسبي عند آينشتين المخالف لتصور الكون كما في النصوص، ونظرية داروين في العلوم الطبيعية وغيرها... وإذا علمنا أن بعض التلاميذ في المرحلة الابتدائية يرفضون الغناء لأن آباءهم قد أدخلوا في روعهم أن الغناء والموسيقى حرام، ووضعنا أمام أعيننا كل أحكام القيمة السلبية التي يلصقها الإسلامويون بالفلسفة واختزالها في البحث في قضية الوجود ــــ مع أن الجانب الأكثر أهمية في الفلسفة هو البحث عن وسائل المعرفة أو الطرق والمناهج التي يتم بها التوصل إلى المعرفة وهذا ما ميز الفلسفة الأوروبية خاصة مع كانت و ديكارت، إضافة إلى الجانب المتعلق بالحرية والعدالة أو بصفة عامة كل ما له علاقة بحقوق الإنسان ـــ وذلك ناتج عن مواقفهم المعارضة للعقلانية وحقوق الإنسان، أدركنا مدى ما سيتعرض له التلميذ من شحن وضغوطات وتهييج تجاه مادة الفلسفة، عدا ما سيقوم به كثير من أساتذة مادة التربية الإسلامية وبعض أساتذة المواد الأخرى ـــ حتى العلمية منها ـــ من المحسوبين على الإسلامويين من تحريض للتلميذ ودفعه إلى تمييع مادة الفلسفة وخلق البلبلة فيها بتحويلها إلى حلقة دينية. وبعد، فبالنظر إلى ما تعرفه الفلسفة من تمييع لمواضيعها وانحراف عن مقصودها، وما جرى في الموسم المنصرم من مهازل في تدريسها في مستوى الجذع المشترك، أتساءل هل هناك نية حقيقية كي تؤدي الفلسفة دورها وتساهم في جعل التلميذ ينزع إلى النقد والتساؤل، أم أنها مجرد لافتة فقط؟ أليس أولى الشروط اللازم توفرها، كيما تحقق هذه المادة أهدافها، بعض من الجدية في التعامل مع دروسها سواء من طرف التلاميذ أوالأساتذة أو الوزارة الوصية ؟

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الأحد 21 غشت 2005