‏إظهار الرسائل ذات التسميات التسامح ومواجهة التطرف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التسامح ومواجهة التطرف. إظهار كافة الرسائل

السبت، 8 فبراير 2020

عبد الواحد بنعضرا، أخلاق الشباب... في الخطاب الديني المعاصر

أصل المقال مداخلة ألقيتها بالمقر الوطني لحزب التقدم والاشتراكية بالرباط، في إطار ندوة تحت عنوان : "الخطاب الديني المعاصر والشباب" من تنظيم الشبيبة الاشتراكية، وذلك يومه السبت 25 يناير 2020، و المداخلة كانت تحت عنوان: "أخلاق الشباب... في الخطاب الديني المعاصر". وقد قمت بنشر المقال في جريدة الأحداث المغربية في عدد يوم الثلاثاء 28 يناير 2020

أخلاق الشباب... في الخطاب الديني المعاصر

عبد الواحد بنعضرا
(باحث في التاريخ ومهتم بقضايا الإسلام السياسي)

كثير منا يتذكر الشيخ عبد الحميد كشك وخطبه... وكان مما ذكر ذات خطبة، بالحرف: "كارل بن ماركس يقول: الأخلاق قيد لا معنى له ومحمد بن عبد الله يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"... ماذا يعني ما ذكره كشك؟ يعني، ضمنيا، أن الأخلاق لا توجد لا في الماركسية ولا في غيرها، باستثناء الإسلام وما ينتمي للإسلام... مع أن عبارة "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" تهدم ما يرمي إليه كشك، فهي لا تنفي وجود الأخلاق قبل الإسلام أو في غيره، بل تقول إن النبي جاء ليتمم مكارم الأخلاق فقط. بيد أن ما ساعد كشك ومن نحا منحاه على ترسيخ هذه الفكرة في أذهان الشباب، أن كثيرا من المفكرين والمثقفين والتيارات الحاملة للقيم الإنسانية كانوا يتجنبون الخوض في الموضوع، إما باعتبار الأخلاق والدين قضية ثانوية متجاوزة، أو اعتبارا أن الدين والأخلاق مسألة شخصية تنتمي للفضاء الخاص. والحاصل أن الأخلاق تنتمي للاجتماعيات وليس للنفسانيات، فنقاشها هو نقاش لما هو اجتماعي.

طيب، نتساءل ما هي الأخلاق التي يدعي كشك وكثير من أصحاب الخطاب الديني المعاصر أنها لا توجد إلا في الإسلام؟
1ــ إذا عصرنا الخطاب الديني المعاصر وأبقينا فيه على اللازمة المتكررة مركز الجاذبية والتي يبدو كل شيء بجوارها ثانويا بين طرد وجذب... سيتبقى لنا "موضوع الجنس"، من خلال تحويل "الجنس" إلى قيمة أخلاقية وبأسلمة هذه القيمة الأخلاقية يصير الحديث عن المواضيع الجنسية حديثا في الأخلاق والدين. إنها طريقة فعالة لضرب الخصوم السياسيين من يساريين وليبراليين على أساس أنهم يحاربون الله ويسعون لنشر الدعارة والفساد. وهذا مأسميته منذ 2004 "ممارسة السياسة في الجنس"... خاصة وأن أي حركة ترفع شعارات الإصلاح والتغيير تبدأ أول ما تبدأ بالحديث عن الحريات وعلى رأسها ما يتعلق بوضعية المرأة... وإجهاضا لهذه المحاولات ووأدا لها في مهدها يتم اختزال المرأة في موضوع جنسي، وجعل كل ما يرتبط بالتعبير مجرد وسائل للإباحية والرذيلة وغرضا جنسيا.
كان مصطلح "المجتمعات الجاهلية" الذي تلقفه أصحاب الخطاب الديني المعاصر من سيد قطب، وأعادوا تدويره (recycler) لا يعني عند تدقيق النظر سوى وسم هذه المجتمعات ونعتها بأنها ماجنة داعرة مهووسة فقط بالجانب الطيني للإنسان فما كان الدين بالنسبة لهم غير محاربة هذا الجانب الطيني وردعه وقمعه... فالأخلاق لا ترتبط عندهم، بشكل كبير، سوى بالمسألة الجنسية، وبمعنى آخر يتم اختزال الأخلاق في الجنس وبعد ذلك تستمر السلسلة في تتابعها فيختزل كل أمر وكل ميدان وكل وسيلة تقف حائلا أمام أهدافهم وطموحاتهم في كونها وسيلة من وسائل الفساد والرذيلة، ويتحول كل فكر أو تيار مخالف لهم سياسيا إلى داعية إلى الإباحية والفجور. ففي كتاب بعنوان (الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب) للعضو السابق في حركة التوحيد والإصلاح: فريد الأنصاري، وقد قدم لهذا الكتاب سعد الدين العثماني.. نقرأ للأنصاري موضحا: "وأما الفجور السياسي فهو فلسفة للفجور، بممارسته ثقافة وأخلاقا أولا، ومدافعته جبهة الصلاح ثانيا، من خلال ترسيخ فلسفة الانحلال في المجتمع، وتشويه السلوك الصالح السليم، وذلك باستغلال طاقة الفجور الطبيعي في النفس الإنسانية، ودعوتها إلى التحدي" (فريد الأنصاري، الفجور السياسي، ص. 43 - 44).. حتى اللغة الفرنسية لا تعدو بالنسبة للمؤلف سوى وسيلة للفجور؛ فقال عنها: "إن اللغة الفرنسية يا سادتي ليست لغة وكفى، إنها ثقافة، بل إنها نوع خاص من الثقافة إنها ثقافة العهارة! من منكم قرأ (أمي) لجورج بطاي؟ أو قرأ (العشيق) لمارجريط دوراس؟ بل سائر رواياتها! أو من منكم قرأ ما يكتبه هذا التشيكي المتفرنس: ميلان كونديرا؟ وهلم جرا! إن الأدب الفرنسي هو في عمومه أدب العري، وأدب العهارة! بل إنه أدب متخصص جدا فيها! فما أعظم أثره إذن، كمادة صالحة للفجور السياسي" (الأنصاري، نفسه، ص. 48- 49). يتم إذن، تحويل كل شيء إلى موضوع جنسي، ويستثمر التيار الديني كل مناسبة لتحويلها إلى نقاش ديني من ناحية جنسية، وتبقى أبرز محطة لذلك هي الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، حيث نعت أصحاب العدالة والتنمية القوى اليسارية بالكفر والزندقة، ويكفي عنوان ذلك الكتاب الذي كتبه فقيههم إبان الخطة، عبد الباري الزمزمي دليلا على ذلك حيث سماه: "الجهاد الكبير في مواجهة خطة الإباحية والتغريب".

2ــ الالتباس فيما يخص المسؤولية والجزاء؛ إذ يترتب عن تحويل الأخلاق إلى موضوع جنسي، الربط بين "الذنوب" وبين الكوارث الطبيعية والفقر... فبخصوص كارثة التسونامي التي ضربت جنوب شرق آسيا، وخلفت عددا كبيرا من الضحايا، كان بينهم مسلمون من أندونيسيا، وفي خطبته ليوم الجمعة 7 يناير 2005 أكد الشيخ يوسف القرضاوي قائلا: "لنا في هذا الزلزال ثلاثة دروس مهمة أولها: أن هذا الزلزال عقوبة إلهية للمفسدين والعصاة، وثانيها: أنها تنبيه للغافلين، وثالثها: أنه ابتلاء للمؤمنين" (نقلا عن جريدة التجديد 14- 16 يناير 2005، العدد 1067). وأضاف: "إن هناك علاقة وثيقة، بل وطردية، بين الزلازل والبراكين، بل غالب الابتلاءات، وبين الظلم والإفساد في الأرض وارتكاب الذنوب والموبقات" (جريدة التجديد، نفس العدد).
في المقابل يرتبط نزول الغيث وتحقيق النماء بالتقوى والتوبة... ففي مقال لمحمد يتيم بعنوان: «اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر رحمتك واحي بلدك الميت»، نُشر سنة 2005، نقرأ ما يأتي؛ قال يتيم: "وهذا التوجه الإسلامي التلقائي عند المغاربة منطلق من عقيدتهم الإسلامية ومما يجدونه ويفهمونه من نصوص القرآن والسنة، والتي تربط بين الاستقامة والتوبة المتواصلة والاستغفار والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وبين رحمة الله وغيثه" (محمد يتيم، جريدة التجديد، فاتح فبراير 2005 العدد 1079). في المقابل نقرأ له في كتاب نشره سنة 1989 تحت عنوان: " العمل الإسلامي والاختيار الحضاري"، ما يأتي: "والسنن أو الكلمات الكونية ثابتة لا تتغير، وهي مضطردة فكلما كانت أسبابها إلا وتبعتها نتائجها. وهي ربانية أي أنها تعبر عن إرادة الله التي اقتضت أن تتصرف في الكون والنفوس من خلال سنن تمثل حكمته وتدبيره، وكونها ربانية لا تلغي إرادة الإنسان، بل إن هذه الإرادة ذاتها من أمر الله وكلماته والمؤمن يدافع القدر بالقدر" (محمد يتيم، العمل الإسلامي والاختيار الحضاري، ص. 26 - 27).
النص الأول يعني ضمنيا أن الإنسان له إرادة الاختيار ويتحمل مسؤولية اختياره... بغض النظر عن تكريس الفكر الخرافي على حساب التفسير العقلاني (كما فعل سابقا أبو حامد الغزالي)... أما النص الثاني فيمثل غاية الالتباس بالحديث عن أن ما يقوم به الإنسان مقدر عليه دون أن تكون له القدرة على الاختيار؛ وفي الآن نفسه بأن هناك قوانين يسير عليها الكون !!! هناك، إذن، تناقض: هل الأمر يرتبط بالاختيار أم شيء مقرر لا مهرب منه؟ السؤال، إذن: إذا كان كل ما يفعله الإنسان مقدر عليه لا يستطيع منه مهربا فلماذا يحاسب على أفعال لا يد له فيه ولماذا يعاقب عليها؟... والأخطر من ذلك ما الفائدة من التربية ما دام الأمر مقدرا لا تغيير له؛ إذن لا نفع للتربية في هذه الحالة؟
خلاصة الأمر عند تدقيق النظر أننا أمام صيغة مرتبكة وملتبسة من صيغ "الجبر" !!! لقد أدى تطور فكرة "الجبر" قديما إلى إهدار العلاقات السببية، فإذا كانت هذه الفكرة تسند كل الأفعال إلى الله وتنفيها عن غيره، فالسكين ــ مثلا ــ حيت تقطع فهي لا تفعل ذلك على الحقيقة بل على المجاز فالفاعل الحقيقي هو الله، وكذلك القاتل لا يقتل حقيقة بل على المجاز... فإن أبا حامد الغزالي أعلن انتفاء العلاقات السببية وعدم الاقتران بين النتائج والمقدمات وبين الأسباب والمسببات، ليس لأنه دافعه كان علميا ففهم أن تلازم ظاهرتين، بحكم العادة، لا يعني، بالضرورة، أن الواحدة سبب للأخرى بشكل ميكانيكي، كما نعلم اليوم، بل لقد دفع الرجلَ إلى ذلك رغبتُه في إنكار "الفعل الطبيعي" لأن وصف الطبيعة بأنها فاعلة متناقض مع منظور الغزالي والذي يرى بأن الله هو الفاعل على الحقيقة، فعندما تحرق النار فليست النار هي الفاعلة بل على المجاز. هكذا أعلن الرجل قائلا أن: "الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا (...) والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالا واحدا وهو الاحتراق في القطن مثلا مع ملاقاة النار، فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ونجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار" (أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص. 195). وهذا ما سماه نصر حامد أبو زيد بآلية: "ردّ الظواهر إلى مبدأ واحد". وبفضل هذه الآلية تم إيهام الكثيرين بأن شركات توظيف الأموال الإسلامية ستحقق أرباحا خيالية باليمن والبركة والتقوى، وليس باتباع قوانين السوق...  وتلك حكاية طويلة...
وبحديثي عن أبي حامد الغزالي أكون قد أشرت في الآن نفسه إلى أحد أهم روافد الخطاب الديني المعاصر، وسأكتفي بكلمات في الموضوع تغني عن الإطالة... فأقول إن الالتباس المشار إليه أعلاه، يعكس التناقض الداخلي للخطاب الديني المعاصر، ومحاولته التوفيق أو التلفيق بين مذاهب شتى ولعل أوضح ما يتجلى ذلك هو محاولته الجمع بين آراء الغزالي وابن تيمية ضمنيا أو صراحة؛ تماما كما وقع للغزالي نفسه،  واختصارا للكلام أشير للدراسة التي أنجزها الباحث المصري زكي مبارك في موضوع "الأخلاق عند الغزالي" وتقدم بها كرسالة دكتوراه نوقشت بالجامعة المصرية يوم 15 ماي 1924 وأثارت ضده سهام الناقدين وتكفير المكفرين: وكان مما قال في دراسته: "والواقع أن الأشاعرة يجنون على العقل حين يحكمون بأن التحسين والتقبيح لا يكون إلا بالشرع، فالزنا عندهم قبيح لا لضرره بل أن الشرع حكم بقبحه، وعلى ذلك لو حكم الشرع بحسن الزنا لكان حسنا" (زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي، ص. 128). ما يعني بالمحصلة أن الخير ليس هدفا في حدّ ذاته بل لأنه مأمور به من قبل الشرع، ولأنه سيكافأ عليه بالجنة، وهو ما يعني تكريس الانتهازية في التعامل مع الأخلاق. وعدم النظر في مصلحة المجتمع والدولة !! فالممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج ليست شرا لما ينتج عنها من مشاكل بل لأنها "محرمة"... والسكر وتناول الخمر ليس شرا لأنه قد يدفع بمن يقود السيارة وهو في حالة سكر إلى ارتكاب حوادث السير أو تعنيف السكران لأبنائه وأفراد أسرته؛ أي بالمحصلة إلحاق الضرر بالآخرين، بل لأنه "محرم"... فماذا إذن عن تناول الحشيش ومختلف أنواع المخدرات؟ مع العلم أن مجموعة من الصوفية في المغرب وغيره كانوا يتناولون الحشيش... نتساءل، إذن، أين هي المسؤولية تجاه الدولة... تجاه الطبيعة والكون والبيئة؟
ونعود للباحث زكي مبارك فقد لاحظ، أيضا، ما يأتي: "لا يفرق الغزالي بين كلمة فضيلة، وكلمة خُلق، فهما عنده عبارة عن هيئة النفس، وصورتها الباطنة، وأساس الفضيلة فيما يرى يرجع بعضه إلى ما أخذ عن أرسطو وبعضه إلى ما أخذ عن أفلاطون. فهو يأخذ عن أرسطو نظرية (التوسط) التي يسميها الاعتدال (...) ويأخذ عن أفلاطون نظرية المماثلة، أي مشابهة الله، فإن الله فيما يرى أفلاطون هو الوحدة التي تجتمع فيها وتتصالح جميع كمالات المخلوقات (...) وأخذ عن أفلاطون نظرية التوافق (l’harmonie) ويسميها العدل. والتوافق عند أفلاطون هو تناسب القوى والملكات لتكمل في المرء جوانبه الخلقية" (نفسه، ص. 180- 181). ومن ثمة أشار مبارك إلى ضرورة الانتباه إلى عبارة العقل والشرع عند الغزالي: "فإن الغزالي يدمج فيها التوافق والمماثلة معا، أما المماثلة فهي في لفظ الشرع، وقد وضع لهذا أخلاق الرسول ممثلة في القرآن. وأما التوافق فهو لفظ العقل، إذ يرجع كل الملكات إلى طاعته(...) والأمر كذلك في قوة العلم وقوة الشهوة. وقد نصّ في الميزان [كتاب ميزان العمل] على أن العدل عبارة عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب واستشهد بالقول المأثور: بالعدل قامت الأرض والسموات. وهذا الترتيب الواجب خاضع للعقل بالطبع، وهذا ما يراد بنظرية التوافق" (نفسه، ص. 182). ثم لاحظ الباحث: "والغزالي يُعنى في الأغلب بالفضائل الفردية، حتى لتحسبه يكتب مؤلفاته لأفراد يعيشون في عزلة وانفراد. فلو أردت أن تدخل إلى عالم السكون، لوجدت لدى الغزالي من آداب الوحدة والعزلة ما يقنعك ويرضيك. ولكنك لو أردت أن تدخل في عالم السياسة، لما وجدت لديه فكرة واحدة، يمكن أن تكون نبراسا يهتدي به الساسة من الوزراء والسفراء" (نفسه، ص. 185). وبالتالي: "انحصر الإخلاص عنده في الأمور الدينية، لغلبة هذه الأمور عليه، ولو كان الغزالي من الذين باشروا الحركات العامة، ووقفوا على الشؤون الاجتماعية، لذكر لنا ضروبا من الإخلاص في نهوض الأفراد بأممهم، وبيّن لنا كيف يتطرق الغرض إلى الأعمال الاجتماعية، وكيف تشقى الشعوب بأصحاب الأغراض" (نفسه، ص. 216- 217).
وبالتالي فالأخلاق عند الغزالي، وبالتبع في الخطاب الديني المعاصر، الذي استقى من الغزالي الكثير، مرتبطة بالفرد، أكثر من ارتباطها بالمجتمع والدولة، رغم أن الأخلاق إذا لم تختبر  بالتفاعل مع الناس لا يكون لها معنى أصلا... وبالتالي فالشاب المتخلق بالأخلاق المعيارية كما رسمها الخطاب الديني المعاصر لا يملك أي مسؤولية تجاه أعضاء المجتمع الآخرين ولا تجاه الدولة وبالتالي لا يملك حس المسؤولية تجاه المستقبل؛ إذ أن الخطاب الديني المعاصر يتعايش فيه فهم قديم للزمن وفهم معاصر له... دون أن يصل الأمر حدّ إيجاد تركيب بينهما بل وقف الخطاب الديني المعاصر في مستوى الأطروحة ونقيضها دون أن يمر إلى المستوى الموالي !!! فما زال يتمثل من جهةٍ، الزمن منقسما كما تمثلته المسيحية خاصة مع القديس أوغسطين... إلى زمان مقدس وهو الزمن الحقيقي، الزمن الإلهي الأخروي... وإلى زمان دنيوي زمن الدول والحكومات السياسية... وضمنيا فالزمان المقدس أعلى من الزمن الدنيوي؛ الزمن المقدس يسير في خط مستقيم متصل ومتعاقب، وزمن دنيوي فيه الانفصال والاتصال، يصل في كل مرحلة إلى نهايته إلى المنحدر والسقوط ليستأنف من جديد مع الإصلاح والتجديد عبر دورات، يحددّها منطق متسلسل ومتعاقب ذو اتجاه خطي كأرضية لهذه الدورات؛ ليصل هذا الاتجاه الخطي إلى النهاية الكبرى وهي الآخرة. ومن جهة أخرى، نجد ضمنيا، ولو على مضض، في الخطاب الديني المعاصر فكرة التقدم كما برزت في القرن 17 وترسخت ونضجت في القرنين الموالين 18 و19م في أوربا الغربية انطلاقا من كتابات فونتونيل وفولتير وكانط وتورغو...وما رافقها من بروز فكرة "التفاؤل" (بخصوص الزمان المقدس والزمان الدنيوي، يمكن الرجوع على سبيل المثال لكتاب: سالم يفوت، الزمان التاريخي، ص. 11- 14).
إن عدم قدرة الخطاب الديني المعاصر على الخروج من حالة التعايش إلى تركيب واضح لتمثل جديد لمفهوم الزمن يجعل المتأثرين بهذا الخطاب لا يتعاملون مع قضايا الماء والبيئة والاحتباس الحراري والتنمية... بحس المسؤولية، والأخطر من ذلك أن بعضهم يتعامل مع الأبحاث العلمية من منطق أن الحقيقة موجودة في لوح محفوظ، وهذه من موروثات علم الكلام؛ الذي عجز عن عقل الزمان، بمعنى التطور والتغير لا بمعنى الظهور بعد الكمون (عبد الله العروي، مفهوم العقل، ص. 101)، إذ لم يستطع العقل الكلامي استيعاب أن العلم هو نتيجة تطور يتوصل فيه الإنسان إلى أشياء جديدة مستحدثة لا توجد قبلا، بل ظل يعتقد أن العلم كامل جاهز موجود في لوح محفوظ، وأن مهمته تتلخص في إزالة الحواجب التي تستره وتخفيه، انطلاقا من تأويل النصوص؛ أي أن العقل مفعول به وليس فاعلا، وكأن الحقيقة موجود ثابتة وما على العقل إلا أن يبرر وجودها، وليس العكس ! ولعل عبارة عبد الصبور شاهين في كتابه عن آدم ذات دلالة في هذا الشأن؛ حيث أكّد على أنه يقدم رؤية: "تكون قد خفيت عن بصائر ذوي التمييز، ثم أذن الله سبحانه لبعض السر أن ينكشف، وللرؤية أن تنجلي، وهو ما نؤمل أن نكون قد حققناه في هذا الكتاب" (عبد الصبور شاهين، أبي آدم: قصة الخلق بين الأسطورة والحقيقة، ص. 10). وهذا على خلاف الإمكانات التي يتيحها مفهوم الزمن الاحتمالي، المنفتح على تعدد الاحتمالات والقراءات... وضرورة مواصلة الابتكار والإبداع، وأن لا شيء محسوم أو منتهي أو حتمي...
ومن ثمة فإن المتأثرين بالخطاب الديني المعاصر... لا يرون أهمية في المشاريع الدنيوية، وأن المشروع الحقيقي هو المرتبط بالآخرة... حتى الناجحين منهم في أعمالهم وأبحاثهم العلمية، ينتهي المطاف بهم في آخر الأمر إلى حالة من الدروشة أو الانعزال، أو التردد ما بين البيت والمسجد عند تقدم سنهم، كأن مهمتهم انتهت في هذه الحياة مع سن التقاعد، مع أن الأمر يرتبط بالمسؤولية تجاه المجتمع وتجاه الدولة وتجاه الإنسان نفسه (وأستحضر هنا رواية إرنست هيمنغواي "العجوز والبحر"). ما يعكس عدم استيعاب فكرة الوطن على أساس إنها إيمان بالوطن وبالمستقبل، وإيمان بأن المواطن هو جندي في معركة: معركة "التنمية"... لا ينبغي التقاعس فيها.

3ــ كل ما سبق يصل بنا إلى النقطة الآتية يرسخ الخطاب الديني المعاصر لدى الشباب المتأثر به فكرة الاثم والشعور بالذنب، فيعيش حالة توتر وقلق دائمين تجعله ينوس بين حالتين قصويين: حالة الانعزال والانكفاء أو حالة الانطلاق ليعوّض ما فاته من التخاذل ليقوم ب"تغيير المنكر"؛ هكذا نقرأ للقرضاوي متحدثا عن هؤلاء الشباب: «وأشهد لقد خالطت هؤلاء الشباب في أكثر من بلد إسلامي، وعرفت الكثير منهم عن كثب، فلم أر منهم إلا قوة في دين، وصلابة في يقين، وصدقا في قول، وإخلاصا في عمل، وحبا للحق، وكراهية للباطل، ورغبة في الدعوة إلى الله، وبراءة من الدعوة إلى الطاغوت، وإصرارا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(..) رأيت فيهم قوام الليل، وصوام النهار، والمستغفرين بالأسحار، المستبقين للخيرات، ولهذا استبشر بهم المستبشرون، وأملوا -وأملت معهم- أن يكون غد الإسلام على أيديهم خيرا» (يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ص. 136- 137). مبررا أعمال العنف التي يقومون بها وملتمسا العذر لهم؛ قائلا : «والتغيير بالقلب أن يغلي من داخله كما يغلي القدر فوق النار، وأن يحترق فؤاده على ما يرى حسرة وغما، وأن يذوب قلبه كما يذوب الملح في الماء، لما يرى من المنكر ولا يستطيع تغييره، وهذا الغليان النفسي لا يظل مكبوتا أبد الدهر، بل لابد أن يتنفس، معبرا عن نفسه بصورة أو بأخرى فإن القدر إذا زادت عليها النار، فلابد أن تنفجر أو تتكسر»(نفسه ص: 114- 115).
إن الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تلخص في حدّ ذاتها تعقد تمثل مفهوم الزمن وتناقضها في الخطاب الديني المعاصر إنها تعكس تمثل أصحابه بكونهم أفضل من الآخرين، وبأنهم أصحاب مهمة ورسالة مسيانية ألفوية يختلط فيها وتتعايش فيها عناصر عدة: فكرة المجدد، فكرة المهدي المنتظر، نهاية التاريخ، منطق التنظيم السري القديم والحديث من حسن الصبّاح إلى الفاشية... وبالتالي أنهم المسؤولون عن صلاح الناس؛ لذلك لا نستغرب إذا وجدنا النواة الأصلية لحزب العدالة والتنمية أي حركة الإصلاح والتجديد كانت تحمل اسم "الجماعة الإسلامية"  (جمعية "الجماعة الإسلامية" المغربية، الميثاق، 1989)، ولننتبه لعبارة: "الجماعة" لقد جاءت بالتعريف، في دلالةٍ إلى أنها ليست جماعة من بين جماعات أخرى في المغرب؛ بل الجماعة الوحيدة التي تمثل الإسلام في المغرب، وغيرها لا يمثل الإسلام، ما يعني بداية الادعاء والإقصاء: ادعاء مسؤولية الدفاع عن الإسلام ونفهم ذلك من كلام حسن البنا، مرشدهم الروحي، ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين بمصر، الذي قال: "فأول واجباتنا نحن الإخوان أن نبين للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقص بها ولا لبس معها، وذلك هو الجزء النظري من فكرتنا، وأن نطالبهم بتحقيقها ونحملهم على إنفاذها ونأخذهم بالعمل بها وذلك هو الجزء العملي في هذه الفكرة" (حسن البنا، مجموعة رسائل، ص. 417)، وما على الناس إذن إلا السمع والطاعة... هذا عن الادعاء أما الاقصاء فإقصاء بل قتل الآراء المخالفة ومحاربة أصحابها؛ وهذا قاسم مشترك بين حركات الإسلام السياسي كل على حدى، حيث نجد أن عبد السلام ياسين كان يصدر مجلة أطلق عليها اسم "الجماعة" هكذا بالتعريف "الجماعة".

ختاما: أتساءل: هل نحترم شارات المرور لأن الشرع أمر بذلك أم لا؟ أم لأن هناك ضررا يقع بعدم احترامها، أم لأن الأمر أولا وأخيرا فيه انضباط واحترام للقانون؟ إن أخطر ما كرسه الخطاب الديني المعاصر، ونحن في زمن الدولة الحديثة هو التخارج بين الفرد والدولة، كما نبّه لذلك الأستاذ عبد الله العروي في ما كتبه عن مفهوم الدولة ومفهوم الحرية، ومن ثم وسم الدولة بالشر ما يسهل نزع الشرعية عنها وإضعافها؛ أكّد العروي أن كل المفكرين السياسيين، الواقعيين والمثاليين، متفقون على المعادلة الآتية: الدولة الحق: اجتماع وأخلاق، قوة وإقناع؛ لذلك فإن تاريخ بلورة نظرية للدولة: "يلقننا درسا غير تافه: طالما أمسك المرء بطرفي المعادلة، بأخلاقية الدولة وباجتماعيتها، فإنه يعمل على تهذيبها؛ ومتى تخلى عن الأخلاق ساعد على توحشها. كلما تخارجت الواقعية والطوبوية تركزت السلطانية، وكلما تقاربت وامتزجت اتجهت الدولة نحو الشرعية" (العروي، مفهوم الدولة،، ص. 157 – 158).
وأتساءل أيضا، إلى أي حدّ يكون منتجا إهمال المفكرين والمثقفين والتيارات الحاملة للقيم الإنسانية مسألة الأخلاق على اعتبار أنها مسألة مرتبطة بالفرد والفضاء الخاص؟ مع العلم أن هذه المكونات عندما يتعلق الأمر بالعنف تنتقد الخطاب الديني وتناقش مسألة الإرث... رغم أن الطرف الآخر يصر أنها بالنسبة له مسألة عقيدة... إذن فالأمر متداخل.. ثم إن الطرف الآخر يعتبر أن من حقه التدخل في الفضاء الخاص للآخرين انطلاقا من فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمختلف الوسائل، فمما جاء في ميثاق حركة التوحيد والإصلاح: "ومن الوسائل المستعملة في مجال الدعوة العامة الدرس والمحاضرات والندوة والحفلات الدعوية المفتوحة والمهرجانات والزيارات والرحلات والموعظة عند الدفن وعند العيادة وفي السوق والدعوة في الحافلة وفي الوليمة..." (ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، ص. 75)!! علما أني هنا أتحدث عن المشروع المجتمعي للتيارات الحاملة للقيم الإنسانية المرتبط بالتأطير والتربية، وليس بالزمن السياسي فإني كما فعلت في مناسبة سابقة أعيد التنبيه إلى ضرورة تفادي إقحام الزمن الثقافي في الزمن السياسي.

الأربعاء، 29 يوليو 2015

الزمزمي، النهاري، الفزازي: "سوق" الفتوى والدعوة، والتهافت على حطام الدنيا ، بقلم عبد الواحد بنعضرا*


الزمزمي، النهاري، الفزازي:
"سوق" الفتوى والدعوة، والتهافت على حطام الدنيا (1/4)
عبد الواحد بنعضرا
يحفظ الكثيرون عن ظهر قلب حديث: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (البخاري، الحديث 54، وطرفه في الحديث 1 وغيرهما). من هذا المنطلق كان الأحرى بالفقهاء والدعاة أن يكونوا قدوة لغيرهم في الزهد في حُطام الدنيا، والمسارعة إلى فعل الخيرات، بيد أننا لاحظنا أنّ بعضهم أحرص الناس على "حياة". وسنكتفي في هذا المقال بثلاثة نماذج: الزمزمي، النهاري، الفزازي.
1ــ عبد الباري الزمزمي:
داعية لحزب العدالة والتنمية، سابقا، ومهموم بالبحث عن موارد العيش حاليا. كيف ذلك؟ جاء في أحد حواراته: "لم يسبق لي أن انتميت إلى أي حزب، فرغم أنني كنت أساند حزب العدالة والتنمية في بعض مواقفه، فإنني لم أكن منخرطا في أي حزب، إلى أن جاءت الحملة الانتخابية لسنة 2007 فعرض علي حزب النهضة والفضيلة الانضمام إليه، فدخلت اضطرارا، وكان الأمر يتعلق ببطاقة المرور من أجل المشاركة في الحملة الانتخابية" (الزمزمي، حوار مع صحيفة الناس، العدد 23، الاثنين 4 نونبر 2013). لماذا دخل الزمزمي مضطرا؟ ببساطة، كان الزمزمي حريصا على الوصول إلى البرلمان. ربما بغية تحسين موارد عيشه. على الأقل هذا ما نستشفه من طلبه الحصول على مأذونية؛ بعد أن فاته النجاح في الوصول مرة ثانية لقبة البرلمان: فقد برّر طلبه ذاك عند ردّه على المنتقدين بقوله: "المنتقدون لهذا العطاء لم يسألوا من قبل كيف أعيش؟ هل لدي مشاكل وأزمات مالية وظروف ضيقة وحرجة؟ لا أحد سألني هذا السؤال..." (الزمزمي، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 693، الاثنين 5 مارس 2012). ولماذا يسألونك؟ أنت اخترت أن تكون داعية فتحمّل مسؤوليتك. تُرى هل تلك الفتاوى الغريبة عن الاستمناء بالجزر ومضاجعة الأموات تدخل في باب إثارة الانتباه إليك بأنك مازلت حياً وعلى الآخرين التكفل برزقك؟ ألم تجد غير هذه الطريقة؟
  لا يتواني الزمزمي في تبرير "إسهال" الفتاوي الذي يعاني منه؛ مبرزا على أن: "المفتي من الواجب أن يجيب السائل على تساؤله (...) أن يجيب مهما كان السؤال" (الزمزمي، حوار مع جريدة الأحداث المغربية، العدد 5589، الاثنين 11 ماي 2015).  من هذا المنطلق فالزمزمي لا يتردّد في الإجابة عن كل الأسئلة عبر هاتفه / خطّه التلفوني "الساخن"؛ موضّحا: "إن معظم الفتاوى التي تصلني تكون عبارة عن اتصالات هاتفية، وهاتفي يكاد لا يتوقف عن الرّنين طوال اليوم، منذ الصباح إلى المساء، فهل أجيب أم أصمت؟ أنا أعتبر أن مسؤوليتي تجاه الدين تقتضي مني الإجابة عن كل التساؤلات التي تصلني. أجتهد وأقدّم فيها الإجابة استنادا إلى الشريعة الإسلامية" (الزمزمي، صحيفة الناس، العدد 23). بالله عليك، هل تعي ما تقول؟ لا ينقصك إلا وصلات إشهارية في القنوات المعلومة، وتستوفي الأمر من جميع جوانبه.
يا رجل، ألم تقرأ عن السلف وتهيُّبه من الفتوى؟ فقد ذكر أستاذكم القرضاوي أمثلة على ذلك قائلا: "وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره، أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يُسأل فيقول: لا أدري ! (...) وقال عمر بن الخطاب: أجرؤكم على الفُتيا أجرؤكم على النار. وقال ابن مسعود: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون" (القرضاوي، الفتوى بين الانضباط والتسيب، 1992، ص. 21 – 22).
وبالعودة إلى سبب لجوئه لطلب المأذونية برّر الزمزمي ذلك بقوله: "لم أكن أتقاضى شيئا عن عملي باستثناء راتب تافه من وزارة الأوقاف لا يتجاوز ألف درهم، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع".  وعندما سأله مستجوبه: قلت أنك لجأت إلى طلب "لاكريمة" من الملك لعدم توفرك على راتب قار، ألم يكن راتب المعاش من البرلمان يكفي؟ أجاب الزمزمي قائلا: "راتب المعاش بالبرلمان بالنسبة إلى من ترشح لدورة واحدة هو 5 آلاف درهم، أي ألف درهم عن كل سنة من مدة الولاية، لكن الولاية الأخيرة كانت معوقة أي لم تتجاوز مدته 4 سنوات أي 4 آلاف درهم تقتطع منها 600 درهم. فماذا ستكفي 3400 درهم لأسرة مثل أسرتي التي تتكون من 6 أنفس؟ إنها لا تغطي حتى 20 في المائة من حاجياتها اليومية. لذلك اضطررت إلى طلب هذا المطلب من الملك؟" (الزمزمي، صحيفة الناس).
نوّر الله بصيرتك يا شيخ، وزادك من فضله... لم نكن ندري أن الدنيا تفعل في الناس الأفاعيل ! ففيم، إذن، مطرقة الناس في مواعظكم بالحديث عن الآخرة، وعن ضرورة الزهد في الدنيا، وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنها متاع زائل وأن الآخرة خير وأبقى، محاولين إلهاءهم عمّا يقُضّ مضاجعهم من مشاكل لا تعد ولا تحصى. وها أنتم منغمسون في هذه الحياة الدنيا وفي مشاكلها، بل الأسوء والأنكى أنكم سخّرتم الدين (الفتاوى)، من جهة، والسياسة (البرلمان)، من جهة أخرى في أغراض شخصية بحثة كيما تحصلوا على رزق / حطام من الدنيا زائل، وبئس العمل هو ! ولا يفوتني أن أذكّرك أن كثيرا من الذين تعظونهم بالانصراف عن الدنيا إلى الآخرة يكدّ طول النهار، وقد لا يحصل على ما تحصل عليه من معاش البرلمان، مع العلم أن هذا المعاش لا معنى له، فالمسؤولية البرلمانية ليست وظيفة لكي يكون للبرلمانيين تقاعد.

الزمزمي، النهاري، الفزازي:
نجوم "سوق" الفتوى والدعوة، والتهافت على حطام الدنيا (2/4)
عبد الواحد بنعضرا
2ــ عبد الله النهاري:
داعية آخر لحزب العدالة والتنمية، يسخّره الحزب كما يسخر غيره، للدعاية السياسية له تحت غطاء الدين؛ فهو عضو في حركة التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية. في حوار له سأله مستجوبه: بحكم انتمائك إلى التوحيد والإصلاح هناك من يقول بأنك تستغل موقعك لدعم الحكومة الحالية؟ أجاب النهاري قائلا: "هذه الهيئات وسائل فقط ينتمي إليها الإنسان ليتعاون على الخير، ومن جملة الأهداف المسطرة في أوراقها التعاون مع الغير لخدمة هذا البلد، وليس دعم الحكومة بالمنطق البسيط الذي يعبّر عنه البعض أيضا" (عبد الله النهاري، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 1039، الأربعاء 17 أبريل 2013).
قلتَ كلمة كبيرة: خدمة هذا البلد !  شيء جميل، ولكن دعني أتساءل: هل يدخل في خدمة البلد عدم أدائك واجبك المهني، بل والتملص من مهنة التدريس؟ نقرأ للنهاري في حوار آخر: "لم أستقل من التعليم بسبب الإهمال من الناحية المادية، وإنما المسألة إيمانية وأخلاقية، حيث كنت أرى إنني لا أقوم بالواجب كما يحب الله ورسوله، فكنت أتمنى أن يخلصني الله من هذا العمل، وكنت أخشى أن تنالني دعوة مظلوم" (عبد الله النهاري، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 469، الاثنين 13 يونيو 2011).
الله أكبر ! أيّ خُلق ذاك، وأي ضمير ! كفيتَ ووفّيت. قلتَ أنك تخاف دعوة مظلوم، وأتساءل ألم تخْشَ دعوة "مظلوم" عندما شمت بسخرية في ضحايا بوركون في رمضان / يوليوز من السنة الماضية؟ قبل أن تعود لتلتف على كلامك موهما أنه قد وقع سوء فهم، حيث جاء في كلامك: "بالنسبة إليّ لا أعتبر ذلك خطأ، لكن إذا استشعر أحد الضحايا وعائلاتهم وعموم الشعب المغربي صاحب الفطرة النقية أني أخطأت، فليعذروا هذا العبد الضعيف" (النهاري، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 1424، الأربعاء 16 يوليوز 2014).
وتذكر حينها بما وصفك الزمزمي؛ نقرأ: "أكّد الشيخ عبد الباري الزمزمي أن خرجة النهاري لا يرددها العقلاء، مؤكدا أن النهاري يردّد كلام المعتوهين والمجانين ولا يجب الالتفات إليه (...) فكلام النهاري أشبه ما يكون بالتشفي، والحياة كلها مصائب وبؤس، يقول الزمزمي (...) مشيرا إلى أن الأخير [أي النهاري] ليس له علم أصلا وليس معدودا من العلماء، بل ترامى على عمل الدعاة والفقهاء، يضيف الزمزمي" (نقلا عن جريدة الأخبار، العدد 516، الخميس 17 يوليوز 2014).
وكلام الزمزمي الأخير هو مربط الفرس ! لماذا تحّول النهاري إلى داعية؟ لا يحتاج الجواب بذل مجهود كبير، يكفي أن نعرف ما كان يجمعه من حطام الدنيا في رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي كان يسبّها ذات يوم، وأوربا وما يجمعه هنا وهناك في شتى المناسبات مما يجود به "المؤمنون"، يطهّرون منه أموالهم ومشاريعهم ويبيّضون بها صفحتهم مع الله، فضلا عن الدور الدعائي لفائدة حزب العدالة والتنمية، ولا يغيب عن ذكاء القارئ أن ما يبدو ظاهريا نقداً للمسؤولين والحاكمين من قِبل النهاري ما هو، بالمقابل، إلا تبييض لصفحة حزب العدالة والتنمية سواء عندما كانوا في "المعارضة" أو عندما باتوا في الحكومة يواجهون "التماسيح والعفاريت" !
لقد واصل النهاري دأبه في عدم القيام بواجبه في عمله الجديد بعد أن غادر التعليم، حتى وصفه البعض بموظف شبح، في هذا الإطار ردّ النهاري قائلا: "هذا كلام لا أساس له من الصحة، أنا أحضر بمقر عملي باستمرار (...) وأريد أن أقول بأني أستقبل في عملي العشرات من المواطنين الذين يقصدونني للاستفسار عن بعض الأمور التي تخص شؤونهم الدينية أو الدنيوية، وهذا يدحض كل الادعاءات بكوني موظف شبح بهذه الإدارة، التي تحملت فيها مسؤولية رئيس مصلحة الشؤون الاقتصادية بحكم تكويني الذي نلتُ فيه الإجازة في الاقتصاد، وأيضا مسؤولية رئيس مصلحة التوثيق" (النهاري، أخبار اليوم، العدد 1039). أتساءل لو فعل كل واحد مثلك وحوّل مقر عمله إلى مجال للدعاية السياسية، أين سيصل الأمر: ألن تتعطل مصالح الناس؟ والأخطر من ذلك استغلالك لوظيفتك ومسؤوليتك للدعوة، ألا يعدّ قياما بحملات انتخابية سابقة لأوانها، بما أنك تقوم بالدعاية في كل وقت، لفائدة حزبك؛ حزب العدالة والتنمية؟
فوق هذا وذاك أنت مجاز في الاقتصاد مالك وللدعوة؟ ولنتصور كل صاحب اختصاص تحول عن اختصاصه لممارسة الدعوة ماذا سيقع؟ إهدار للطاقات وما أُنفق على سنوات التحصيل الدراسي. ولكن أمثال النهاري لا يحفلون بذلك، فهو مُيسّر للعب دورٍ محدّد. وها هو النهاري بكل جرأة أعلن عن رغبته في أن يتم تفريغه للدعوة: "أما الخرجات التي قمتُ بها، فإنما استجبت فيها لطلبات بعض الجمعيات المتواجدة في أوروبا، التي ينتمي إليها المسلمون من كل دول العالم، فأستجيب حسب الحاجة، وحسب ما تيسره الظروف لأنني موظف. فلو أنّني مُكّنت من إلحاقي من العمل الدعوي لكنت رهن إشارة كل المسلمين في كل العالم، حيث تأتيني يوميا دعوات من دول عديدة... فلو كنت ملحقا أو متفرغا، مثلما يحصل مع النقابيين، لخدمت ديني بطريقة أفضل" (النهاري، أخبار اليوم، العدد 469).
يا رجل ومن يكره العيش في راحة وعطالة ويتقاضى أموالا ويصير نجما، حسبه من ذلك الإتيان ببعض حركات وبعضٍ من صراخ ونطّ؟ ولكن أي صلافة هذه، ألك بسْطَة في العلم والجسم لم يؤتَها غيرك؟ أم تراك لك دالّة على الحكومة فتلبّي لك رغبتك دونا عن الآخرين؟ من أين أتتك كل هذه الثقة فتعلن رغبتك على الملأ، إلا إذا كنت قد استندت في ذلك على سوابق، في هذه الحكومة، وهذا نقاش آخر !

الزمزمي، النهاري، الفزازي:
نجوم "سوق" الفتوى والدعوة، والتهافت على حطام الدنيا (3/4)
عبد الواحد بنعضرا
3ـ محمد الفزازي:
آخر النماذج التي أتناولها في هذا المقال، هو رجل كان لوقت قريب يكفّر الديمقراطية؛ إذ اعتبر في أحد كتبه أن: "أعتى وأخطر مذاهب الكفر الأكبر في الزمن الحاضر: الديمقراطية، صنم العالم الجديد" (محمد الفزازي، الشورى المفترى عليها والديمقراطية، 1997، ص. 62). كما كان يكفّر كل ما يرتبط بها من عملية انتخابية وأحزاب؛ إذ أن: "الكفر هو الفكر المشترك بين هذه الأحزاب، وهو وقود المعترك فيما بينها، وهي تتنافس فيه وتتسابق به وعليه؛ منشرحة به صدورها، فرحة بما لديها" (محمد الفزازي، نفسه، ص. 30). ولأن الديمقراطية كذلك،  ــ فحسب الفزازي ــ : "يجب أن يُقاومها المسلمون أشدّ ما تكون المقاومة" (محمد الفزازي، نفسه، ص. 178 - 179).
هذا كان حال الفزازي بالأمس، أما اليوم فقد صار يسبّح بحمدها، ويرى فيها من المحاسن ما كان غائبا أو مغيّبا عنه في الماضي، حتى أنه شارك في استفتاء 2011، وبات يفكّر في تأسيس حزب، أو الانخراط في حزب العدالة والتنمية، حيث قال في أحد حواراته: "يمكن أن أنضم إلى صفوف حزب العدالة والتنمية إذا قَبِل بي، لأنني أجده الأقرب إلى قناعاتي، كما لا أختلف معه في توجهاته" (الفزازي، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 503، الجمعة 22 يوليوز 2011). هذا رغم أنه في محطة أخرى، جوابا عن سؤال لمجلة جون أفريك: هل عرضت عليكم بعض الأحزاب الانضمام إلى صفوفها؟ قال الفزازي: "أجل حزب العدالة والتنمية، وحزب النهضة والفضيلة، ولكنني لم أنخرط في أي من الحزبين حتى أحافظ على المسافة نفسها من جميع الأطراف" (الفزازي، حوار مع مجلة جون أفريك، نشرت ترجمته في جريدة أخبار اليوم، العدد 1343، السبت – الأحد 12 – 13 أبريل 2014). ولا ندري أي كلام الرجل أقرب للصواب !
القيام بالمراجعة شيء جميل، وهو فعلا كما قلتَ عمل محمود، وعندما يقوم به المرء فهو دليل على أنه أحس بخطأه: "كل من له أداء فكري أو منتوج علمي فهو مطالب بمراجعته وبالتراجع عنه إذا ما ظهر أنه كان خطأ، وبذلك، عندما يعلن المرء عن أخطائه، فإنه يتبرأ منها ويُعْلِم الناس أنه قد تراجع عن كذا أو كذا" (محمد الفزازي، حوار مع جريدة المساء، ح. 15، العدد 1501، الأربعاء 20 يوليوز 2011).
هذا لو تعلّق الأمر بشيء غير ما كنتم تدْعون إليه، إذ أن الرجوع عن الدعوة إلى الجهاد وتكفير الناس والدولة والأحزاب... لا يمرّ كما تمر فكرة بسيطة أو نظرية علمية، فقد تمرّ هذه دون أن يلقي لها أحد باله... أمّا تلك، فإنها تخلّف وراءها ضحايا، أولئك الذين صدّقوكم ذات يوم فكفروا بكل شيء، فمنهم من نحر و/أو انتحر، ومنهم من غادر إلى أفغانستان، في السابق وغيرها من المناطق حاليا، ومنهم من انقطع عن دراسته، بل ومنهم من ترك عمله، رغبة في الجهاد، ومنهم من خاصم أهله ورماهم بالكفر وصبّ عليهم اللعنات، ومنهم من خاصم الدنيا وعاش نابذا منبوذا، غريبا عن نفسه متنكّرا لواقعه مستلبا لزمن غير الزمن هيئة وفكراً، مَظهراً ومَخبراً... إنها أجيال ضاعت وضيّعها خطاب كخطابكم، والثمن باهظ جداً.
هذا فضلا عمّن اكتوى بنار هؤلاء فسقط قتيلا أو جريحا في العمليات الإرهابية.. وما عاناه أهل الضحايا من جرح نفسي، في هذا الصدد صرّحت سعاد البكدوري الخمال أرملة عبد الواحد الخمال وأم الطيب الخمال الذين سقطا ضحية تفجيرات 16 ماي 2003: "أن الحديث عن المصالحة وطي الملف، يجب ألا ينسيانا المأساة الإنسانية التي يعيش ويتخبط فيها العديد من ذوي ضحايا الإحداث الإرهابية الأليمة، والذين تتجدد معاناتهم وآلامهم باستمرار بسبب فقدان ذويهم الذين هم شهداء هذا البلد" (نقلا عن جريدة الأحداث المغربية، العدد 5285، السبت – الأحد 17 – 18 ماي 2014).
إنكم كنتم ترفعون عقيرتكم بتكفير كل شيء، وتخط يدكم تحريضا على من خالفوكم الرأي، وكنتم تصورون المغرب كماخور كبير، وهذا بعضٌ مما سودتم في الماضي فوق صفحات كتابكم النذير: "أليس الزنا الآن حلالاً طيبا ديمقراطيا في الفنادق، ومقدماته في الأزقة، وتكاد الفاحشة تمارس على قارعة الطريق لا فرق في ذلك بين محصن وغير محصن؟ كيف نسمي سلطات تحكم بكل شيء إلا بالإسلام؟ فلا رجم ولا جلد ولا تعزيز" (الفزازي، النذير: قراءة إسلامية لما سمي بمشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، ط. الأولى، 2000، ص. 8 – 9). ولعل من يقرأ كلامك هذا يحسب أنك كنت متبتلا منقطعا للعبادة، لا ترى فتاة ولا تأتي "الفاحشة" ! وأحسب أنك أكثر الناس معرفة أنه لو طُبّق الجلد والرجم، لكنت أكبر الخاسرين، ومع ذلك كنت تتباكي على عدم تطبيق الحدود !
ثم تناولت الخمر وغيرها، قائلا: "الخمر مثلا، هل ينازع في تحريمها مسلم؟ حتى الزنادقة لا يمارون فيها، إلا جدلا، ومع ذلك ها هي ذي تعصر وتسوّق وتمنح الرخص وفق القانون لكل من أراد فتح خمارة أو حانة لشربها في اطمئنان (...) والتبرج؟ بل والعري؟ ولا سيما صيفا في الشواطئ ــ رجالا ونساء ــ محارم وغير محارم، صغارا وكبارا من غير إنكار ولا نكير (...) ولا أريد الحديث عن الموسيقى والرقص والمسرح والسينما والرياضة، وهي مفارخ للفسق والمعصية، إنها قنوات يتسع فيها المجال للطعن في الدين بمناسبة وبغير مناسبة" (الفزازي، النذير، ص. 9 – 10).
بالنسبة للخمر، أحسب أنه يدخل في إطار مراجعتك؛ ففي معرض جواب عن سؤال: عدم تضمن البرنامج الحكومي لما يمنع مجموعة من الممارسات المحرمة شرعا من قبيل الربا وبيع الخمور والقمار؟ أجاب الفزازي: "من يدعو إلى ذلك يريد الفتنة بالأمة، وأنا أظن أن مهام العدالة والتنمية في الفترة الراهنة أكبر من كل ذلك، فالشعب لم يصوت عليه ليمنع الخمور مثلا، لأن الجميع يعرف بحرمة الخمر، وبالتالي فعلى كل واحد أن يقوم بالرقابة الذاتية على هذا المستوى لأن العدالة والتنمية لم يتم التصويت عليه ليلعب دور عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق" (الفزازي، حوار مع جريدة أخبار اليوم، العدد 658، الثلاثاء 24 يناير 2012). أتساءل تُرى هذا الجواب نابع من اقتناع وواقعية، أم لأن الحزب الذي يرأس الحكومة هو حزب العدالة والتنمية؟ من المفيد فعلا أن نرى أن الفزازي صار يفهم أن السياسة هي تدبير الشأن العام لا مجالا لنشر الدعوة، وهذه خطوة تجعل الفزازي مدافعا عن العلمانية، وهل العلمانية شيء آخر غير هذا الفصل؟ ! ولكن ما هو خطير في الأمر هو أن الفزازي كان يدعو في السابق لمنع الخمر كما رأينا أعلاه، بمعنى آخر فقد كان يثير الفتنة، وهو يعلم جزاء من أيقظ الفتنة !
أتساءل أي أزمة ضمير كنتَ تتركُها لدى المتلقي ولدى مريديك، وأنت تجعلهم يحسون بعقدة الذنب كأنهم المسؤولون عمّا وصفت من صور "الانحلال" وأن العقاب لا بد واقعٌ بهم، وهم يصدّقونك،  فأنت عندهم الصادق الأمين، الطاهر مظهرا ومخبرا؟ قبل أن يقوم أخوك؛ المقصود أحمد الفزازي، بخرجة في حوار مع أسبوعية الأيام، فذكر ما كنتَ عليه من انغماس في الموسيقى والغناء وحياة "الصعلكة" سواء في صغرك أو حتى بعد تعيينك كمعلم نواحي صفرو ورغم زواجك الأول فإنك واصلتَ حياة المجون، وبعبارة أخرى؛ كما ذكر أخوك أحمد: "أقول صراحة أن حياة أخي في تلك الفترة كانت حياة فسق ومجون وصعلكة إلى أن انتقل إلى المحمدية (شمال الدار البيضاء) أواسط السبعينيات فتم استقطابه من طرف جماعة متطرفة أظن أنها كانت تنتمي إلى مسجد النور بالدار البيضاء" (أحمد الفزازي، حوار مع أسبوعية الأيام، العدد 143، 15 – 21 يوليوز 2004).
قام محمد الفزازي بالردّ على أخيه، من خلال رسالة نشرتها "الأيام" لاحقا، فكان مما دافع به عن نفسه: "أما عن المجون والفسوق والفجور و... إلخ.. فالتوبة تجبّ ما قبلها، والإسلام يجبّ ما قبله، وأنا شخصيا كنتُ أحكي أحيانا بعض الوقائع الساقطة من سيرتي الذاتية خلال دعوتي إلى الله، طلبا للعبرة" (الفزازي، أسبوعية الأيام، العدد 149، 16 – 22 شتنبر 2004). لا أدري إن كان محمد الفزازي قد قام، فعلا في الماضي، بتوظيف بعض الحكايات من "سقطاته" من أجل الموعظة، ومتى؟ أم أن الأمر مجرّد استدراك بعد أن افتضح الأمر؟ غير أن أخاه أحمد قد وضعه بين أمرين أحلاهما مرّ؛ وهو الذي يدّعي أنه وقّاف عند النصوص، فإما أن يسكت ولا يرد وبالتالي صار في مرتبة "المنافق" إذ يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، أو أن يكشف المخبوء وفي هذه الحال فهو يجاهر بما ستره الله، انطلاقا مما رواه البخاري عن أبي هريرة: "سمعت رسول الله (ص) يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجَانة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول، يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" (البخاري، الحديث 6069).


الزمزمي، النهاري، الفزازي:
نجوم "سوق" الفتوى والدعوة، والتهافت على حطام الدنيا (4/4)
عبد الواحد بنعضرا
لقد أصبح الفزازي، اليوم، يحكي عن حياته السابقة بكل تفاصيلها، دون أن ينتبه إلى أنه يزيل عن نفسه صورة القدوة عند الشباب الذين يدعوهم، ويجعل خطابه متهافتا. ففيم الموعظة، إذن، ألا يترك لهم هم أيضا فرصة العيش كما يحلو لهم، ولعل الله يمنّ عليهم ب "التوبة" كما يفهمها الفزازي، أم أنه حلال عليكم حرام على العالمين ! فممّا ذكره: "كنتُ بعيدا عن الدين، إذ كنت مهتما بالسينما وشغوفا بالموسيقى العربية، وكان من بين النجوم المفضلين لدي هم: أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم واسمهان وفيروز، ومن المغاربة عبد الهادي بلخياط و[عبد الوهاب] الدكالي، وكنت أحب الغناء وكتابة القصائد الشعرية وكنت أحب الرسم، إذ كنت أرسم العديد من البورتريهات والمناظر الطبيعية" (محمد الفزازي، حوار مع جون أفريك). وماذا عن الفتيات؟ يقول الفزازي: "مثل سائر الشباب كنت أهتم بالفتيات، ولكنني كنت أتمتع ببعض المميزات من بينها الوسامة والذوق في استماع الأغاني وروح الدعابة" (محمد الفزازي، نفس الحوار). فكيف هان عليك أن تغرف وتعبّ من الحياة في ميْعة الصّبا وعنفوان الشباب؛ ثم تكفّر كل شيء في خطابك وتحرّم العلاقات وتتباكى أسفا على انتشار الزنا، وتحرّم الموسيقى والغناء...؟ أم أنك لا تريد أن يفوز باللذات غيرك؟
أما عن أخيه، فقد أمعن الفزازي في تكفير أخيه في رسالته تلك، مبّررا قيام والده بتوزيع تركته على إخوته في حياته؛ حيث ذكر في تلك الرسالة: "أبي قرّر في السنوات الأخيرة تقسيم تركته على ورثته حسب الشريعة الإسلامية تقسيما في شكل هِبة مسجلة ومحفّظة، وذلك بعد أن بلغ الثمانين تقريبا ودرءا لما يمكن أن ينشب من مشاجرات بين أبنائه من بعده. والأهم من هذا كله ألاّ يرث منه ولده أحمد هذا درهما واحدا، لأن ديننا يمنع التوارث بين ملتين. وهكذا قسمت التركة ولم يعط أخي إلا أصبع الوسطى. (معذرة للقراء الكرام)" (الفزازي، أسبوعية الأيام، العدد 149).
لن نتوقف كثيرا عند آخر كلام الفزازي فهو لا يليق بداعية، ولكن أتساءل هل يحق لأي كان أن يكفّر من كان، أوليس الفزازي نفسه هو القائل: "أنا ضد التكفير الذي يقوم به الأشخاص، لأن تكفير أي شخص هو من مهام المؤسسات الدينية في البلد، وخاصة المجلس الأعلى للعلماء والذي يترأسه الملك باعتباره أميرا للمؤمنين" (الفزازي، حوار مع مجلة جون أفريك). فبأي حق حُرم الأخ من نصيبه؟ وهل ستكون من باب المراجعة، إعطاء الأخ نصبيه أيضا، أم أنه عندما تكون المصلحة الشخصية والتهافت على حطام الدنيا، يتوقف الحديث عن النص إذا كان ظاهره يوحي بعكسها؟
يبدو أن الأمر كذلك، فكثير من الدعاة، يضعون "النص" جانبا إذا تعلّق الأمر، بتعطيل لمصالحهم الشخصية، فهذا الفزازي الذي تصدى للخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، قد ذكر حينها أن المرأة غير مسؤولة عن الإنفاق فهذه مهمة الرجل الأولى فهو البعل ولا فخر وهو القوّام بما أنفق ولا ضرر، أوضح الفزازي: "إن الإنفاق واجب على الرجل في حق المرأة نفسها ولو كانت غنية" (محمد الفزازي، النذير، ص. 65). ولكن تعالوا ننظر إلى الفزازي، كيف ينسى هذا الأمر؛ وقد كثر عياله ومصاريفه، نقرأ له متحدثا عن مصادر إنفاقه: "من راتبي كإمام، إضافة إلى تقاعدي كمدرس، والذي لا يتجاوز 3000 درهم. لحسن الحظ أن هناك التجارة ولعل الكثيرين لا يعلمون أنني كنت تاجرا كبيرا لزيت الزيتون، كما أنني أصبحت أشتغل في العقارات، كما أن زوجاتي من لهن راتبهن الشهري، ووالدي رجل غني ويساعدني إذا دعت الضرورة إلى ذلك" (محمد الفزازي، حوار مع جون أفريك).
نعم ! راتب زوجاته، الآن صار بإمكان المرأة أن تنفق ! ولكن ما قصة التجارة، والعقارات؟ يا رجل أهي دعوة أم تهافت على حطام الدنيا؟ أمّا أنك تاجر كبير؛ فهذا مما لا شك فيه، تاجرتَ في الماضي وتفعل أيضا اليوم؟ السؤال لفائدة من كانت تجارتك بالأمس ولمن اليوم؟ أتساءلُ هل هناك مفاجآت أخرى؟ فإني فعلا رأيت في كل هذا التاجر والمقبل على الدنيا العاض عليها بالنواجذ وما رأيت الداعية !
من مظاهر هذا التكالب والتهافت كثرة الزيجات، ونفهم لماذا جنّ جنونك، إبان الخطة، إذ لم يمرّ إلا قليل على زواجك الثاني ــ سنة 1998 ــ حتى رأيت البعض يدعو إلى منع التعدد فاستشطت غضبا وأرغيت وأزبدت؛ مؤكّدا: "طبعا، أنا هنا لست بصدد طرح فوائد تعدد الزوجات، ولا حتى المضار الجسيمة على كثير من النساء لو منع هذا التعدد (...) لنفترض أنكِ إحدى العوانس، وما أكثرهن (...) أتراكِ ترفضين زوجا ولو كان له ثلاث نسوة أخريات، على أن تبقي بدون بَعْل طيلة عمرك؟" (محمد الفزازي، النذير، ص. 47).
يحكي الفزازي عن زواجه الثالث: "وفي سنة 2012 وبعد خروجي من السجن تزوجت للمرة الثالثة بامرأة فلسطينية عمرها 34 سنة، التقيتها في القاهرة، وهي صحافية، وكانت تشتغل كمخرجة تلفزيون، وأنجبت منها طفلتين، وفي المجموع عائلتي تتكون من ثلاث زوجات و14 ابنا ولدي تسعة أحفاد" (محمد الفزازي، حوار مع جون أفريك).
وعن سؤال: هل زوجاتك الثلاث يعشن في البيت نفسه؟ أجاب الفزازي: "كل واحدة تعيش في بيت خاص بها وفي حي مختلف، أنا أعمل بمقولة فرّق تسد" (محمد الفزازي، نفس الحوار). ألا فلتعلم أن كثيرا من "المسلمين" غير قادر على زيجة واحدة، بله ثلاثة، فما بالك أن يوفر لكل امرأة منزلا خاصا بها ! هؤلاء الذين تظلون كل يوم تزهّدونهم في الحياة الدنيا وفي متاعها الزائل...
يا رجل أجبني بالله عليك ماذا استبقيت لآخرتك؟ ألم تقرأ وأنت الحريص على النص: ما جاء في القرآن: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها) الآية. (سورة الأحقاف/ 20). ألم تقرأ الروايات، المصاحبة لتفسير هذه الآية، بغض النظر عن صحتها أو ضعفها، فإننا نخاطبكم بما تدّعون الوقوف عنده، ألست القائل: "لا اجتهاد في مورد النص" (الفزازي، النذير، ص. 37). وأن: "النص مقدس" (الفزازي، نفسه، ص. 20).
ألم تقرأ ما أورده الطبري من روايات في تفسيره بخصوص هذه الآية: "ذُكر أن عمر بن الخطاب كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاما، وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي. وذُكر لنا أنه لما قدم الشام، صُنع له طعام لم ير قبله مثله، قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهو لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر، وقال: لئن كان حظّنا في الحطام، وذهبوا (...) بالجنة، لقد بايَنُونا بونا بعيدا". وما رواه عن أبي هريرة: "إنما كان طعامنا مع النبي (ص) الأسودين: الماء والتمر" (الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الجزء 26، ص. 21).
فلماذا، لا تقتدون بالرسول في صبره على المسغبة، أم أنكم لم تقرأوا: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" (الأحزاب/21).
تُرى الاقتداء به يقتصر على ما تظنّونه سنة من تقصير الثياب، واستعمال الأرك، ووضع الكحل في العينين، وحف الشارب وإعفاء اللحي، وفي نفس الوقت استعمال أحدث ما يوجد من الوسائل التقنية وركوب السيارات الفاخرة أو ما ما لفّ لفها... حتى لو بات جارك جائعا، وباتت بطون الفقراء فارغة... وأنتم تزيّنون لها ملذات الجنة ونعيمها، وتربحون الأموال على ظهورهم.
لقد نجحت العولمة الرأسمالية في تسليع كل شيء، بما فيه الدين، فصار "الدين" يباع في أشرطة ثم أقراص، ومن خلال برامج في اليوتوب والقنوات الفضائية وما يرافقها من إشهارات لمختلف السلع، مقابل مبلغ وقدره يتقاضاه الداعية والمفتي... اقتصاد السوق هذا هو الذي خلق لنا ما يمكن أن يُطلق عليه: "سوق الفتوى" و"سوق الدعوة"، ولأن من القوانين الكلاسيكية للرأسمالية واقتصاد السوق هو المنافسة من أجل الهيمنة على السوق واحتكار الزبناء، فإن كل داعية ومفتي سيتهافت على احتكار السوق عبر إغراقه بسلعته / فتاواه، لذا لا غرابة أن نرى الإسهال في الفتاوى حتى تلك الأكثر غرابة، المهم تلبية حاجيات الناس من الفتوى، حسب قانون العرض والطلب، ولا ضير أن يتراجع المفتي بعد ذلك عن فتواه، المهم إغراق السوق بفتاويه، للحفاظ على زبنائه، لذا نجد الزمزمي، يبدي عدم الرغبة في العودة لبعض فتاويه الجنسية المثيرة كفتواه بجواز مضاجعة الرجل لجثة زوجته الميتة، قائلا: "هذه فتاوى مضى وقتها، ولا أريد العودة لإحيائها من جديد، لأنها لا تهم الرأي العام في شيء ولن تحصل منها الاستفادة حتى إذا أعدنا ذكرها، فهذه الفتاوى تم السؤال عنها في سياق معين، وكذلك جاءت الإجابة عنها في ظروف خاصة " (الزمزمي، حوار مع صحيفة الناس، العدد 23). فقد حققت الغاية في حينها وهي إثارة الانتباه، من جهة، وشغل الناس من جهة أخرى في قضايا تافهة.

نختم بالقول، إن التركيز على فساد الأخلاق لدى الناس، ومحاولة شيطنتهم ثم فرض الوصاية عليهم، لا يستقيم مع تهافت الدعاة وأصحاب الفتاوي على حطام الدنيا ــ كما بينا من خلال 3 نماذج ــ، والأحرى بهؤلاء أن يراقبوا أنفسهم فيما يصدرونه من فتاوي، تشعل نار فتنة لا تبقي ولا تذر، ولعلنا نرى في قابل الأيام "الإمساك" لدى بعضهم في إصدار الفتاوي بعد فترة "إسهال" طويلة. 
* نشر المقال في جريدة الأحداث المغربية
الجزء الأول الاثنين 13 يوليوز 2015، العدد 5643
الجزء الثاني الثلاثاء 14 يوليوز 2015، العدد 5644
الجزء الثالث الأربعاء 15 يوليوز 2015، العدد 5645
الجزء الرابع الاثنين 20 يوليوز 2015، العدد 5648

الثلاثاء، 27 يناير 2015

عقيدة الولاء والبراء: أدلوجة سياسية من المودودي إلى حزب العدالة والتنمية، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

عقيدة الولاء والبراء:

أدلوجة سياسية من المودودي إلى حزب العدالة والتنمية


عبد الواحد بنعضرا
1- توطئة: الحديث عن عقيدة الولاء والبراء بمعزل عن الحديث عن مفهوم الحاكمية صعب جدا، إذ لا يمكن عزل المفهوم الأول عن الثاني لارتباطهما سياسيا، فظروف ظهور الثاني هي التي في غالب الأحيان تؤدي إلى أن يبرز على السطح مفهوم الولاء والبراء سواء عند الخوارج أو عند الجماعة الإسلامية التي ترأسها أبو الأعلى المودودي سنة 1941. قد يختلف اللفظ بين الولاء والموالاة والقومية الإسلامية، ولكن المفهوم واحد ... وسأحاول أن أظل في إطار مناقشة عقيدة الولاء والبراء دونما إغفال أن عزله عن المفهوم الآخر ليس إلا إجرائيا، إذ أن واقع الحال يلزم جمعهما جنبا إلى جنب ..

2- مفهوم الولاء والبراء تاريخيا: أدى الصراع بين القبائل العربية على موارد الثروة إلى عقد التحالفات بين بعضها - سواء من أجل الحماية بالنسبة للقبائل الضعيفة، أو من أجل خلق تكتل أقوى في مواجهة تكتل مماثل ...- ومن هنا نشأت علاقات الولاء بين القبائل، لذا سنجد أن كلمة المولى تدل في أحد معانيها في لسان العرب على ما يلي : "المولى: الحليف، وهو من انضم إليك فعزّ بعزك وامتنع بمنعتك، قال عامر الخصفي من بني خصفة: هم المولى، وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لَزُورُ" (ابن منظور، لسان العرب، مادة ولي، دار الفكر ودار صادر بيروت، 1990). بهذا المعنى، لمفهوم الولاء - ما قبل إسلامي- استعمل القرآن مشتقات لفظ الولاء للدلالة على تكتل - يضم المسلمين وحلفاءهم- يواجه تكتلا خصما، إبّان معركة ما أو توتر في العلاقات بين أطراف النزاع في المدينة؛ وصدى هذا موجود خاصة في سورتي التوبة والمائدة... ولهذا سنجد آيات أخرى تحث على مسالمة ومهادنة المسالمين غير المقاتلين؛ ولا يمكن التعسف لاستخراج دلالات أخرى لمفهوم الولاء في القرآن إلا بإهدار البعد التاريخي وعزل النصوص عن سياقها التاريخي، إذ هذه آيات جاءت في ظروف خاصة، من المفروض أن مشروطيتها تزول مع زوال هذه الظروف وإلا لماذا أباح القرآن الزواج من الكتابيات؟ فهل يُعقل أن يكره رجل مسلم زوجته المسيحية أو اليهودية ويفضّل عليها امرأة أخرى - أية امرأة- فقط لأن هذه مسلمة !! ثم أي معنى لهذه الحياة الزوجية إذا كان المفروض أن يسود بين أطرافها الحقد والكره وليس الحب والسلام ... على أن البعض يستند على الحكايات التأطيرية للآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء... بعضكم أولياء بعض... ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (المائدة/51). ولكن هذه الحكايات متهافتة لتضارب رواياتها، فمرة رويت أنها في رجلين بعد وقعة أُحُد، وفي رواية أخرى أنها تعني أبا لُبابة بن عبد المنذر حين بعثه النبي إلى بني قريظة... وإلى جانب هاتين الروايتين ذكر ابن كثير رواية ثالثة في عبد الله بن أبيّ: "وقيل نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول كما قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا ابن إدريس قال سمعت أبي عن عطية بن سعد قال جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله، فقال يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي فقال رسول الله لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه، قال قد قبلت، فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) الآيتين" (تفسير ابن كثير، الجزء الثاني، تفسير سورة المائدة، المكتبة العلمية، بيروت، 1994). وقد كفانا الألباني الدخول في نقاش حول رواية الأحاديث وحول منهج النقد في علوم الحديث، فهذا ليس مكانه، وقد سبق أن تناولت ذلك بالدراسة والنقد في مكان آخر، حيث ذكر الألباني ما يلي: "رواه ابن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت وابن جرير عن عطية العوفي وعن الزهري، وكلها مرسلات، وقد أشار ابن كثير في تفسيره إلى تضعيف نزول الآية في ابن أبي، والله أعلم -والآية من سورة المائدة : 52" (الألباني، تعليق على هامش كتاب محمد الغزالي، فقه السيرة، دار الريان للتراث، القاهرة، 1987، ص. 253). من الواضح، إذن، أن هذه الروايات قد وضعت في عصر التدوين، ومن الملاحظ على الفكر الإسلامي بأنه فكر متموج يقوم غالبا بتأسيس السابق بناء على اللاحق، واللاحق هنا هو ما قام به الخوارج بعد حادثة التحكيم وخروجهم على عليّ بن أبي طالب، وبحكم معارضتهم أصلا لمعاوية بن أبي سفيان، فقد بات الخوارج يحتاجون لوسيلة يجمعون بها من حولهم الناس وما كان يمكنهم ذلك بواسطة أية عصبية كانت في مواجهة أكبر حزبين (أو عصبيتين) بني هاشم والأمويين، لذا سيلتجئون إلى رابطة من نوع آخر وعبر قراءة معينة لنصوص القرآن تعزل هذه النصوص عن سياقها التاريخي وتجعلهم يتقمصون وضعية النبي - حسب هذه القراءة- ويتصرفون كأنهم في هذه الوضعية فعلا، وسيقصرون اسم "المسلمين" عليهم فقط، وكل مخالف لهم فهو كافر ينفون عنه الإسلام ويوجبون قتله، بل حتى لو وافقهم ولم يقم للقتال معهم فهو كافر يحق قتله لأنه لم يتولّهم - والمؤمنون بعضهم أولياء بعض-، ليس هناك بَيْن بَيْن : إما معنا أو ضدنا، لذا عرف عليهم شدتهم على كل مخالفيهم حتى كانوا لا يرحمون امرأة ولا طفلا رضيعا ولا شيخا فانيا ... ومن هنا برز مفهوم الولاء والبراء كعقيدة ظاهريا وكرابطة أساسا سياسية، والدليل على ذلك أن الخوارج كان موقفهم مغايرا تجاه النصارى واليهود والمشركين، فقد عرف عنهم تسامحهم الكبير إزّاء هذه الأصناف، لماذا ؟ لأن هذه الأصناف لم يكن لها دور - أو على الأقل دور أساسي- في الصراع السياسي الدائر بين أصحاب علي وأصحاب معاوية وبين الخوارج، لذا كان موقفهم معهم مسالما جدا حتى أنه يروى أن واصل بن عطاء - رأس المعتزلة - وقع في أيديهم فادّعى أنه مشرك مستجير، ورأى أن هذا ينجيه أكثر مما تنجيه دعواه أنه مسلم مخالف لهم... وسيكون لمعارضتهم للحزبين الكبيرين تأثير في نظريتهم عن الخلافة، إذ أنهم قالوا بأن الخليفة يصح أن يكون من غير قريش، بل يصح حتى أن يكون عبدا حبشيا... وسيعيدون قراءة التاريخ أيضا انطلاقا من مفهوم الولاء والبراء، يروي الشهرستاني: "وقد قُبِضَ على أحدهم وقدم إلى زياد بن أبيه، فسأله عن أبي بكر وعمر، فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان، فقال: كنت أتولى عثمان - على أحواله- في خلافته ست سنين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر ؟ فسأله عن أمير المؤمنين عليّ فقال: أتولاه إلى أن حَكَّم، ثم أتبرأ منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، فسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا..." (أحمد أمين، فجر الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط، الحادية عشرة، 1975، ص. 258).
بعد الضربات القوية التي وجهها الحَجَّاج للخوارج، انكسرت شوكتهم وبدأ يضمحل ذكرهم، وبالتالي ضمور عقيدتهم في الولاء والبراء، إذ من الطبيعي أن الإسلام الرسمي الأرثوذوكسي السني أو الشيعي لن يظهرها باعتبارها نظرية حزب معارض - لهما معا-، وستظل كامنة إلى أن التقط خيطها أبو الأعلى المودودي في الهند، ولا يمكن فهم آراء الرجل تجاه الديموقراطية، القومية والوطنية، وأيضا سبب تغير موقفه منها بعد ذلك إلا إذا استحضرنا الظروف السياسية والتاريخية للمنطقة... فالهند الواقعة تحت الاستعمار البريطاني كانت تضم أقلية مسلمة - ضخمة الحجم حوالي ثمانين مليونا- تشكل ربع ساكنة الهند، تنحدر من أصول هندو- أروبية (أو هندو- آرية) لا تشترك معهم فيها الهندوس إلا قطاعا صغيرا، لذا كانوا يشعرون بذاتية خاصة وميول انفصالية كحنين لدولة المغول الأكبر في شمال الهند، والتي أسسها في القرن السادس عشر بابرو أكبر وقضى عليها الاستعمار البريطاني. وبما أن حزب المؤتمر الوطني يدعو إلى إقامة دولة قومية، ديموقراطية وعلمانية - بعد أن تأخذ الهند استقلالها-، فقد رأى المسلمون أن هذه الدولة ستضر بمصالحهم، إذ أن الأغلبية فيها ستكون دائما للهنادكة الذين يخالفونهم في الدين وكذلك في العرق، باعتبار نسبة ثلاثة الأرباع للهنادكة مقابل الربع للمسلمين، وبالتالي فإن تحكم الأغلبية الهندوكية في مؤسسات الدولة قد يكون ثابتا... ومن هنا لجوء المودودي إلى عقيدة الولاء والبراء كما صاغها الخوارج وإعادة تبيئتها وإعطائها دلالة أوسع، فبعد أن كانت ولاء تجاه حزب (حزب الخوارج) ستصبح ولاء لدولة، ومرة أخرى ليس هناك بين بين، فإما دولة دينية وإما دولة علمانية لادينية جاهلية. إذن كانت حرب المودودي على الديمقراطية، القومية، الوطنية والعلمانية حربا على الدولة الهندية - بالأساس- ذات الأغلبية الهندوكية وحيث - كما رأى المسلمون- مصالح الأقلية المسلمة في خطر، إنها السياسة إذن وليس شيئا آخر... والدليل أيضا على ذلك هو لفظ "القومية الإسلامية" المعبرة عن مفهوم الولاء والبراء بعد توسيع آفاقها- من حزب إلى دولة -، وبما أن القومية: "في حقيقتها، حركة سياسية تنادي بحق كل أمة في أن تكون وحدة سياسية مستقلة" (محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، سينا للنشر القاهرة، ط. الثالثة، 1992، ص. 150-149 و133)، فإن معنى القومية الإسلامية -كما يرى العشماوي- أن تجعل من الإسلام حركة سياسية تسعى لكي يكون المسلمون وحدة سياسية مستقلة. وقد كان للمسلمين الهنديين ما أرادوا، وفي غشت 1947 أعلن قيام دولة باكستان... في كتابه عن أبي الأعلى المودودي، حاول محمد عمارة أن يبرز الفرق الكبير بين آراء الرجال والتي تختلف باختلاف الظروف - السياسية طبعا- ونبّه على جملة ملاحظات من بينها: "أن الكثيرين من قراء المودودي ومريديه - ومنهم سيد قطب- قد عزلوا نصوصه عن ملابساتها، فنظروا إليها كدِين، أو على الأقل "نظريات إسلامية" عامة، ولم ينظروا إليها كفكر سياسي إسلامي، صِيغ لملابسات متميزة وخاصة... وساعدهم على ذلك أن الرجل لم يقدم مقولاته باعتبارها: الرؤية الإسلامية لمناضل مسلم في بيئة محددة، وإنما قدمها باعتبارها : "الإسلام"؟!... ثم إن هؤلاء القراء والمريدين لم يلحظوا أن الرجل قد غير آراءه في الموضوع الواحد عندما تبدلت الظروف والملابسات - وسيأتي في هذا الكتاب ذكر لكثير من هذه النمادج والحالات-، وثانية هذه الحقائق: أن صياغات الأستاذ المودودي لكثير من مقولاته قد ساعدت على كثير من اللبس والغموض والإبهام، الذي حال دون فهم حقيقة مراميه من وراء هذه المقولات فحينا تكون الصياغات موهمة بغير ما يعنيه، وذلك بالتركيز على جانب من الفكرة، وإهمال الضوابط وعدم الإشارة إلى الجوانب الأخرى- وستأتي، في ثنايا هذا الكتاب، أمثلة على ذلك في عرضنا لفكره عن "الحاكمية" و"التكفير" - وهما من أخطر المقولات التي أشاعت وتُشيع الغلو في صفوف كثير من الشباب الإسلاميين... والحقيقة الثالثة: أن الكثيرين من تلامذة الأستاذ المودودي وأتباعه لم ينتبهوا إلى أن الرجل كان "مفكرا مناضلا – إثاريا" يكتب للجماهير، ومن ثم فلقد استخدم التحريض العاطفي مع الفكر النظري المنضبط، ولجأ إلى العبارات المجازية مع المصطلحات العلمية، وشاع جميع ذلك واختلط في سياق صياغاته نظريات سياسية إسلامية هي أشد ما تكون حاجة إلى الصياغة الدقيقة المنضبطة، لتعلقها بالإسلام من ناحية، ولما يترتب عليها من الحكم على عقائد الناس من ناحية أخرى..." (محمد عمارة، أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية، دار الشروق، القاهرة وبيروت، 1987، ص. 17 - 18). ونتساءل هل فعلا لم يفهم قراء ومريدو أبي الأعلى المودودي، أفكاره جيدا، ومن ضمنهم سيد قطب؟ أم أن الرجوع إلى الظروف السياسية والتاريخية المحيطة بأفكار قطب - مثلا- كفيلة لتوضيح المسألة؟!
بعد إقامة دولة باكستان، تعالت أصوات فيها لإقامة «إسلامستان» أي الدولة الإسلامية العالمية!!؟ وجاء ذلك تزامنا مع انتهاء الحرب العاملية الثانية وبروز معسكرين كبيرين، غربي تقوده و.م.الأمريكية، وآخر شرقي يقوده الاتحاد السوفيتي، ومن ثم كانت استراتيجية المعسكر الغربي تعتمد على الإحاطة والتطويق لحصار الكتلة الشرقية عامة والاتحاد السوفييتي خاصة بسلسلة من الأحلاف العسكرية والسياسية المتصلة الحلقات، لذا جاءت نظرية إسلامستان أو ماعرف بعدُ بجامعة دول إسلامية أو اتحاد الدولة الإسلامية، خصوصا وأن: "أطول حدود مشتركة مباشرة للاتحاد السوفييتي هي مع دول إسلامية، ابتداء على الأقل من الباكستان وأفغانستان عبر إيران حتى تركيا، هذا فضلا عن أن جسم العالم الإسلام الأساسي في مجموعه بعد هذا ظهير ضخم للكتلة الشيوعية" (جمال حمدان، العالم الإسلامي المعاصر، كتاب الهلال، 1993، ص. 199). إننا أمام مفهوم الولاء والبراء وهو يزداد اتساعا، سيصبح الولاء لكتلة كبيرة تدافع عن الإسلام ضد كتلة شيوعية ملحدة (كذا)، وليس هناك مرة أخرى بين بين! في هذه الفترة ازدحمت ألفاظ المفهوم وتعايشت فيما بينها ـ أيضا لفظ القومية الإسلامية، إلى حين طبعا- ومع الحكم الناصري في مصر سيكون التمايز أكثر وضوحا بين قسمين سياسيين: "القسم الأول منه: كان بزعامة الرئيس عبد الناصر، يرفع راية القومية العربية، ويسمي نفسه بالاتجاه التقدمي، بينما يقول خصومه إنه اتجاه علماني يوالي الاتحاد السوفييتي (يقصدون بذلك تأويل العلمانية على مايفيد مضادة الدين). القسم الثاني منه: كان يضم النُظم الأخرى التي كانت تفضل التكتلات الإقليمية بدلا من الوحدة الشاملة، وترفض الاشتراكية نظاما، ويسمي نفسه بالاتجاه الديني أو المحافظ أو التقليدي، بينما يقول خصومه إنه اتجاه رجعي يخدم الاستعمار الغربي" (محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، ص. 154). وقد ركنت السعودية لاتهام القسم الأول بمعاداته للدين، وفي هذا الإطار أنشأت المؤتمر الإسلامي ليضم جميع الدول الإسلامية، كما أسست الرابطة الإسلامية لتعمل - كما يقول العشماوي- على مستوى الشعوب الإسلامية من خلال المؤسسات المالية والتجارية ودور النشر والطباعة وبعض الفقهاء والكتاب، لذا رفض جمال عبد الناصر الانضمام إلى هذا المؤتمر الإسلامي سنة 1966، إلا أن هزيمة 1967 والتي عملت على تقويض فكرة القومية العربية، قد جعلت عبد الناصر يعود للانضمام بمصر للمؤتمر الإسلامي سنة 1969، ومن هنا يكون قد وضح لنا أسباب وملابسات آراء سيد قطب، خصوصا إذا ما قارناها بما جاء في كتابه "معركة الإسلام والرأسمالية"، فلم تكن الأولوية في هذا الكتاب للحاكمية ولا للولاء والبراء كعقيدة وحتى نظرته للانتخابات كانت متزنة - إلى حد ما-، ولكن ولأن الأمور تسير في اتجاه معقد سياسيا يتداخل فيه الدور الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين دوليا مع طموحهم الداخلي للاستيلاء على الحكم كان لزاما أن تأخذ آراء سيد قطب منحى آخر: "لم يعد وطن المسلم هو الأرض، إنما عاد وطنه هو دار الإسلام، الدار التي تسيطر عليها عقيدته وتحكم فيها شريعة الله وحدها، الدار التي يأوي إليها ويدافع عنها، ويستشهد لحمايتها ومد رقعتها (...) والأرض التي لا يهيمن فيها الإسلام ولا تحكم فيها شريعته هي دار الحرب بالقياس إلى المسلم، وإلى الذمي المعاهد كذلك، يحاربها المسلم ولو كان فيها مولده، وفيها قرابته من النسب وصهره، وفيها أمواله ومنافعه" (سيد قطب، معالم في الطريق، دار الثقافة، الدار البيضاء، ودار الشروق، بيروت والقاهرة، 2000، ص. 157).
 ما وقع بعد ذلك في عهد السادات لم يغير كثيرا في مفهوم الولاء والبراء الذي صار ولاء لكتلة كبيرة أو حلف كبير، سوى أن هذا الولاء صار وسيلة لعدد من الجماعات التي ظهرت في مصر وغيرها من أجل استدرار عطف السعودية - مع الفورة النفطية- لملء جيوبها ريالات ودولارات... وأنور السادات نفسه إذ فسح المجال لبروز التيار الديني، فمن أجل ضرب خصومه بهم أولا، وثانيا من أجل إعادة تطبيع العلاقات مع السعودية لكي تقدم مساعداتها لمصر... وبعد سقوط جدار برلين، ومع العولمة، سيأخذ مفهوم الولاء والبراء اتجاها آخر يدل على أنه - كمفهوم- يسير إلى الاحتضار - سياسيا- إذ أصبح شباب الجماعات أو بعض المسلمين يتولون كل من يعارض - ولو ظاهريا- و. م. الأمريكية، المهم أنه يظهر بمظهر المدافع عن الإسلام، وبن لادن نفسه يشدد على النصرة بين المسلمين انطلاقا من عقيدة الولاء والبراء كمفهوم هذه المرة يلتصق به لفظه..

3- الولاء والبراء عند حركة التوحيد والإصلاح/حزب العدالة والتنمية: تعد عقيدة الولاء والبراء ركيزة أساسية من ركائز الحركة/الحزب، نقرأ في ميثاق الحركة: "أما الولاء فهو خلق من أهم أخلاق الإيمان، ومن مقتضياته المحبة والنصر، قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) (التوبة/ 72) وللولاء قيمة خاصة فالله سبحانه أمر أن يكون دائرا بين المؤمنين خاصة وحصر المستحقين لهذه الموالاة في (الذين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة وهم راكعون) (المائدة/ 57). وجعل تحرير الموالاة لله ورسوله سببا في أهم أسباب الدخول في رحمته، كما جعلها شرط غلبة حزب الله" (ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، طبع طوب بريس، الرباط، 1998، ص. 29). كما هو العادة دائما، عزل للنصوص عن سياقها التاريخي، وإهدار لبعدها التاريخي أيضا، وبالمثل تقمص وضعية النبي، والأخطر من ذلك الإشارة إلى حزب الله بما يعني أن مخالفيهم - سياسيا- هم حزب الشيطان !! وحصر دائرة الولاء في أضيق الحدود - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة- مما يعني أن باقي المواطنين لا ولاء لهم حتى ولو كانوا مسلمين - إذا لم يقيموا الصلاة مثلا- فإذا تعدى الأمر إلى المواطنين المسيحيين أو اليهود، فإن الحديث هنا لن يكون إلا تحت اسم البراء، لا معنى هنا للوطن وللمواطنين، كل شيء يقاس بالدين، لذا لن نستغرب إذا ما قرأنا ما يلي لأحمد الريسوني: "فمثلا الزواج بالكتابيات جائز لا شك فيه، لكن إذا أصبح يفضي حتما أو غالبا إلى محرمات ومفاسد راجحة الاعتبار، فإن منعه والإفتاء بتحريمه في الحالات المؤدية إلى المفاسد والأضرار المعتبرة، يصبح لازما وصوابا، كما في زواج ذوي المناصب الخطيرة في الدولة بيهوديات أو نصرانيات يصبحن أداة تجسس وإفشاء لأسرار الدولة، بشكل مقصود أو غير مقصود، ويصبحن عنصر تأثير على صاحب المنصب، حيث يعي أولا يعي" (أحمد الريسوني، الفكر المقاصدي- قواعده وفوائده، منشورات الزمن (ك.ج)، شتنبر 1999، ص. 102). كلام كله عنصرية، خطير ومثير للفتنة وفحواه أن ذوي المناصب المهمة - بالأحرى- لا يجب أن يكونوا لا يهودا ولا مسيحيين، ولو كانوا مواطنين مغاربة؟! هذا معناه أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وهذه قمة العنصرية، وهذا مما يفيدنا في شيء آخر بأنه لا يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يكون حزبا مدنيا، لأنه ببساطة لا يمكن لمواطن مغربي يهودي أو مسيحي أن يصبح فيه عضوا، مادام الحزب يقوم على أساس ديني وعلى أساس الولاء بين أعضائه، جاء في ميثاق الحركة: "ومعنى هذا المبدأ أننا نرتبط في الأصل بأخوة الإسلام ومودة الإيمان قبل أن نرتبط بعلاقات التعاون والعمل المشترك داخل التنظيم، وهذا ما يجمعنا ويربطنا بسائر المسلمين الذين يجب أن نتبادل معهم الأخوة والمحبة والتناصح والتناصر" (ميثاق حركة التوحيد والإصلاح، ص. 28). يجوز إذن التناصر والنصر للمسلمين حتى لو كانوا في جزر الوقواق، ويمنع ذلك في مواطن مغربي إذا كان مسيحيا أو يهوديا! وبقي سؤال حول المنجزات الكونية والإنتاجات الأوربية والتكنولوجيا الغربية، هل هي أيضا مرفوضة برفض الولاء لأصحابها؟ أم أن لها حكما آخر؟؟ أما القول بأنها شيء وفكر أصحابها شيء فهذا وَهْم! إن العقل الأوربي وآلياته هي التي أنتجتها ولا ينفصلان أبدا، إلا إذا كنتم ستستفيدون منها وأنتم تبطنون الكره لأصحابها وهذا ما أفهمه من كلام محمد يتيم: "ومظاهره [الولاء] أيضا التشبه بالكافرين فيما كان علامة لهم وشعارا، ففي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم)، ومظاهر الولاء هذه تكون كفرا مخرجا عن الملة إذا كان الدافع إليها محبة للكفار ونصرة لهم واتباع ومخالطة وطاعة لذات الكفر الذين هم عليه، ففي هذه الحالة تصبح هذه المظاهر آثارا تعبر عما في قلب الموالي" (محمد يتيم، العمل الإسلامي والاختيار الحضاري، منشورات جمعية الجماعة الإسلامية، البيضاء، 1989، ص. 69). إن لم تكن هذه انتهازية في التعامل مع الأوربيين فماذا تكون؟! ومع ذلك لا أعلم إن كان عمر بن الخطاب وهو يتشبه بالفرس والروم في إنشاء دولته عبر إقامة الدواوين ونظام الجندية، هل كان يضمر لهم الحقد؟ لا أعلم إن كان الفقهاء وهم ينشئون أصول الفقه على أساس المنطق اليوناني (رواقيا كان أم أرسطيا) يضمرون الكره والبغضاء لأرسطو ولليونان؟ لا أعلم...

4- سؤال الختام: أما آن لمفهوم الولاء والبراء أن يزول كما زال مفهوم الجزية ومفهوم أهل الذمة، لأننا اليوم ننشد وطنا به مواطنون بما للكلمة من معنى؟ ثم كيف سيتعامل أصحاب حزب العدالة والتنمية مع قانون الأحزاب إن صودق عليه، خصوصا أن الباب الأول من مشروع قانون الأحزاب السياسية تنص المادة الرابعة منه على أنه يعتبر باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو يقوم بكيفية عامة على كل أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان؟

*نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية عدد الأربعاء 9 مارس 2005


الجمعة، 23 يناير 2015

جريدة "السبيل" أم التحريض على الإحراق والتقتيل، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



         إذا كانت جرائد الإسلاميين، عموما، تتميز بخطاب متطرف، فإن ما ميّز سنة 2005، ونحن في عز الحديث عن إعادة هيكلة الحقل الديني صدور جريدة تتميز عن غيرها بالدعوة بوضوح إلى التخلص من العلمانيين وكل المخالفين للسلفية، عبر التحريض على قتلهم مباشرة، وخصصنا هذا المقال لهذه الجريدة.

ملاحظة:
      : ردّت الجريدة على مقالي بكلام فضفاض وفي الحقيقة أكّدت الجريدة كلامي من حيث أرادت أن تدفع عن نفسها تهمة التحريض على القتل. ولأن الغاية لم تكن هي الدخول في جدل عقيم مع من لا يعرفون إلا التناحر ولا يفقهون شيئا في لغة التحاور فقد أعرضت عن التعقيب على ردهم، فالغاية كانت هي التنبيه على خطر الكلام الذين يروّج له أصحاب "السبيل" خاصة وأنها كانت توزع بأعداد كبيرة على الشباب


جريدة "السبيل" أم التحريض على الإحراق والتقتيل
عبدالواحد بنعضرا

منذ سنة وشهر خرجت للسوق جريدة أسبوعية تصدر ــ مؤقتا ــ مرة كل شهر؛ تسمى " السبيل " . من خلال تتبع مسارها في هذه المدة يمكن طرح بعض الأسئلة من قبيل: من الجهة المسئولة عن هذه الجريدة ؟ تمويلها ؟ توقيت خروجها ؟ وهل هي تنخرط في إعادة هيكلة الحقل الديني ؟  ويمكن القول بأنها تخصصت في ثلاثة أمور بالذات :
         1ــ التحريض على العلمانية واليساريين : إذ لا يكاد يخلو عدد من أعداد جريدة "السبيل"  من النيل من اليساريين والعلمانيين ونعتهم ب "اللادينيين" وبأنهم يحاربون الدين، وغيرها من الكليشيهات التحريضية والتي لا تنتظر إلا من ينفذ ويرسم صورة جديدة ل 16 ماي 2003، خاصة وهو يقرأ في هذه الجريدة : «فكيف بعد هذا يمكن أن نثق بأن العلمانيين ليسوا أعداء الدين ( ... ) فليس هناك صلاح بعد إفساد الدين، والعلمانييون اليساريون هم أعداء للعلماء منذ أن وجدوا، ورحم الله الشيخ الجليل عبدالله كنون الأمين العام السابق لرابطة علماء المغرب، فقد كان لا يترك فرصة تمرّ حتى يحذر المغاربة من سموم العلمانيين الللادينيين، وما كان أجرأه على الحق، حيث كان يصفهم على صفحات جريدة الميثاق ــ لسان الرابطة المذكورة ــ بالمرتدين والملحدين ..» (إبراهيم الطالب، ص. 6، جريدة السبيل، العدد 12، يوليوز 2006). ولا نستغرب إذا ما وجدنا الخلايا الإرهابية ما تزال نشطة وهناك إعلام يوقد نارها ويشعل فتيلها .

         2 ــ كالعادة ممارسة السياسة في الجنس:  إذ يختزل كتبة الجريدة كل الأمور في ما هو جنسي كيما يتمكنوا من ضرب الحداثة والقيم الإنسانية تحت ذريعة أن الحداثة و العلمانية وحقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة خاصة ما هي إلا وسائل للإباحية والدعارة، فتقرأ : "دعاة الدعارة وحقوق المرأة" (وهو عنوان لمقال، انظر جريدة السبيل، ص. 15، العدد 02، شتنبر 2005). ولا يكتفي هؤلاء الكتبة بالتركيز على ضرورة ارتداء الحجاب، بل يعتبرون أن المكان الطبيعي للمرأة هو البيت؛ نقرأ إذن ما يلي: «ولهذا ما حاولت المرأة المسلمة مزاحمة الرجل في اختصاصاته، أو حاولت تقديم استقالتها من البيت، و ليس هذا لأنها غبية، أو ساذجة، أو لا تتوفر على مهارات، بل لوعيها العميق بمهامها، وهي ـ بكل فخر ـ رعاية البيت بما فيه ومن فيه، انطلاقا من البرور بزوجها، ثم العناية بأبنائها وتأهيلهم ..» (العياشي قبوسي، ص. 27، جريدة السبيل، العدد 01، يوليوز 2005). وحتى لا يبقى في نفوس كتبة جريدة السبيل شيء من حتى، فإنهم لم يكتفوا بالتحريض على الحداثيين من أجل تصفيتهم وإعدامهم، بل، وحتى يشفوا ما بصدورهم من غل وحقد، دعوا أيضا إلى إحراق وإعدام مؤلفاتهم، حتى يكون الإجهاز والقتل تاما؛ جسدا وفكرا، نقرأ إذن لهولاكو المعاصر ما يلي: «قلت: والدفن والإعدام، بل والإحراق أولى وأحرى بالكتب المسمومة الطافحة بالعقارب والحيات المليئة بالشرور والمنكرات، من أمثال ما كتبه دعاة تحرير المرأة ـ عليهم من الله ما يستحقون ـ. ولعل من يؤمن بالمفهوم الحديث للحرية الفكرية في العالم المعاصر يرى هذا الموقف حيال هذه الكتب عصبية حادة وتزمتا بغيضا، ولكنه موقف صحيح بالنظر إلى مصالح الأمة المسلمة» (رشيد الإدريسي، ص. 5، جريدة السبيل، العدد 02، شتنبر 2005). وسيكون المقصود أيضا بالتهديد بعض المنابر الإعلامية كجريدة "الأحداث المغربية" والتي نالت نصيبها من هجوم كتبة "السبيل" في أغلب الأعداد السابقة، حتى أنهم خصصوها منذ العدد الأول ( يوليوز 2005 )  بمقالين، الأول ص. 8، والثاني ص. 16 و 17 (والذي تعرضت فيه للهجوم كذلك جريدة الصحيفة). وأحب أن أعيد ما كتبته ذات مقال، إذ قلت: «من الأكيد أن الفكر الحداثي لم يكن مسؤولا يوما عن انحلال أو فساد، فالرجل الذي اغتصب الأطفال وقتلهم ثم دفنهم لم يكن حداثيا ولا له أدنى معرفة بها ولا بالديمقراطية، والفقهاء الذين هتكوا طفولة بريئة في الكتاتيب القرآنية لم يكونوا حداثيين ومهنتهم تدل على ذلك، وما وقع في بعض الجمعيات الخيرية الموسومة بالإسلامية من اغتصاب للأطفال لم يتورط فيه رجال حداثيون أو يساريون... وما بدأ يظهر ويتكلم عنه بعد أن كان من الطابوهات أعني ما يسمى بزنا المحارم لم تكن الحداثة مسؤولة عليه، إنما هذه مكبوتات تطل بقرنين بارزين معلنة عن نفسها بشكل أرعن، ولكم أن تتساءلوا عن المتسبب في هذا الكبت النفسي والجسدي والفكري؟» (انظر مقالي: ممارسة السياسة في الجنس، الأحداث المغربية ، الجمعة 04 فبراير 2005).
         3 ــ  زرع الأحقاد تجاه الأديان الأخرى:  فتحتَ عنوان "تصحيح عبارة: إننا نحترم جميع الأديان السماوية"، نقرأ: «إن المقولة التي مفادها: "إننا نحترم جميع الأديان السماوية" فهذا حق، ولكن ينبغي أن يعلم القارئ أن"الأديان السماوية" قد دخلها من التحريف والتغيير ما لا يحصيه إلا الله» (ص. 18، جريدة السبيل، العدد 11، يونيو 2006). والتصحيح لتلك العبارة معناه حسب كتبة "السبيل" عدم احترام أي دين، فاليهودية والمسيحية حرفتا، و: «أما الأديان الشركية كالبوذية والهندوسية وأمثالهما فلا كرامة لها، ولا يجوز لمسلم احترامها أبدا، ولا يعني هذا سبها أو التعرض لها أمام أتباعها إن كان يخشى من مفسدة أكبر ..» (نفسه). وإذن إلّم يُخش من ضرر فيجوز سبها و و ... !! أما المبدأ الثابت ــ حسب كتبة "السبيل" ــ فهو عدم احترامها. وإذ أن الحقد غالبا ما يقترن بالفتنة فإن هؤلاء الكتبة يصرون على أنه لا فرق بين اليهودية والصهيونية، مع أننا نعرف مغاربة يهودا ينتقدون الصهيونية. فتحت عنوان "هل هناك فرق بين الصهيونية و اليهودية ؟" كتب أحدهم ما يلي: «إن علاقة الصهيونية باليهودية علاقة عضوية حيث لا تنفك إحداهما عن الأخرى، وبالتالي يمكن القول: إن الصهيونية واليهودية وجهان لعملة واحدة..» (ص. 18 ، جريدة السبيل، العدد 13، غشت 2006). وهي دعوة من طرف خفي لاستئصال اليهود المغاربة.  
ختاما أتساءل: أهذا ما يعنيه إعادة هيكلة الحقل الديني ؟

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية عدد الثلاثاء 12 شتنبر 2006