السبت، 9 أغسطس 2014

الملعونات في كتاب "النساء حبائل الشيطان" لصاحبه خريج كلية أصول الدين بتطوان، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



الملعونات في كتاب "النساء حبائل الشيطان" لصاحبه خريج كلية أصول الدين بتطوان
عبد الواحد بنعضرا


وأنا أمرّ الشهر الماضي أمام باعة الكتب أثارني عنوان كتاب وصورة صاحبه، أما الكاتب فهو شاب يرتدي بذلة "الإفرنجة" ورباطة العنق "الإفرنجية"، حليق الوجه (لا لحية ولا ذقن)، وتصفيفة شعره توحي بأنه يتبع الموضة في ذلك، وبالمقابل ونحن في القرن الحادي والعشرين نجد عنوان كتاب يحمل هذه العبارة: (النساء حبائل الشيطان)، ولما قلبت بعض الصفحات وجدت أن الكتاب حديث الصدور أي في سنة 2005 (الطبعة الأولى) وطبع بمطبعة الخليج العربي بتطوان، أما الشاب فهو من مواليد 1974 بتطوان وحاصل على الإجازة العليا من كلية أصول الدين بتطوان.
أخذت الكتاب معي وأخذت اقرأ فيه، فما وجدت فيه إلا مكرورا من الكلام ومعادا، فصاحبه يلوك كلاما أكل عليه الدهر وشرب، ويجتر معاني بليت ــ كما نحسب ونظن ــ وأصبحت هشيما تذروه الرياح، وكابدت كل المشقة وجاهدت النفس على إتمامه مع أنني في كل سطر ومع كل فقرة أحس بالغثيان وبالرغبة في القيء، وتذكرت قول المتنبي:
        ومن نكد الدنيا على الحر                         أن يرى عدوا له ما من صداقته بد
فصاحبت صفحات هذه الأكتوبة ــ على وزن الأكذوبة ــ على ما في الأمر من شدة الوطأة على النفس وجلب الكدر على الفؤاد.
إن أغلب ما جاء في الكتاب هو لعن في لعن في توعد للنساء بالعذاب الأليم. وهذا بعض كلام فاه به المؤلف في مقدمة كتابه أو أكتوبته: "إن جل النساء العربيات في هذا الزمن، متحالفات مع الشيطان مدافعات عن حقوقه (...) لقد صارت هؤلاء النساء ملعونات من الله ورسوله والناس أجمعين: أليست نامصات الحواجب ملعونات؟ أليست الواصلات لشعرهن بشعر آخر ملعونات؟ أليست الكاسيات العاريات ملعونات؟ أليست اللواتي تخرجن بغير إذن أوليائهن ملعونات؟ أليست اللواتي ترضين لأنفسهن الذل والمهانة على صفحات الجرائد والمجلات وفي الفيديو كليبات ملعونات؟... أليست اللواتي تجلسن وترفعن أصواتهن وسط حشد من المؤمنين ملعونات؟ أليست تلتصق نحورهن بالرجال في سيارات الأجرة والحافلات وفي الازدحام ملعونات؟ أليست العاريات في الشواطئ ملعونات؟ أليست المغنيات النواحات ملعونات؟ أليست البطلات من الممثلات وأغلب مقدمات البرامج ملعونات؟.." (النساء حبائل الشيطان، رؤية نقدية لواقع المرأة العربية المعاصرة، نقد مدونة الأسرة المغربية ــ نموذجا، ص. 5 – 6). 

فقد نشر "القديس" الطاهر وبحر الإيمان الهادر مؤلف الكتاب الباتر لكل صلة لنا مع الحضارة، نشر لعناته وبسطها على كل امرأة من المغنيات والممثلات، مرورا بمن يضطرهن ضيق الحال أو شظف العيش أو عموما من لا تملك سيارة إلى الازدحام في الحافلات أو سيارات الأجرة، وصولا إلى النقابيات والبرلمانيات حيث كتب عنهن: "أما تلك المرأة المترجلة التي تتعلم من أجل الخروج من منزلها للوقوف بين الرجال في المنابر والفضائيات والبرلمانات والنقابات والاجتماعات فهي ملعونة لقول رسول الله عن أبي هريرة: لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" (نفسه، ص. 12).
وأتساءل إن قمت بالقياس على ما ذكر وقلت له أن هناك رواية تروى عن النبي بأنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم)، ماذا عساك أن تفعل وأن تحلق وجهك وترتدي رباطة عنق وبذلة "إفرنجية" ــ والعياذ بالله ــ أتراك صرت من الإفرنجة "الكفرة" وبدلت دينك وارتضيت مذهبهم وعقيدتهم لك سلوكا؟
هون عليك فما قصدت لعنك ولا تعزيرك، إنما هي دعابة مثل دعاباتك الثقيلة ولغوك في أكتوبتك العجيبة والتي لفت انتباهنا فيها إلى ما يقض مضجعك ويثير مخيلتك ويملك عليك سحابة نهارك وبياض ليلك، ويأخذ بمجامع قلبك أنت وأمثالك من خريجي التعليم الديني، إذ صرحت بـ: "أننا نعيش في زمن رديء يطغى عليه هذا الصنف من النساء، نساء متبرجات كاسيات عاريات صدورهن عارية، متنمصات الحواجب، أفخاذهن عارية، لباسهن ضيق وشفاف، صابغات شعورهن، متمايلات في مشيتهن رافعات أصواتهن في الفضائيات والنقابات والبرلمانات والجمعيات وفي الشوارع" (نفسه، ص. 19). فما أدراك بكل هذا لو لم تكن تطيل النظر إلى الرخام الأنثوي من صدور وأفخاذ وتستمتع برؤيتها وتتشوق لمعانقتها، وقد خرج المؤلف بوصف جديد لكل المدافعات عن حقوق المرأة حيث نعتهن مرارا بعدوات الله، ومن ذلك كلامه: "وجاءت مدونة الأسرة المغربية مستجيبة لشهوات ورغبات هؤلاء المتبرجات من النساء عدوات الله ورسوله والمؤمنين جميعا.." (نفسه، ص. 26). وأيضا كلامه عن أن: "هؤلاء النساء عدوات الله ورسوله تسعين إلى انسجام بنود مدونة الأسرة المغربية مع المواثيق الدولية.." (نفسه، ص. 27).
ركّز المؤلف في نقد مدونة الأسرة على نقاط جرى حولها الخلاف سابقا كرفع سن الزواج والولاية والقوامة، وبطريقة سمجة وأسلوب فج، فرأى أن: "رفع سن الزواج إلى 18 سنة (...) لدى الفتاة المغربية معناه تشجيعها صراحة على الزنا والبغاء بدب تحصينها وعفافها في سن مبكرة، حسبنا الله، نعم الوكيل" (نفسه، ص. 29). وسأكتفي بسؤالك في حالة ما إذا ولدت لك بنت مستقبلا وسهرت على تربيتها وتعليمها، إلخ، ثم جاءك خاطب لها وهي مثلا في سن الرابعة عشر ماذا ستفعل؟ وحذار من المراوغة فبما أنك ملأت أكتوبتك بنوص كثيرة فدعني أذكّرك بمروية تحكى عن النبي بأنه قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، وإلا تكن فتنة...). فماذا ياتراك تكن فاعلا هل ستزوج طفلتك ذات الرابعة عشر ربيعا فقط؟ سنرى وسننتظر وإن غدا لناظره لقريب.
وتناول مسألة الولاية وخلص إلى تساؤل ساذج: "يا ترى كم من نكاح باطل سوف تشهده الأيام المقبلة" (نفسه، ص. 29). وإني لأستغرب أن يكون واحد من خريجي كلية أصول الدين يجهل رأي أبي حنيفة في الموضوع، هذا عن الرأي الفقهي !! أما دون ذلك فإن طرح الموضوع من أساسه يثير الشفقة على المؤلف والرثاء أكثر مما يبعث على السخرية والضحك، لم لا والشاب المؤلف الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين ويتزيا بزي "الإفرنجة" يصر ويدندن حول القوامة، وبالنسبة له: "فالزوج المسلم هو الذي يعُول وينفق وحده والمرأة تقوم بأشغال البيت" (نفسه، ص. 31).
والقوامة بالنسبة إليه تأخذ كل الأبعاد التي ترضي مرضى النفوس، ففي فصل حول القوامة كان يستشهد بنصوص تجيز للرجل لطم زوجته بما معناه أن هذا من القوامة أي وجوب تأديب الرجل لزوجته والأخذ على يدها، ثم ينصح المؤلف الشاب النساء بما يلي: "ويا أيتها النساء كن طائعات لأزواجكن لأن طاعة الزوج من طاعة الله وإلا فالويل لكن من عذاب الله تعالى يوم القيامة، ولن تنفعكن الأفاعي ولا مكائد الشيطان، واعلمن أن جهنم سوف تستعر بكن" (نفسه، ص. 119).
ثم يخصص فقرة، هي الطامة الكبرى وثالثة الأثافي والديار البلاقع، فقرة تحمل عنوان: "جواز ضرب المرأة في الإسلام"، يستعرض فيها المؤلف الشاب تفسيرات ابن كثير والجلالين والطبراني والقرطبي، وتتلخص كلها في ما يلي: "أمر الله أن يبدأ (الرجل) النساء بالموعظة أولا ثم الهجران فإن لم ينجعا فالضرب هو الذي يحملها على توفية حق" (نفسه، ص. 124).
إن قضية ضرب المرأة وأيضا ما حوته ثنايا الأكتوبة من نصوص تحقر شأن المرأة وتزري بقدرها من أمثال تلك النصوص المنسوبة للنبي حينا ولعلي بن أبي طالب حينا آخر والتي تقول بأن النساء ناقصات عقل ودين ــ والتي رددها المؤلف الشاب مرارا في طيات أكتوبته ــ، إن هذه المسائل تثير بإلحاح ضرورة فرض عقوبات على كل من يدعو إلى تحقير المرأة وإهانتها وممارسة العنف عليها سواء العنف الجسدي أو اللفظي... وفي خاتمة أكتوبته يدعو المؤلف الشاب الحكومات لمنع الاختلاط، ويدعو النساء للزوم بيوتهن، ويذكر كل امرأة منهن بما يلي: "واعلمي أن أكثر النساء ملعونات من الله ورسوله والناس أجمعين" (نفسه، ص. 145). وإن كانت المرأة تريد أن تدخل الجنة فما عليها حسب المؤلف الشاب إلا أن تطيع زوجها.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن الحول الذي أصاب فكر هذا الكاتب الشاب جعله يعتبر تاريخ النضال النسائي للمطالبة بحقوق المرأة تاريخا لـ: "حركة تبرج المرأة" كما جاء في عنوان إحدى الفقرات.
إن هذه الأكتوبة تذكّرنا بأكتوبة المدعو فريد الأنصاري والموسومة بـ "الفجور السياسي" وهما معا تدخلان في ما أسميته من قبل (ممارسة السياسة في الجنس) بالنسبة لفقه الأزمة، أو (لممارسة السلطة عبر الجنس) في فقه التخلف، وطالما ظل المجال السياسي ملتبسا ومختلطا أو فاتحا كوة للتوظيف السياسوي للدين فسنظل نشاهد ونقرأ لهذه الكتابات التي تمارس الاستمناء الفكري.
وبعد، فإنني أطالب أولا بالمتابعة القانونية لمؤلف كتاب "النساء حبائل الشيطان" الصادر سنة 2005، وأدعو جميع المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان عامة وقضايا المرأة خاصة للتصدي لهذا الأمر، إذ لا يكفي توعية الناس بالحقوق إن لم تواكبه ترسانة قانونية وتطبيق لهذا القانون وردع وزجر ومعاقبة الداعين لتحقير شأن المرأة وممارسة العنف عليها.
ثانيا: أتساءل عن الدور الذي يقوم به المسؤولون عن الحقل الديني بالمغرب إزاء ما تقوم به كلية أصول الدين بتطوان من تكريس للتطرف والانغلاق.
وثالثا: أدعو كل المثقفين والمتنورين الذين يبحثون عن تبرير لوضعية جديدة للمرأة، انطلاقا من تأويلات معينة للنصوص، من إعادة النظر في هذا الأمر لتفادي المغالطات التاريخية والدوران في حلقة مفرغة وفتح الباب أمام التأويل والتأويل المضاد.

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية، يوم الأحد 8 يناير 2006.        
  

الجمعة، 8 أغسطس 2014

"الصينيون المعاصرون" وجهة نظر صينية، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



"الصينيون المعاصرون"
وجهة نظر صينية
عبد الواحد بنعضرا
وأنا اقرأ بداية الاهتمام بتشكل الذات الصينية من كتاب "الصينيون المعاصرون: التقدم نحو المستقبل انطلاقا من الماضي" لمؤلفه الصيني وُو بِن ( ج1، ص، 26 ) تبادر إلى ذهني تساؤل حول ماهية الذات المغربية، وإلى أي حدّ من الممكن المقارنة بين المسار المغربي والصيني، عوضا عن المقارنة المغربية اليابانية ! يقول المؤلف: « وفي أثناء حرب الأفيون [1840 – 1842] والفترة التاريخية التالية لها، اقتحم الإمبرياليون بوابة الصين القديمة بالمدافع، وهزوا بعنف التركيب النفسي لدى الصينيين في الاعتماد على الثقافة التقليدية، وتسببوا لهم في إحداث جرح عميق لكرامة الأمة والثقة بالذات والصورة النموذجية القائمة على المفهوم التقليدي للثقافة. وغرق الصينيون في حالة من الشعور بالقلق والهم لم يعرفوها من قبل، وفقدوا التوازن النفسي الاجتماعي بصورة خطيرة، وفي الوقت الذي كانوا يبحثون عن مخرج لإنقاذ الأمة من الاضمحلال ومحاولة البقاء، كانوا يبحثون أيضا في عجالة عن مواطن النقائص والعيوب على وجه التحقيق، وبدأوا في محاسبة النفس بدقة واستجوابها. ومن هنا بدأ التعريف بذات الأمة الصينية، ولذا كانت تحمل تلك الذات في طياتها منذ البداية الواقعية المباشرة ونكهة مشاعر الحزن العميق، ومن ناحية أخرى، تعد حرب الأفيون السلسلة الأولى من الهزائم التي جعلت الكثير من الحكماء الصينيين من ذوي النظر البعيد يدركون أن ذلك ليس هزيمة في المجال العسكري فحسب، بل إنها " هزيمة كبرى " للثقافة الصينية التقليدية أيضا » ( نفس الصفحة ). في نفس الفترة، أيضا، تعرض المغرب لهزيمة في معركة إيسلي  (غشت 1844)، أمام قوة غربية هي فرنسا. يهمنا هنا ردة فعل الصينيين تجاه الحدث، حدث الضغط الاستعماري الغربي الذي فرض نفسه بقوة (تم توقيع اتفاقية نانكين التي فتحت الموانئ الصينية أمام البضائع الإنجليزية). ركّز المؤلف، في عدة صفحات ( من بينها ص، 28 وما بعدها، ج1 ) على  حركة 4 ماي 1919، والتي دعت إلى "الإطاحة بدار كونفوشيوس" ومن بين زعمائها تشين دوشيو، لي دا جاو، لو شيون... والذين دعوا إلى معارضة التقاليد والمذهب الكونفوشيوسي خاصة. في مقابل حركات أخرى رافضة لكل ما هو غربي من بينها حركة يي هتوان، وهي حركة محافظة ومقاومة للتغيير: « وبالنسبة لحركة يي هتوان، كانت البضائع الأجنبية تعد أقوى الشرور، مثل المصابيح الكهربائية الأجنبية، والفناجين الخزفية الأجنبية، وكان مؤيدو هذه الحركة يستشيطون غضبا عند رؤيتها، ويرون أنه يجب تحطيمها حتى يشعروا بالغبطة. وكانوا يتجولون في شوارع المدينة، وعندما يشاهدون بائعي البضائع الأجنبية أو الذين يرتدون الملابس المحبوكة والأكمام الضيقة، أو يشاهدون نماذج الأشياء التي على الطراز الغربي، أو المكتوب عليها بالحروف الأجنبية، فإنهم يحطمون تلك الأشياء ويقتلون الأشخاص » ( ص، 241 ). كذلك ظهرت حركة الشؤون الأجنبية، والتي كانت تقول: « التعليم الصيني هو الجوهر، والتعليم الغربي من أجل المهنة » ( ج1، ص، 194 ــ 195 ). وعموما، لاحظ المؤلف بكون الحركات التي ظهرت في النصف الثاني من ق 19 لا يعدو أمرها إما الدعوة للحفاظ على هيكل قديم أو لتطور سطحي.
في المغرب كانت، لدينا، أيضا ردود فعل متباينة تجاه الغرب، ويمكن الاستئناس ببعض الرحلات السفارية؛ حيث نستشف في نفس المتن الرحلي، أحيانا، ولنفس المؤلف مواقف متعددة تنوس بين الرفض والقبول والتردد !
ولا يفوت المؤلف الإشارة إلى أن الصين قد أصابها الضعف قبل أن تصل إليها القوات البريطانية ( ج1، ص، 170 ). وكذلك الحال بالنسبة للمغرب قبل إيسلي، فقد كان يعيش الاستقرار في ظل الانحطاط، كما يقول البعض.
ركّز الكاتب في عدة فصول على أن تحديث الإنسان هي الوسيلة الحقيقية لتحديث الصين، فهي عملية موازية للعملية الأممية، من ذلك مثلا قوله: « ولقد أظهرت العديد من الدراسات أن البشر أهم عامل في حركة التحديث، وإذا لم يتم تحديث البشر يكون من المستحيل تقريبا تحديث العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة » ( ج1، ص، 42 ). مع التأكيد أن الفهم الصيني للتحديث مازال سطحيا ( ج2، ص، 37 ). وينبه المؤلف إلى القلق الذي ينتاب الصينيين جراء التغيرات السريعة، من خلال حديثه عن سرعة التغييرات في الدول المتخلفة ومحاولة قطع مئات السنوات من التطور الغربي في فترة وجيزة، أي حرق المراحل: « يفتقر الصينيون إلى الاستعداد النفسي والمعرفي الكافي تجاه تلك التغييرات المطردة وواسعة النطاق. ويشعر الناس عادة بالحيرة إزاء التغييرات الحالية، ويحتاجون إلى فترة يستطيعون خلالها فهم واستيعاب طبيعة التغييرات الاجتماعية الهائلة ومضمون ثقافتها. وجسد ذلك النقص السيكولوجي المتجمد، أحد التناقضات العميقة في الثقافة الصينية الحديثة... » (ج2،  ص، 62 ). ومن ثم كان البحث عن تعويض الهزيمة الثقافية والحضارية والعلمية بنصر رياضي ( ج2، ص، 72 ) كتعبير عن حالة الاغتراب النفسي. ويعتبر المؤلف عدم الاستقرار الاجتماعي في الفترات الانتقالية مرحلة لا بد من المرور منها: « إن مرحلة عدم الاستقرار الاجتماعي هي فترة تاريخية وحلقة متوسطة لا بد من اجتيازها في الانتقال من استقرار المجتمع التقليدي إلى أقصى درجات استقرار المجتمع الحديث، وبالتالي يتحقق التحول الرئيسي في الطبيعة الاجتماعية » ( ج2، ص، 76 )
وبعد، فقد نشر هذا الكتاب سنة 1992، وطبعت ترجمته إلى العربية سنة 1996 (سلسلة عالم المعرفة في جزأين). واستطاع الصينيون اجتياز مجموعة من المراحل، وتشير المعطيات إلى أن الصين، ستصبح قريبا القوة الاقتصادية الأولى في العالم، تليها الولايات المتحدة الأمريكية ثم الهند. ما لم يحدث أمر يقلب المعطيات رأسا على عقب، ويؤكد أحد الباحثين في الاقتصاد (lee Jong-Wha)، أن استمرار التقدم الصيني وباقي القوى الآسيوية رهين بمجموعة من العناصر، على رأسها بناء وتعزيز المؤسسات الضرورية لتسيير الاندماج الجهوي بين الدول الأسيوية (L’économiste, N 27 Septembre 2013) .
فإلى أي حدّ نستطيع، نحن أيضا الخروج من الماضي إلى المستقبل، وتجاوز سوريالية وضيق ثنائية الأصالة والمعاصرة إلى رحابة تعددية المعنى؟ أم أننا سنعيد تكرار ما خلص إليه البعض من خلال المقارنة مع اليابان: تشابه المقدمات واختلاف النتائج؟ 

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية، في عدد السبت/الأحد 29 - 30 مارس 2014

من قصور الشاه إلى سجون الثورة الإيرانية رحلة مع حسن ناراغي، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



من قصور الشاه إلى سجون الثورة الإيرانية
رحلة مع حسن ناراغي

عبد الواحد بنعضرا
عندما تحدث لي أخي عبد اللطيف بنعضرا والرفيق عبد الرحيم تافنوت عن هذا الكتاب، أول مرة، ركزا على رجال الدين الإيرانيين وانقلابهم على حلفاء الأمس من التيارات اليسارية ونكبهم إياهم. عندما قرأت الكتاب اكتشفت فيه أشياء أخرى. 
الكتاب عبارة عن قسمين كبيرين، يتضمن القسم الأول حوارات أجراها مؤلفه، وهو عالم اجتماع ويترأس مركزا للعلوم الإجتماعية بإيران، مع الشاه في أيامه الأخيرة. أما القسم الثاني فهو مذكرات المؤلف في سجون إيران بعد "الثورة الخمينية".
وأنا أقرأ كتاب من قصور الشاه إلى سجون الثورة (Des Palais du Chah aux prisons de la révolution)  يتأكد لي مرة أخرى أن الحركات المعارضة في المغرب لم تكن تمارس معارضتها على أرض الواقع المغربي، بالمقابل يظهر أن الحسن الثاني، كان يمارس دوره كملك للمغرب، لذا كان أكثر فعلا على أرض الواقع وأكثر تأثيرا، بينما كانت المعارضة تمارس دورها لا كمعارضة في أرض مغربية بواقع مغربي، ولكن كمعارضة هلامية يمكن أن تكون في روسيا القيصرية أو فرنسا، أو أمريكا اللاتينية أو أي مكان آخر إلا المغرب، ولذا كان فعلها أقل، وتأثيرها هامشي. وإذا استعرنا من الأستاذ عبد الله العروي عبارة "لا دولة الخلافة" فيمكن أيضا أن نتحدث عن "لا دولة الاشتراكية" و"لا دولة الشيوعية"، إنها نفس الطوبي، والنتيجة هي الفعل خارج التاريخ.


أقول هذا الكلام وأنا أرى كيف استفاد الحسن الثاني من تجربة الشاه ومن علاقته به، وأحسب أنه أيضا استفاد من هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والصادرة طبعته الأولى هذه سنة 1991، وللمصادفة فهذه الفترة تميزت بالحوار مع الكتلة الديمقراطية.
 كثير من القضايا طرحها ناراغي مع الشاه ابتداء من قضية أسلمة الشباب، مرورا بالجمع بين الثروة والسلطة، واستغلال أسرة الشاه للنفوذ لاحتكار الصفقات والشركات والسطو على الممتلكات العامة، تسمية المؤسسات والمنشآت بأسماء أسرة الشاه، تضييع الفرص كلما سنحت الفرصة لتدارك الأخطاء من طرف الشاه، قضية يسود الملك ولا يحكم (Le souverain doit régner et non gouverner)، مشكل التقنوقراط الذين يجيبون عن الأسئلة المطروحة ويفتقدون القدرة على المبادرة والإبداع، لذا يفتقدون لرؤية شاملة وعميقة، فقد تحل أجوبتهم المشاكل مؤقتا، ولكنها تؤدي لكوارث على المدى المتوسط والبعيد. الحديث عن المعتقلين السياسيين، عن الحريات ، عن العلاقة بين السياسة والدين، المؤسسة العسكرية، قضية الأمن، الهوة بين الفئة المتنفذة وفئات المجتمع المسحوقة، العلاقة مع القوى الغربية... وغيرها من الأمور العديدة...
عندما أستحضر  تجربة العدل والإحسان، وكيف حاول عبد السلام ياسين النسج على منوال الخميني، أنظر إلى اختلاف المذهب المنتشر في المغرب وإيران، ففي إيران طبيعة المذهب الشيعي تجعل الإنسان الإيراني يتشوف للنموذج الكامل نموذج المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا ونورا، وهو ما يجعل المذهب الشيعي ــ حسب المؤلف ناراغي ــ مذهبا صالحا للثورة خاصة مع مجهودات علي شريعتي الذي نظّر لرؤية جديدة للتدين تجمع بين خصائص المذهب الشعي وحركات التحرر العالمثالثية، وهو ما استفاد منه لا حقا فقهاء الحوزة بقم... لينبه ناراغي الشاه إلى أنه محاصر بين نموذج علي بن أبي طالب ونموذج المهدي المنتظر، لأقول بأن العدل والإحسان أيضا كانت ومازالت تفعل خاج الزمن خارج التاريخ. بل إن من أعطاب حركة 20 فبراير الأساسية هو الفعل خارج الواقع المغربي، واللعب في الهامش لا حقا.
لذا أقول أنه من المفيد للسياسيين قراءة هذا الكتاب، مع استحضار شيء أساسي أن التاريخ لا يعيد نفسه أبدا.

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الأربعاء 4 دجنبر 2013 
وأعيد نشره بنفس الجريدة عدد السبت/الأحد 14 - 15 دجنبر 2013

نظرات في كتاب "قداس السقوط" لأحمد دلباني، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



نظرات في كتاب "قداس السقوط" لأحمد دلباني

عبد الواحد بنعضرا

أتناول في هذا المقال كتاب الكاتب والشاعر الجزائري أحمد دلباني، الموسوم ب"قدّاس السقوط: كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي"، الصادر عن دار التكوين للتأليف وللترجمة والنشر، دمشق، 2012. وهو عبارة عن مجموعة مقالات قبيل وإبان انطلاقة الربيع العربي، وإلّم يوضح صاحبها هل نشرت جميعها، بالتواريخ المشار إليها، أم أن الأمر يتعلق بتاريخ كتابتها... ابتدأ المؤلف بالتهليل للعهد الجديد، وانتقد الدور السلبي للمثقفين في الحراك العربي.

ينْظم هذه المقالات خيط جامع، ينطلق من كون الاكتفاء بإسقاط النظام،غير كافي لأحداث التغيير المنشود، إذ لا يكفي إزالة رئيس دولة من مكانه ما لم يصحب ذلك تغيير في بنية النظام: "دون ذلك لن تكون الانتفاضة ثورة وإنما زلزالا اجتماعيا يفتقر إلى هاجس التخطي والتجاوز ويفتقر إلى الحلم الإنساني الأعمق بالتحرر الشامل. الثورة، جوهريا، ليست حِراكا فحسب بقدر ما هي تحرّك نحو واتجاه إلى. إنها هدف معلن واعتقاد عميق بصداقة التاريخ لشرعية المعنى الذي يعتق الإنسان من تفاهته في الغبار الكوني، ويمنح وجوده جدارة لا تتحقق بغير الوعي والحرية" (ص. 25)؛ حيث يلحظ أن من المشاكل التي عاشتها المجتمعات العربية منذ الاستقلال استمرار نفس النظام الحاكم المستبد حتى في وجود أحزاب تدعي تحرير الإنسان، ــ حزب البعث نموذجا ــ ، والأمر لا يقتصر على طبيعة الحاكم المستبد فحسب، بل إن المعضلة في المجتمع ذاته الذي ألِف وجود "الأب"؛ إذ يتعلق الأمر بحاجة هذه المجتمعات لهذا الحاكم/المخلّص/المهدي المنتظر: عبد الناصر/صدام حسين...: "تكمن مشكلتنا ـ بوصفنا عربا ومسلمين ــ في أننا لم نشهد قتل الأب في ثقافتنا وإنما أعدنا إنتاجه في أشكال جديدة من الأصولية العقائدية والانغلاق الإيديولوجي المذهبي الذي اعتقل العالم والحقيقة في شباك النظرية والكلمة الأولى التي ادعت أنها تعلو على وقائعية العالم وفجائعيته. مشكلتنا أننا لم نشهد اضمحلال المقدس أو انسحابه من فضاء العمل التاريخي في توليد المعنى على ما يرى البروفيسور محمد أركون، وإنما ظلت تتناسل فينا شهوة التماهي مع الأصل احتماء من فوضى الحاضر غير المسيطر عليه بشكل جيد. هذا ما يدفع بي إلى الحديث عن خطر الثورة السياسية في ظل غياب الثورة الثقافية والعقلية التي تناوش الواقع وتفكك سلطة المرجعيات المتآكلة. دون ذلك تبقى بيوتنا مشرعة دائما لضيوفها من الآلهة التي ترفض أن تموت" (ص. 29 – 30).

وإذن فالأمر يتعلق بذهنية انبنت منذ القديم على انتظار المخلص/ القائد الملهم، بقراءة معينة للدين فرضتها السياسة منذ العهد الأول للإسلام، فالمشكل ليس سياسيا فحسب بل هو ذو أبعاد متعددة أبرزها المشكل الثقافي. خصوصا في ظل غياب الشرعية الشعبية كمحدد للنظام الديمقراطي، ووجود شرعية تارخية: الشرعية الدينية، أو الشرعية الثورية أو غيرها: "من الواضح والجلي أننا لم ندخل بعد عصر الشرعية السياسية الديمقراطية بمعناها الشامل. فلم يولد عندنا الإنسان بوصفه مرجعا للقيم(...) فلقد تأسست الدولة العربية ــ منذ عقود ــ على الشرعية الثورية أو على شخصية الزعيم الملهم، وبقيت بذلك حبيسة الزمن الثقافي الأسطوري الذي يربط الشرعية بالبدايات المقدسة وبالبطولة الفردية. إنها الشرعية التي تنهل من المخيال ومن الزمن النبوي. هذا ما يبين كيف أن نظام الشرعية السياسية العربية بقي يتحصن بالمرجعية العاطفية/ الأسطورية من أجل تجاوز مآزقه الخاصة كلما جابه التحديات والأسئلة الجديدة" (ص. 79)

فالمستبد العربي لا يفهم السياسة كمجال لتدبير الشأن العام، ولكنه يرها مكانا لتحقيق الأحلام الطوباوية أو الخلاصية، وهو ما يجب تغييره.

وعموما هذه القراءة السياسية هي نتيجة تكريس الوحدانية في كل شيء في الثقافة، السياسة، الفن... وبالتالي تخوين وتكفير وتبديع كل من يخالف النموذج الجاهز أو يغرد خارج السرب، ومن هنا احتقار العقل والإبداع وتكفيرهما (ص.130).
ومن هنا أهمية دراسة أدونيس للشعر، باعتبار الشعر انفتاحا على المستقبل على المجهول على تعددية المعنى، وليس التشرنق في أحادية المعنى المكرسة للاستبداد. ولقد كرع الجميع من معين الثقافة الوحدانية وهو ما يلاحظ حتى في الحركات المعارضة، التي وإن نادت بالحرية فإنها تستبطن غيرها، وهي الأخرى تكرس الاستبداد.

 بلغة أخرى أُدخِلت المجتمعات العربية قسرا إلى الحداثة، بيد أنها لم تكن حداثة حقيقة هي فقط بعض مظاهرها التحديثية، وليس عمقها الفلسفي (ص. 114). ما قامت به بعض الأحزاب القومية والاشتراكية هو الاستعاضة عن عمامة الفقيه بخوذة العسكر، هي علمنة الاستبداد !!
بمعنى آخر انتشرت حداثة النظام، ولم تنتشر حداثة التفكيك، وهذا هو ما نحتاجه اليوم، إن الحداثة في عمقها هو بحث مستمر عن المعنى الجديد، وليس المعطى المنجز الجاهز، إذ حاولت الأنظمة العربية دائما اغتصاب الدلالة باسم المقدس والمعنى الجاهز، إن الحداثة/التفكيك هي بحث في الواقع /الانطلاقة من التجربة وليس البقاء رهين سلطة النص، وهذه إحدى معضلات الثقافة العربية الإسلامية عبادة النصوص، خصوصا عندما يتم تحنيطها وتحويلها إلى المطلق (ص.111و150).

ملاحظة: أتساءل شخصيا ما الفرق حينها بين قال ابن حنبل، قال الشافعي، وقال ماركس، أو قال ستالين، أو لينين... عندما يصبح النص مقدسا مطلقا؟ وهذه معضلة حقيقية، شخصيا كنت أقول لبعض الرفاق، إنكم تعانون من المانوية والإيمانوية، من جهة، مشكل المنطق الثنائي: مناضل/مخزني، تقدمي/رجعي، وتخوين كل الآراء المخالفة.. مثلما يوجد عند الآخرين ثنائية: الحلال/الحرام، المؤمن/الكافر... ومن جهة أخرى تقديس كلام مجموعة من الأشخاص والنصوص.

إن حداثة التفكيك، بالنسبة للمؤلف شيء أساسي للخروج بالمجتمعات العربية من متحف التاريخ، ويقع العاتق بشكل كبير على المثقفين، الذين يعد دورهم الأول تحرير دلالة الأشياء من تاريخها المرتبط بالسلطة: "الذين أصبحوا يفهمون الحداثة لا على أنها نظام شمولي ونظرة ناجزة منتهية، بل بوصفها موقفا نقديا وحركية لا تنتهي في اكتناه المجهول ومراجعة المسبقات في ضوء السديم التاريخي الذي نشهده" (ص. 176).

* نشر المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الأربعاء 27 نونبر 2013

إطلالة على كتاب : "العرب، وجهة نظر يابانية، بقلم عبد الواحد بنعضرا*

إطلالة على كتاب : "العرب، وجهة نظر يابانية"1/2
عبد الواحد بنعضرا
بدأت علاقتي بالثقافة اليابانية في الماضي مع رواية بعنوان"التاريخ السري لأمير موساشي" حينها اكتشفت ثقافة أخرى مغايرة لثقافتنا وللغرب، بعدها سيكون لي موعد مع رواية "النائمات الجميلات"... وكل مرة أكتشف عنصرا جديدا في الثقافة اليابانية.

هذه المرة سألتقي بعمل من نوع آخر، له أهميته، فما بين الكتابات العجائبية للغرب  وبرودة الدراسات الانتربولوجية الكلاسيكية التي تنفلت منها حرارة الموضوع، وبين تبلد الإحساس لدينا حتى نكاد نتعايش مع الفساد ولا نعيره كبير اهتمام، بالذات في تمفصل هذه العناصر يستقر كتاب نوبوأكي نوتوهارا، فخلافا للنظرة الاستعلائية للغرب، نجد تواضعا من الكاتب، وتعبيرا عن كون قراءته هذه هي بالأساس نتيجة مشاهدة عن قرب وليس دراسة علمية أكاديمية، إنها مرآة نرى فيها وجوهنا. تبلد الإحساس قد يمنعنا من الاستمتاع بجمالية الشمس أو منظر الغروب، إنه التعود على الأشياء حدّ فقداننا الإحساس بروعتها أو سحرها، أو بالمقابل بشاعتها أحيانا !
 ينبّه المؤلف إلى أنه من بين الأسئلة التي كان يصادفها أينما حلّ وارتحل في العالم العربي، سؤال: العلاقة بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية؟ جواب المؤلف أن اليابانيين يرون خطأهم ويعملون على تجاوزه، فبالنسبة لهم هم من اعتدى أوّلا على الصين والشعوب الأسيوية، وبالتالي فلهم نصيب مما وقع، صحيح أن الناس تألمت لما وقع ولكن المهم معرفة الخطأ وتجاوزه. يسجل المؤلف أن العرب يتعاملون مع مجموعة من القضايا بعاطفة مفرطة.
من الملاحظات التي يسجلها المؤلف، أن الإنسان الياباني في تحليله لقضية ما يعمل على القيام بشيئين: الانطلاق من الواقع، ثم دراسة القضية بشكل متكامل دون فصل أجزائها عن بعضها، خلافا للإنسان العربي الذي يعتبر أن القرآن يحتوي على كل المعرفة وبالتالي فهو يعمل ــ بمعنى من المعاني ــ على تكييف الواقع مع ما يتصوره هو الحقيقة، وليس العكس فهو لا ينطلق من الواقع، وبالتالي فهو لا يستطيع إيجاد حلول مناسبة.
يلاحظ المؤلف أن لدينا إفراطا في استعمال الديمقراطية! الواقع: لا وجود لها في العالم العربي في ظل أنظمة تسحق الفرد، وحيث: "المعيار الوحيد لكرامة المواطن ووطنيته هو مقدار ولائه للحاكم وطاعته له والتسبيح بحمده في جميع الأوقات والظروف والمناسبات وهذا كله غريب علينا نحن اليابانيين في الوقت الحاضر على الأقل" (ص. 37). الإنسان العربي مقموع جدا على كافة المستويات ! النتيجة: تدميره لكل المنشآت العمومية إذ يعتبرها غريبة عنه فهي في ملك من يتسبب في قمعه؛ هكذا يظن العربي، يقول المؤلف: "في عاصمة عربية ذهبت لأزور صديقا عربيا. وصلت إلى الحي الذي يسكنه فاجأتني القاذورات وفضلات الطعام وكافة أشكال النفايات وأكياس الزبالة. كانت منشورة بعشوائية على الأرض، والشارع والزوايا. على أي حال، وصلت إلى البناية التي يسكن فيها ذلك الصديق. المدخل كان قذرا والدرج أيضا ولكن لدهشتي فقد وجدت عالما آخر خلف باب صديقي. كان البيت نظيفا للغاية وكان مرتبا وأنيقا ومريحا. لقد فهمت أن كل ما يخص الملكية العامة يعامله الناس كأنه عدو فينتقمون منه ولذلك نجد المقاعد في الحدائق العامة مكسرة أو مخلوعة ونجد معظم مصابيح الشوارع محطمة. كما أن دورات المياه العامة قذرة بصورة لا توصف. وحتى المباني الحكومية فقد لحق بها كل أنواع التخريب الممكنة. لقد فكرت طويلا في ظاهرة تخريب الممتلكات العامة وفهمت أن المواطن العربي يقرن بين الأملاك العامة والسلطة وهو نفسيا في لا وعيه على الأقل ينتقم سلبيا من السلطة القمعية فيدمر بانتقامه وطنه ومجتمعه بدلا من أن يدمر السلطة نفسها" (ص. 31 ــ 32). ويوضح المؤلف، بأن هذه المظاهر اختفت من اليابان، وإن كان الأمر قد تطلب وقتا طويلا،  سنوات بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن المهم أنها اختفت من اليابان.
ملاحظة: قد نفهم مع المؤلف نوبوأكي نوتوهارا، لماذا ينحصر الواجب عند "العرب" في الواجب الديني فقط: أداء الصلوات، الصيام، الحج... دون الاهتمام بأي واجب آخر أو مسؤولية تجاه الوطن !!
    يُصدم المؤلف ببعض الأشياء في العالم العربي، مثل تعامل القائمين في المطارات مع المسافرين، وغطرسة رجال الأمن: "ولكن ما لا أفهمه ذلك التعالي وتلك الغطرسة خاصة من المسؤولين الكبار كضباط الشرطة أو الأمن لا أعرف. إن الأمر يستغرق ساعات أحيانا بين وقوف وتفتيش ومراجعات. تلك صورة مؤلمة تفضح النظام بكامله. أعني النظام السياسي والاجتماعي والأخلاقي وتبين كيف يتلازم القمع مع عدم الشعور بالمسؤولية تجاه سمعة الوطن وتجاه الآخر كإنسان صاحب كرامة" (ص.33).

إطلالة على كتاب : "العرب، وجهة نظر يابانية"2/2
عبد الواحد بنعضرا

كما صُدم بظاهرة الرشوة وخمّن أنها ربما تكون ظاهرة عامة، وهذا ما زاد في صدمته. وبأن روح المسؤولية غائبة، بل لقد وصلت صدمته درجة كبرى حينما عرض عليه أحدهم شراء قطعة أثرية: "لقد كان يعرض علي أن أشتري سرّا بالطبع قطعا أثرية. لم أصدق أذني في البداية ولكنه أكد لي بوضوح أنه يستطيع أن يؤمّن لي قطعا نادرة، ولم ينس أن يؤكد أننا لن نختلف على السعر. حتى الآن أنا لا أستطيع أن أصدق أن موظفا اختاره وطنه ليحرس آثاره ومع ذلك فإنه يخون ضميره وشرفه وتاريخه ويبيع آثارا تركها أجداده منذ آلاف السنين ! (...) شيء لايصدق"(ص. 41).
تكلم المؤلف عن أشياء كثيرة على سبيل المقارنة بين مكانة الأستاذ في الدولة العربية وبين مكانته في اليابان؛ حيث يحظى بنوع من التقديس إذ مهما وقع لا يمكن التضييق عليه أو فصله من عمله حتى لو اجتمع البرلمان لذلك، فهو خط أحمر، لأنه المستأمن على مستقبل اليابان: "والمعلم محمي بقوة القانون وقوة تقدير المجتمع" (ص. 44). وعموما فالنظام التعليمي في اليابان يشجع المواهب، خلافا للعالم العربي الذي يقبر المواهب.
لاحظ المؤلف أن هناك ثالوثا محرما من الطابوهات: الجنس، الدين، السياسة.
سأترك لمن أثاره هذا الكتاب مجالا واسعا يكتشفه من خلال اطلاعه الشخصي، وسأستعرض بعض ملاحظات الكاتب عن الحقل السياسي بالعالم العربي: فمن ذلك أن العالم العربي لا يوجد فيه انتقاد للحكام، أن الحاكم يعمر طويلا سواء كان ملكا أو رئيسا، سيان في ذلك، خلافا لليابان حيث الامبراطور لا سلطة له، بينما لا تتجاوز مدة حكم رئيس الوزراء سنتين فقط ! ولا يحق له بعدها العودة إلى نفس المنصب، وبذلك يقول المؤلف نضمن عدم وجود الاستبداد.
مما صدم المؤلف أن الحاكم العربي يخاطب شعبه بكلمة: أبنائي وبناتي، وهذا ما لا يمكن أن يقبل به ياباني، لأن السلطة ليست جزءا من بيت أو أسرة الحاكم، فضلا عما يحكم هذا المنطق من وصاية واستبداد (ص. 38).
ومن الملاحظات التي أبداها المؤلف أن جزءا كبيرا من المعارضة في العالم العربي تستنكر على السلطة ما تمارسه هي الأخرى بدورها: "فكرة التأبيد لا تقتصر على رجل السلطة الكبير وإنما تشمل قادة الأحزاب التي يفترض أنها في المعارضة والأحزاب المعارضة من المفترض أن تحمل مشروعا مناقضا لمشروع السلطة القائمة ومختلفا عنه وإلا فإن المعارضة تصبح سلطة تنتظر دورها في السيطرة على الحكم استلاما يؤبد المشروع السائد" (ص. 51).
كما صدم الكاتب وجود كاتب يمدح الحكام، لأن الكاتب بالنسبة لليابانيين مهمته الدفاع عن قضايا الإنسان وليس التملق للحكام: "إن عقولنا في اليابان عاجزة عن فهم معنى أن يمدح الشاعر أو الكاتب السلطة أو أحد أفراد السلطة. هذا ليس موجودا عندنا على الإطلاق. نحنن نستغرب ظاهرة مديح الحاكم كما نستغرب رفع صوره في أوضاع مختلفة وكأنه نجم سينمائي أو مطرب ذائع الصيت(...) عندنا ننتظر من الكاتب أن يساعدنا ويعلمنا ولا يخطر لنا على بال أن كاتبا قد يمدح الحاكم. فكيف إذا عرفنا أنه مدح الرئيس أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية ومدح الملك الحسن ملك المملكة المغربية والرئيس حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية والسورية والملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية والرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق ! نحن لا نفهم كيف يمكن لشاعر كبير أن يمدح أولئك القادة في آن واحد" (ص.53 ).
وأختم بملاحظة المؤلف الآتية: "إنني شبعت جدا من كلمة "الديمقراطية"، وكل من له علاقة بالكتّاب العرب يعرف معنى التخمة من كلمة "الديمقراطية" وهذا الشبع الزائد الزائف يدل بوضوح على غياب الديمقراطية. فمثلا تجلس مع كاتب يتحدث عن الديمقراطية بلا تعب ثلاث ساعات ولا يعطي مجالا لأحد من الحاضرين بالكلام. عمليا هو يمارس الدكتاتورية أو على الأقل سلطة النجم ومع ذلك يشكو غياب الديمقراطية. أظن أن هذا النوع من الكتاب يشكو من الحاجة لمنصب رفيع في السلطة." (ص. 52 ــ 53).
هذا جزء من كل لهذه التحفة التي طبعت سنة 2003، ولم أشر إلا لنقاط قليلة منها، يمكن أن تحفز البعض لقراءة هذا الكتاب، بنسخته الأصلية العربية، لأن المؤلف يتكلم اللغة العربية، ولعلنا أن نرى ما منعنا تبلد الإحساس من رؤيته.

* نشر الجزء الأول من المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الأربعاء 9 أكتوبر 2013
ونشر الجزء الثاني يوم الخميس 10 أكتوبر 2013

الخميس، 7 أغسطس 2014

الحروب الصليبية، وجهة نظر أمين معلوف، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



الحروب الصليبية، وجهة نظر أمين معلوف
عبد الواحد بنعضرا



هذا الكتاب les croisades vues par les arabes  ليس بعمل روائي، بل هو محاولة من أمين معلوف تقديم سرد تاريخي للحروب الصليبية، انطلاقا من المصادر العربية. ولذا سيكون من التعسف نقاش هذا العمل من وجهة أدبية صرف، أو وضعه على مشرحة النقد التاريخي، لأن صاحبه ليس مؤرخا. أقول لنعتبر هذا العمل وجهة نظر أمين معلوف، لربما جاز لنا أن نطلق عليه الحروب الصليبية في عيون أمين معلوف انطلاقا من نصوص عربية. 




رغم أن العمل لا يدخل في جنس الرواية، إلا أن المؤلف، بمهارته الأدبية، برع في تقديم رواية تاريخية للأحداث من بداية دخول الفرنج للمشرق سنة 1096م/ 490هـ، مرورا بدور آل زنكي، ثم الأيوبيين، ثم المماليك الذين قضوا على الوجود الفرنجي في المشرق سنة 1291م/690هـ، عبر تبئير بعض الأحداث والشخصيات، في نسق سردي معين.
من خلال هذا العمل سنلمس مجموعة من النقط التي ذكرت في مظان كثيرة، بيد أن براعة المؤلف تكمن في طريقة تقديمها، من بينها إسهام تضارب المصالح بين الحكام "العرب/المسلمين" في تسهيل مهمة "الفرنج" الاستيلاء على الشرق العربي، بل إن الأمر وصل غايته في عهد الكامل (أحد الأيوبيين) الذي سلم القدس لفرديريك في فبراير 1229  (Ed. j’ai lu, Paris, 2001, p. 262+) دون مبررات قوية وبكل سهولة، ضاربا بعرض الحائط كل ما تم إنجازه واسترجاعها من طرف صلاح الدين في أكتوبر 1187، بعد أن مهد انتصار الحطين في يوليوز من نفس السنة الطريق لاسترجاع جزء كبير من المدن المشرقية التي كان يحتلها الفرنج. (ص. 222 +).
تعرض المؤلف أيضا للمجازر التي قام بها  الفرنج بعد دخولهم للمشرق، ولعل من أبشعها مجزرة مدينة المعرة (ص. 56 وما قبلها وما بعدها). فضلا عن ذلك أبرز أن أهداف كثير من الصليبيين لم تكن خدمة المسيحية، بل فقط الاستجابة لمصالح شخصية.
ركز أيضا المؤلف على تعقد العلاقات التي جمعت بين كل الفاعلين على مسرح الأحداث: العرب، بقية العناصر المسلمة، مسيحيي المشرق، الفرنج، وغيرهم، وفي هذا الإطار أورد نصا للرحالة ابن جبير يستغرب فيه من استمرار العلاقات التجارية بين المسلمين وغيرهم رغم ظروف الحرب !
 في الخاتمة، يطرح المؤلف مجموعة من العناصر التي تشكل في نظره معوقات أمام العرب، من بينها
ــ حكام المناطق العربية كانوا دائما غير عرب
ــ عدم قدرة العرب على تكوين مؤسسات خلافا للفرنج الذين استطاعوا ذلك حتى في المشرق
ليخلص إلى أن السلطة المطلقة للحاكم المسلم أسهمت في غياب الحرية وفي تأخر الأفكار وعدم انبعاث مدن تجارية
وبتحليل نص آخر لابن جبير يرى المؤلف أن الفرنج انفتحوا على اللغة العربية وعلوم العرب بينما رفض المسلمون ذلك فقد رأوا في ذلك خيانة للإسلام، يقول أمين معلوف بأنه في الوقت الذي كانت فيه الحروب الصليبية بالنسبة لأروبا دافعا لثورة اقتصادية وثقافية،  دخل المشرق من خلال هذه الحروب "المقدسة" في عصور طويلة من الظلام والانحطاط، فالعالم الإسلامي الذي كان يتلقى الضربات من كل الجهات فضّل الانغلاق والتقوقع على نفسه فأصبح صداميا، أقل تسامحا، عقيما... وفي الوقت الذي يواصل العالم فيه تطوره، أحس العالم الإسلامي أنه مهمش ولا دور له في هذا التطور... لقد أصبح التقدم، الحداثة هي الآخر... أكان لزاما عليه، لإثبات هويته، رفض الحداثة كرمز للغرب؟ أم الدخول في المغامرة والانخراط في الحداثة مهما كانت تأثير ذلك على الهوية؟ (ص. 303)

فلا يستبعد أمين معلوف أن يكون للحروب الصليبية دور في التأثير على المسلمين في تمثلهم للآخر لغاية اليوم، وتحديد موقفهم منه، وهو ما يعني أن العربي مازال يعيش زمن الحروب الصليبية، ويرى في كل لقاء مع الآخر وجها من وجوه تلك الحروب، لذا يشير المؤلف إلى أن الكثيرين أطلقوا على جمال عبد الناصر: صلاح الدين، وبعض كتائب المقاومة الفلسطينية كانت تحمل أسماء لها علاقة بالحروب الصليبية كفرقة حطين. بينما يعيش الآخر زمنه زمن الحداثة.
أشير إلى أن الكتاب صدرت طبعته الأولى سنة 1983، أي بُعَيد بقليل "الثورة الإيرانية"، والحرب الأهلية اللبنانية، وانتشار الوهابية والأفكار المنغلقة بفضل فورة النفط وعائدات البترول، وفي ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي ومحاولة البعض إلباسه لباسا دينيا... ولعل تركيز المؤلف على بعض التفاصيل تفهم في ظل هذا السياق، خاصة عندما يؤكد مثلا أن البطل الحقيقي للصراع بين الفرنج والمسلمين لضم مصر، لم يكن السلطان نور الدين زنكي ولا مملوكه صلاح الدين، بل كان هو عم هذا الأخير شيركو، الذي غامر وناور وسابق وخطط، حتى تمكن من أن يصبح حاكما لمصر ووزيرها في سنة 1169م ــ كان الخليفة الفاطمي حاكما صوريا فقط شأنه في ذلك شأن الخليفة العباسي في بغداد ــ، قبل أن يتوفى ويترك الوزارة لابن أخيه يوسف بن أيوب المعروف بصلاح الدين الأيوبي، هذا الأخير سيعمل رويد رويدا على الدخول في تمرد هادئ طويل تجاه سيده نور الدين برفضه الإذعان لقراراته، وتفادي اللقاء به، مما جعله يفك الحصار عن بعض المدن التي يحتلها الفرنج بمجرد علمه بتحرك زنكي لمساندته، بل إن صلاح الدين عمد إلى ضم اليمن إلى نفوذه لجعلها ملجأ له ولعائلته إذا ما فكّر زنكي في مهاجمة مصر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد بدأ الحديث يروج عن تحالف بين صلاح الدين وملك أورشليم/القدس ضد السلطان نور الدين زنكي (ص. 199). ووصل التوتر بين الرجلين قمته لما أمر نور الدين صلاح الدين بإعلان نهاية الخلافة الفاطمية، حيث رفض في بادئ الأمر؛ لأنه كان يرى أن ذلك سيجعل منه تابعا عاديا لزنكي، بينما وجود الخليفة الفاطمي ــ ولو صوريا ــ يمنحه الشرعية كوزير لهذا الخليفة على مصر. ومع ذلك سيضطر ابن أيوب إلى خلع الخليفة العاضد سنة 1174م الذي كان على فراش الموت.
سارت الأمور فعلا نحو القيام بحملة على مصر، غير أن الوفاة لم تمهل زنكي الذين أُعلن عن وفاته يوم 15 ماي 1274. ومن حسن طالع صلاح الدين، كما رأى أمين معلوف أن أغلب خصومه فارقوا الحياة تباعا، كملك أورشليم أمارك (Amaury)، في 11 يوليوز من نفس السنة، أو اندحروا كامبراطور الروم عمانويل الذي انهزم سنة 1176 أمام قلج أرسلان الثاني. (ص. 206). ليصبح صلاح الدين أبرز مبارز في الميدان ويجيد الاستفادة من الفرصة التي أتيحت له ويكبد الفرنجة هزيمة قاسية في معركة حطين سنة 1187، التي فتحت له أبواب المشرق على مصراعيها.
غير أن المؤلف لم يفته أن يؤكد على ارتكاب صلاح الدين خطأ فادحا بخصوص مدينة صور(ص. 226)، التي أصبحت ملجأ لكل الفرنج، ذلك أنها ستصبح لاحقا مدخلا للفرنج القادمين من أوربا للدخول إلى المشرق، وهو ما تسبب في استسلام عكا للفرنجة في يوليوز 1191، بعد عامين من الحصار، ولما يمض إلا قليل عن الانتصار الكبير لحطين ولدخول القدس !! لعل بهذا يحاول المؤلف تعديل صورة صلاح الدين وإرجاعها لبعدها الإنساني خلافا للهالة التي رسمت له في المخيال الجماعي حتى أصبحت لدى العرب /المسلمين ما يسمى عقدة صلاح الدين فضلا عن عقدة الماضي ككل ذلك الماضي الذي صوره الخطاب الرسمي ماضيا زاهرا كله إشراقات يسير في خط مستقيم  
 

* نشر هذا المقال بجريدة الأحداث المغربية يوم الخميس 23 ماي 2013

السبت، 2 أغسطس 2014

البنوك الإسلامية، 10/10، بقلم عبد الواحد بنعضرا*



 البنوك الإسلامية
10/10 
عبد الواحد بنعضرا

ــ اعتراض رابع:
يصر القرضاوي على أن تعامل البنوك الإسلامية بالمرابحة ليس من نوع بيعتين في بيعة لأن هذا البيع الذي تجربه المصارف الإسلامية: «بيع حقيقي لا صوري، ولا اسمي، وإن شئنا الدقة، قلنا إنها مواعدة على بيع حقيقي لسلعة مطلوبة بالفعل، فلا وجه لإدخالها في بيعتين في بيعة، فإنما هي بيعة واحدة». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 53)
وهنا يأتي الاعتراض التالي: إذا كان الأمر فعلا يتعلق ببيع واحد: لماذا قسمت العملية إلى قسمين: وعد ملزم وبيع؟ في هذا الإطار يرد القرضاوي بما يلي: «والجواب ما ذكرناه من قبل، أن البيع إنما يتحقق إذا ملك المصرف السلعة وقبضها، حتى لا يبيع ما لا يملك، أما الوعد- وإن كان ملزما- فليس بيعا وهذا موضح في كتابنا» (نفسه، ص. 113).
إذا كان البنك يمتلك ما سيبيعه للآمر بالشراء، إذن هو ليس ملزما- مادام يقوم بدور البائع- أن يفرض على الزبون الشراء، فهل رأيت بائعا ينادي على زبون أو مشتر ويفرض عليه أن يبيع له، وكما لا حظ رفيق المصري: «لايمكن إذن القول أن كل وعد يكون ملزما على الإطلاق، ونذكر بالإضافة إلى ما سبق، أن المتبايعين في مجلس العقد قد يعقدان البيع، فهذا عقد، أي أكثر من وعد، أي وعدا ملزما من حيث المبدأ، إلا أن الشارع أعطى لهما خيار المجلس، يقول (ص): «البيعان بالخيار مالم يتفرقا» (متفق عليه) وقد بين هذا مشكورا عبد الله العبادي في مجلة منار الإسلام (العدد السادس 1985 ص: 56)...» (رفيق المصري، معطيات سابقة، ص. 98).
إن إلزام الآمر بالشراء- رغم أن البنك هو الذي يمتلك البضاعة - معناه أن البنك على الحقيقة لا يملك شيئا بل هو وسيط بين البائع الحقيقي والمشتري، وذلك من أجل التحايل فقط..
وطبعا نفهم جيدا لماذا يصر القرضاوي على إلزامية الوعد، إن البنوك الإسلامية غير مستعدة أبدا لتلعب دور البائع فليست أكثر من مقرض بالفائدة، وإذا لم يكن الوعد ملزما فستفلت من البنك إمكانية التحايل ولن يبقى أمامه إلا التعامل بالصورة التقليدية أي تقديم قرض للعميل بفائدة واضحة، وفي هذه الحالة سيفقد البنك الإسلامي دعما هاما بل سببا رئيسيا في استمراره اليوم هو الغطاء الأدلوجي وتزييف الوعي الذي يجعل كثيرا من العملاء والزبناء يصدقون أن هناك بنوكا إسلامية وبنوكا ربوية، وأن هناك أناسا ليس لهم من هم أو شاغل إلا الغيرة على الدين. ومن المفيد أيضا أن نقدم هذه الملاحظة التي ذكرها رفيق المصري في إطار نقده لدفاع القرضاوي عن إلزامية الوعد: «أطال الدكتور القرضاوي في الدفاع عن أن الوعد ملزم (ص: 62 و 81) [ط الكويت] ونحن لا نخالف في الجملة في هذا، ولا يحتاج الأمر إلى إطالة النفس، إنما نحن محتاجون للتوقف طويلا عند تجزئة العملية إلى جزءين: وعد وبيع، ثم الاستعانة بإلزامية الوعد بما يؤدي إلى الغرر أو الجهالة في البيع.. فالحق أن الأستاذ القرضاوي إذا كان ممن يرى أن الوعد ملزم، فيوافق بعض العلماء في هذا ويخالف آخرين، فمن مقتضى مذهبه أن لا يدخل هذا الوعد على العملية أبدا، لأن الإلزام فيها يجعلها حراما، ولو كان مذهبنا بالإلزام عموما لوجب هنا عدمه خصوصا، لأن الوعد إذا أدى إلى حرام فهو حرام مثله». (نفسه، ص. 97).

ــ اعتراض خامس:
في إطار نقد ما تؤدي إليه إلزامية الوعد في البيع ما ذكره رفيق المصري من أن : «بيع المرابحة مع الملزم يفضي إلى بيع مؤجل البدلين، وهذه الشبهة لم يوردها الأستاذ القرضاوي في كتابه، فلا المصرف يسلم السلعة في الحال، ولا العميل يسلم الثمن، وهذا ابتداء الدين بالدين، أو الكالئ بالكالئ، الذي أجمع الفقهاء على النهي عنه مع ضعف الحديث الوارد فيه. اللهم إلا أن يجتمع الثلاثة (المصرف، والمشتري والبائع، أو ممثل عن كل منهم) في مجلس واحد، فيدفع المصرف الثمن النقدي إلى البائع، ويسجل الثمن المؤجل بذمة المشتري، فهذا ربا واضح بتواطؤ الثلاثة». ( رفيق المصري، معطيات سابقة، ص. 96-95).
وكما لم يتطرق القرضاوي إلى هذه الشبهة في طبعة كتابه الأولى، فإنه اكتفى في الردّ على هذه الشبهة هنا بكلام يدور في حلقة مفرغة، إذ أجاب عن هذا الاعتراض بما يلي : «إن البيع ليس مؤجل البدلين، فإن الذي يحدث أولا بين العميل والمصرف وعد لا بيع، إنما يحصل البيع عند تملك المصرف السلعة المأمور بشرائها وحيازتها، وعندئذ يتم تسليم المبيع وتأجيل الثمن كله أو بعضه». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 112). وهذا كلام سبق أن رددنا عليه، وهو يوضح إلى أي درجة بلغ تهافت خطاب القرضاوي وإلى أي حدّ يصل التحايل في هذه العملية المسماة «بيع المرابحة كما تجربه المصارف الإسلامية».
وبعد، فبالنظر إلى هذه الاعتراضات السابقة ألا يظهر لنا أن القرضاوي - ومن الناحية الفقهية- قد وقع في الشبهات وقد كان حرياً به أن ينأى بنفسه وبالمسلمين عن كل أمر فيه لبس واختلاف كثير ومحل شبهات كثيرة .. ولقد سبق للقرضاوي، وهو يعترض على موقف سيد طنطاوي في موضوع شهادات الاستثمار، أن ثمّن ووافق على موقفه من ضرورة اتقاء الشبهات، وكان مما كتبه القرضاوي : «وقد أصاب المفتي بذكر هذه القاعدة والاستدلال بهذا الحديث، وبالحديث الآخر المشهور أيضا : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وفسره بقوله : أي اترك ما تشك في كونه حراما، وخذ ما لا تشك في كونه حلالا، ومقتضى تطبيق هذه القاعدة أن يترك المسلم التعامل بهذه المعاملات المعجونة بالربا ...». (القرضاوي، فوائد البنوك، ص. 91). أما كان أولى بالقرضاوي أن يعود لكلامه هذا وأن ينأى بنفسه عن الشبهات كمسلم حريص على دينه ؟ بيد أنه إذا ظهر السبب بطل العجب !!
وقبل أن أمر إلى خاتمة هذه الدراسة أود الإشارة إلى ما تكبده البنوك الإسلامية من خسائر للدول «الإسلامية» المحتضنة لها، وإذا كانت الأرقام مازالت غير كافية بالنسبة للجيل الثاني من هذه الأبناك، فإن الجيل الأول من البنوك الإسلامية تسبب بضربة موجعة للاقتصاد المصري وهو يحرمه من ودائع مهمة بحيث - وبفضل الغطاء الأدلوجي الديني وأيضا وهذا لا يجب إغفاله بالنسبة للمودعين الرغبة الشرهة في الربح السريع- أن ما جمعته البنوك الإسلامية من سيولة مهمة من لدن المودعين معناه حرمان الدولة المصرية من سيولة مالية سواء من أجل الإنتاج والاستثمار أو من أجل ردّ الديون، علما بأن هذه الأبناك كانت تهتم بتجارة العملة والمضاربة في الأسعار على حساب الاهتمام بالاستثمار الإنتاجي وبالتالي إخراج وتسريب مبالغ مهمة من مدخرات وودائع المودعين من مصر - وهي في أمس الحاجة إليها- إلى الخارج.



21ـ خاتمة

يعود استمرار الجيل الثاني من البنوك الإسلامية - خلافا للجيل الأول الذي أفلس- إلى عاملين أساسيين، بالإضافة إلى كونها تنخرط في النظام المصرفي الدولي الحديث الذي تعمل من خلاله البنوك التقليدية الرأسمالية :
- العامل الأول : لا تتعامل هذه البنوك إلا في ما هو مضمون فيه الربح بل ومؤكد على الدوام، وهذا يطرح إشكالا واعتراضا آخر، إذ أن بعض الفقهاء - والقرضاوي منهم- يشترطون لمثل هذه التعاملات أن يكون فيها عنصر المخاطرة، بيد أنها غير متوفرة في هذه التعاملات، فالبنك هنا ضامن على كل حال أن يكون رابحا، إذ أنه يفرض على العميل وعدا ملزما بالشراء مع أنه لا معنى للوعد أن يكون ملزما وإلا صار بيعا، وهذا طبعا يجعل الموقف الأدبي للبنك الإسلامي مكشوفا للغاية، ويسقط بالتأكيد القناع الأخير، فالبنك إذن ضامن على كل حال أن يأخذ حصته من الفائدة/الربح بوعد الإلزام هذا وبالتالي فهذه الأبناك تنأى بنفسها عن كل ما فيه مغامرة، مع الإشارة إلى أن استثماراتها -الإنتاجية- يشوبها الغموض من حيث المعطيات اللازم توفرها لتقييمها.
- العامل الثاني : وقد كان متوفرا للجيل الأول أيضا، وهو المتعلق بالغطاء الأدلوجي الديني، غير أنه بالنسبة للجيل الثاني أكثر دعما وفعالية، خصوصا مع انتشار عملية غسيل الدماغ الإعلامية الخليجية للشعوب المسلمة، بل يكاد هذا العامل أن يكون هو العامل الأهم لاستمرار هذه البنوك إلى حين، إذ أنه مع هذا الاستمرار لا شيء يمنع أن تقع في مشكلات كبيرة في حالة ما فقدت هذا الدعم الأدلوجي الديني.
ولعل تحذير القرضاوي يحبل بكثير من الدلالات : «كما أؤكد التنبيه على أن بعض الموظفين في البنوك الإسلامية لا يطبقون بيع المرابحة وشروطه، كما قررتها فتاوى هيئات الرقابة الشرعية، ومؤتمرات المصارف الإسلامية، وهؤلاء يتحملون المسؤولية أمام الله تعالى أولا، ثم أمام كل من له ولاية الرقابة والتفتيش والتأديب في البنوك الإسلامية». (القرضاوي، بيع المرابحة، ص. 117).
ولعله إذا وقعت الواقعة وحصل المحظور أن تعلق الأخطاء على هؤلاء الموظفين الصغار، كأن هذا استباقا من القرضاوي للأمور ورفعا للمسؤولية من كل ما قد يقع من كوارث ؟!...
وأخيرا، لطالما ردّد القرضاوي في كثير من المناسبات بأن العبرة بالمضمون وليس بالشكل، وبالمسميات وليس بالأسماء، وكان مما ذكره في هذا الشأن : «هذه هي عناصر العملية التي اشتهرت باسم «بيع المرابحة» وأنا لا أقف عند التسمية كثيرا، لأنه لا عبرة بالأسماء، إذا وضحت المسميات». (نفسه، ص. 29).
أما كان أحرى أن يختار القوم أسماء تبتعد عن استغلال الدين، حتى إذا ما فشلت هذه الأبناك نأت عن إلصاق هذه الأخطاء بالدين نفسه وأبعدته عن أن يكون لعبة رخيصة في أيدي أصحابها، بل إن القرضاوي ذهب أبعد من هذا حين أشار إلى أنه يحق أن : «نطلق عليها إذا شئنا اسما جديدا، وأن نعتبرها - بمجموع عناصرها- صورة جديدة من معاملات هذا العصر». (نفسه، ص. 29).
ومع هذا فإنهم يصرون على أن يعتبروا بنوكهم إسلامية وأن تعاملاتها تعاملات إسلامية...!!

* نشر هذا الجزء العاشر والأخير من هذه الدراسة بجريدة الأحداث المغربية يوم الجمعة 11 غشت 2006